محررو لقطة AI – 13
22 أغسطس 2026
عادت مبادرة «سفراء الجزيرة» إلى النشاط الميداني في السودان بعد توقف قسري فرضته الحرب، لتستأنف من العاصمة الخرطوم مساراً تدريبياً يستهدف إعادة تأهيل الصحفيين والإعلاميين وصنّاع المحتوى، ومساعدتهم على التعامل مع التحولات العميقة التي أصابت المهنة خلال سنوات النزاع.
ونظّم معهد الجزيرة للإعلام، بالتعاون مع مركز رصد للدراسات الإنسانية والإنمائية، برنامجاً تدريبياً استمر أربعة أيام، خلال الفترة من 16 إلى 19 أغسطس، بمشاركة 120 صحفياً وإعلامياً وصانع محتوى قدموا من ولايات الخرطوم وشمال كردفان والشمالية والقضارف والبحر الأحمر.
وجاءت عودة المبادرة في وقت تحاول فيه مؤسسات إعلامية وصحفيون استئناف نشاطهم من داخل الخرطوم، بعد سنوات شهدت تدمير المقار وفقدان الوظائف وتشتت غرف الأخبار ونزوح العاملين في القطاع داخل السودان وخارجه.
إقبال تجاوز العدد المستهدف
كشف مدير مركز رصد للدراسات الإنسانية والإنمائية، محمد مهدي المقبول، أن البرنامج شهد إقبالاً واسعاً، إذ تقدم له نحو 520 مرشحاً خلال أسبوع واحد، بينما كان العدد المستهدف في البداية 90 متدرباً فقط.
وأمام هذا الإقبال، ارتفع عدد المشاركين إلى 120 متدرباً ومتدربة، في مؤشر يعكس حاجة الصحفيين السودانيين إلى فرص التدريب واستعادة المهارات التي تضررت بسبب توقف المؤسسات والانقطاع الطويل عن بيئات العمل المهني.
ولا يعبر ارتفاع عدد المتقدمين عن الرغبة في الحصول على التدريب فحسب، بل يكشف أيضاً حجم الفجوة التي نشأت داخل الوسط الإعلامي نتيجة سنوات الحرب، خلال مرحلة شهدت تغيراً سريعاً في أدوات إنتاج المحتوى وطرق الوصول إلى الجمهور.
فبينما كانت المؤسسات الإعلامية السودانية تفقد مقارها ومعداتها وكوادرها، واصل الإعلام الرقمي تطوره، وظهرت أدوات جديدة في التصوير والمونتاج والتحقق من المعلومات وإنتاج القصص متعددة الوسائط، ما جعل استعادة التدريب ضرورة لإعادة بناء القطاع.
القصة الإنسانية في قلب التدريب
تضمن البرنامج دورتين متخصصتين؛ حملت الأولى عنوان «القصة الإنسانية في العمل الميداني: من الفكرة إلى السرد»، بينما ركزت الثانية على «إنتاج القصص الرقمية للصحفيين وصنّاع المحتوى».
وشملت الدورات تدريبات نظرية وعملية على جمع المعلومات من الميدان، واختيار الشخصيات، وإجراء المقابلات، وبناء المشاهد السردية، والتصوير والمونتاج، وإنتاج محتوى رقمي متعدد الوسائط.
كما ركز التدريب على تحويل الوقائع والأرقام الجامدة إلى قصص إنسانية تضع المواطن في قلب التغطية، وتنقل معاناته وتطلعاته من دون استغلال أو انتهاك لكرامته وخصوصيته.
وقدمت أمل عادل الباز دورة إنتاج القصة الإنسانية، بينما تولت تسنيم دهب تدريب المشاركين في مجال إنتاج القصص الرقمية.
وأكدت المدربتان أن البرنامج جاء استجابة للحاجة المتزايدة إلى إنتاج قصص تعكس واقع السودانيين في ظل الحرب، وتؤهل الصحفيين وصنّاع المحتوى لتقديم مواد مهنية وموثقة، بعيداً عن التضليل والمعلومات غير الدقيقة.
من نقل الحدث إلى رواية أثره
تمثل العودة إلى السرد الإنساني تحولاً مهماً في طبيعة التغطية الإعلامية السودانية، التي ظلت خلال سنوات الحرب منشغلة بالأخبار العاجلة والعمليات العسكرية والبيانات المتضاربة.
وأدى تسارع الأحداث إلى هيمنة الخبر السريع، بينما تراجعت المساحة المخصصة لقصص النازحين والمفقودين والأطفال والنساء والمرضى والعاملين الذين فقدوا وظائفهم وأصحاب المنازل والمشروعات التي دمرتها الحرب.
لذلك سعى البرنامج إلى تدريب المشاركين على الانتقال من مجرد نقل الحدث إلى تفسير أثره على الإنسان، وإظهار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي لا تظهر في البيانات العسكرية والرسمية.
ولا تعني القصة الإنسانية التخلي عن الدقة أو التحول إلى خطاب عاطفي، بل تقوم على جمع المعلومات والتحقق منها ووضعها في سياقها، ثم تقديمها عبر شخصية أو تجربة تساعد الجمهور على فهم الأثر الحقيقي للحدث.
وفي بلد يعاني من اتساع دائرة النزوح والجوع وانهيار الخدمات، يمكن لهذا النوع من الصحافة أن ينقل احتياجات المتضررين إلى المسؤولين والمنظمات الإنسانية وصناع القرار، وأن يمنح المجتمعات المنسية مساحة للتعبير عن واقعها.
التحقق في مواجهة التضليل
احتل التحقق من المعلومات موقعاً أساسياً في البرنامج، في ظل انتشار الشائعات والمحتوى المضلل والصور القديمة والمقاطع المجتزأة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وخلال سنوات الحرب، أصبحت المنصات الرقمية إحدى ساحات الصراع الرئيسية، حيث استخدمتها الأطراف المتنافسة في نشر الروايات المتضاربة والتعبئة السياسية والعسكرية والتأثير في اتجاهات الرأي العام.
كما أدى ضعف الاتصالات وصعوبة الوصول إلى مناطق القتال وغياب المراسلين المستقلين إلى تداول معلومات يصعب التأكد منها، بينما تحولت حسابات غير معروفة إلى مصادر يتعامل معها الجمهور أحياناً بوصفها منصات إخبارية.
ومن هنا تبرز أهمية تدريب الصحفيين وصنّاع المحتوى على فحص الصور والمقاطع، ومقارنة الروايات، والعودة إلى المصادر الأصلية، وتجنب نشر الأخبار التي لا يمكن التحقق منها.
فالصحفي في بيئة الحرب لا يواجه تحدي الوصول إلى المعلومة فقط، بل يتحمل أيضاً مسؤولية منع تحوله إلى ناقل للدعاية أو أداة لإثارة الخوف والكراهية.
والي الخرطوم: الإعلام شريك في معركة الوعي
شهد ختام البرنامج والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ووزيرة الدولة بوزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية سليمة إسحاق، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة المكلف بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين، إلى جانب مسؤولين وأكاديميين وممثلين للمؤسسات الصحفية.
وأكد والي الخرطوم أن دور الإعلام خلال الحرب لم يكن أقل أهمية من الأدوار العسكرية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية، معتبراً أن الإعلام يمثل شريكاً أساسياً في ما وصفه بـ«معركة الوعي».
ودعا إلى إعداد خطة إعلامية استراتيجية لمواجهة التضليل ونشر المعلومات الدقيقة والموثوقة، مشيراً إلى أن ولاية الخرطوم تمتلك أرشيفاً من المواد والمعلومات التي توثق الأحداث التي سبقت استعادة السيطرة على العاصمة وما أعقبها.
كما شدد على أهمية توثيق مجريات الحرب منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023، وحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال المقبلة.
ويضع هذا التوجه الإعلاميين أمام مسؤولية مزدوجة: توثيق الأحداث باعتبارها جزءاً من تاريخ البلاد، والمحافظة في الوقت نفسه على الاستقلال المهني وعدم تحويل الصحافة إلى مجرد امتداد للخطاب الرسمي أو العسكري.
الإعلام وقضايا التعافي
لم تقتصر نقاشات البرنامج على توثيق الحرب وآثارها، بل امتدت إلى القضايا المرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار وعودة النازحين واستعادة الخدمات الأساسية.
ومع عودة أعداد من المواطنين إلى الخرطوم، تظهر ملفات جديدة تحتاج إلى متابعة إعلامية دقيقة، تشمل أوضاع الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس والطرق والمواصلات والأسواق والمساكن المتضررة.
كما تبرز قضايا إزالة مخلفات الحرب، وتأمين الأحياء، وإعادة تشغيل المؤسسات، وتعويض المتضررين، وحماية الممتلكات، ومساعدة الأسر العائدة على استئناف حياتها.
وفي هذه المرحلة، لا يقتصر دور الصحفي على الاحتفاء بعودة المؤسسات، بل يشمل مراقبة أداء السلطات، ورصد الاحتياجات الفعلية، ومتابعة تنفيذ الخطط المعلنة، وإتاحة المجال للمواطنين للتعبير عن مطالبهم ومخاوفهم.
ويمكن للقصص الرقمية أن تسهم في توثيق حجم الدمار، وكشف التفاوت بين الأحياء والمناطق، وإيصال أصوات المواطنين الذين لم تصل إليهم الخدمات، إلى جانب تقديم نماذج عن المبادرات المجتمعية التي تساعد في إعادة الحياة إلى العاصمة.
مسار بدأ قبل عشر سنوات
بدأت مبادرة «سفراء الجزيرة» نشاطها في السودان عام 2016، ونظمت منذ ذلك الوقت أكثر من 30 دورة تدريبية استفاد منها نحو 1800 متدرب ومتدربة.
لكن اندلاع الحرب أدى إلى توقف التدريب الميداني وحرمان آلاف الصحفيين من فرص التطوير والمواكبة، في وقت كانت فيه صناعة الإعلام تشهد تغيرات متسارعة.
ولذلك تمثل العودة إلى الخرطوم استئنافاً لمسار امتد سنوات، وليس إطلاقاً لمشروع جديد. كما أعلن القائمون على البرنامج أن الدورات الحالية لن تكون الأخيرة، وأن هناك توجهاً لتنظيم برامج تدريبية أخرى خلال العام المقبل.
وأكد ممثل معهد الجزيرة للإعلام، كمال عبد الستار بلال، أن انتهاء فترة التدريب لا يعني نهاية البرنامج، بل بداية مسؤولية جديدة أمام المشاركين لتحويل المهارات التي اكتسبوها إلى محتوى احترافي ينقل صوت المواطن السوداني إلى العالم.
عودة تتجاوز قاعات التدريب
تحمل عودة «سفراء الجزيرة» إلى السودان دلالة تتجاوز تنظيم ورش مهنية داخل قاعات التدريب؛ فهي تعكس محاولة لإعادة بناء جزء من البيئة الإعلامية التي مزقتها الحرب.
فإعادة إعمار البلاد لا تبدأ بإصلاح الطرق والمباني وشبكات المياه والكهرباء وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى صحافة قادرة على التوثيق والمساءلة ومواجهة التضليل ونقل احتياجات المجتمع.
ويظل نجاح المبادرة مرتبطاً بقدرة المشاركين على تطبيق ما تلقوه من تدريب، وإنتاج قصص مستقلة ودقيقة تحترم الإنسان، وتبتعد عن الاستقطاب وخطاب الكراهية.
كما يتطلب تعافي الإعلام السوداني إعادة تشغيل المؤسسات، وتحسين أوضاع الصحفيين، وضمان سلامتهم وحقهم في الوصول إلى المعلومات، إلى جانب توفير فرص التدريب المستمر داخل الخرطوم وبقية الولايات.
وبعد توقف فرضته الحرب، تعود «سفراء الجزيرة» من الخرطوم برسالة واضحة: أن استعادة الصحافة المهنية جزء من استعادة المجتمع نفسه، وأن معركة مواجهة التضليل وحفظ الذاكرة الوطنية لا تقل أهمية عن إعادة بناء ما دمرته البنادق.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات