محررو لقطة AI – 13
22 أغسطس 2026
أصدر رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال والقائد العام للجيش الشعبي، عبد العزيز آدم الحلو، توجيهات بوقف فوري للاقتتال والأعمال العدائية في مقاطعة هيبان ومدينة كاودا بإقليم جبال النوبة، مرحباً بالمبادرة التي طرحها قائد قوات الدعم السريع ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة تحالف «تأسيس»، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، لاحتواء الأزمة المتصاعدة في المنطقة.
ويأتي القرار في لحظة شديدة الحساسية، بعدما تحولت التوترات داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية إلى مواجهات مسلحة امتدت إلى محيط كاودا، المعقل السياسي والعسكري التاريخي للحركة، وأثارت مخاوف من انزلاق الصراع إلى اقتتال مجتمعي واسع يصعب احتواؤه.
وحمل قرار الحلو الرقم «7 لسنة 2026»، وصدر في 20 أغسطس، متضمناً الموافقة على مبادرة حميدتي والترحيب بها، إلى جانب توجيه جميع الأطراف بالالتزام الفوري بوقف الاقتتال الأهلي وكافة أشكال الأعمال العدائية.
ولم يحصر القرار وقف التصعيد في العمليات المسلحة وحدها، بل شمل أيضاً التراشق الإعلامي وخطاب الكراهية والتحريض، في إشارة إلى أن الأزمة تجاوزت الميدان وانتقلت إلى المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصاعد تبادل الاتهامات واستخدام خطاب ذي طابع قبلي.
وقف شامل للتصعيد
وجّه الحلو هيئة أركان الجيش الشعبي والأجهزة السياسية والأمنية والإدارية التابعة للحركة بالعمل على تنفيذ وقف الأعمال العدائية، وتهيئة الأجواء أمام المبادرة للقيام بمهامها عبر مسارات اجتماعية وإنسانية وعسكرية.
ويعني ذلك أن المبادرة لا تستهدف فقط الفصل بين القوات والمجموعات المتقاتلة، بل تسعى إلى معالجة تداعيات المواجهات داخل المجتمعات المحلية، وإغاثة المتضررين، وفتح قنوات اتصال بين الأطراف، والوصول إلى ترتيبات تمنع تجدد القتال.
ويمثل تضمين خطاب الكراهية والتحريض في قرار وقف التصعيد خطوة مهمة، لأن استمرار التعبئة القبلية يمكن أن يقوّض أي تهدئة ميدانية، ويعيد إشعال المواجهات حتى بعد انسحاب المقاتلين أو توقف العمليات العسكرية.
كما يعكس القرار إدراك قيادة الحركة أن الأزمة لم تعد قابلة للمعالجة عبر التدابير الأمنية وحدها، وأن احتواءها يتطلب الاستماع إلى شكاوى المجتمعات المتضررة ومعالجة الأسباب التي دفعت بعض المجموعات إلى حمل السلاح أو الدخول في مواجهة مع قوات الجيش الشعبي.
اشتباكات دفعت الأزمة إلى حافة الانفجار
جاء قرار وقف القتال عقب تصاعد المواجهات في مناطق كاودا وهيبان التي تقطنها مجموعات من مجتمع أطورو، وسط اتهامات لقوات تابعة للجيش الشعبي بتنفيذ هجمات على عدد من القرى والتسبب في سقوط ضحايا وإحراق منازل وإجبار السكان على الفرار.
وقالت مصادر محلية وقيادات أهلية إن العمليات طالت نحو ثماني قرى، وإن عدداً من المدنيين لجأوا إلى الجبال والكهوف والمناطق الوعرة بحثاً عن الحماية.
وفي المقابل، نفت الحركة الشعبية أن تكون عملياتها قد استهدفت مجتمع أطورو على أساس قبلي، وقالت إن تحركاتها كانت موجهة ضد أفراد وصفتهم بالمتمردين والمتورطين في إشعال المواجهات داخل مقاطعة هيبان.
وتكشف الروايات المتعارضة حجم التعقيد المحيط بالأزمة، إذ تصفها بعض الأطراف بأنها نزاع قبلي، بينما تنظر إليها أطراف أخرى بوصفها تمرداً داخلياً أو خلافاً سياسياً وعسكرياً تحول إلى مواجهة مسلحة.
لكن النتيجة على الأرض ظلت واحدة: سقوط ضحايا، ونزوح أسر، وتدمير ممتلكات، وتصاعد مشاعر الخوف وعدم الثقة بين مكونات المنطقة.
كاودا أمام اختبار غير مسبوق
تكتسب أحداث كاودا أهمية خاصة لأنها وقعت في المنطقة التي تمثل مركز الثقل التاريخي للحركة الشعبية – شمال، ومنها تُدار مؤسساتها السياسية والعسكرية والإدارية.
وظلت كاودا لسنوات طويلة بمنزلة العاصمة الفعلية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحركة في جبال النوبة، واحتضنت قياداتها ومؤسساتها ومراكزها العسكرية.
ولهذا، فإن وصول التوترات إلى داخل كاودا ومحيطها لا يمثل خلافاً محلياً محدوداً، بل يضع الحركة الشعبية أمام تحدٍ داخلي يتعلق بعلاقتها بالمجتمعات التي شكّلت حاضنتها الاجتماعية والسياسية خلال عقود من الحرب.
كما أن استمرار القتال في المنطقة كان سيهدد بتفكيك النسيج المجتمعي، ويفتح المجال أمام انقسامات داخل صفوف الجيش الشعبي نفسه، خصوصاً في ظل انتماء بعض أفراده إلى المجموعات المتأثرة بالنزاع.
ومن هنا تبدو سرعة صدور قرار الحلو محاولة لمنع انتقال الأزمة من مستوى التوتر المحلي إلى انقسام أوسع داخل الحركة ومؤسساتها العسكرية.
ترحيب من مجتمع أطورو
قوبلت المبادرة وقرار وقف الأعمال العدائية بترحيب من قيادات وإدارات أهلية تابعة لمجتمع أطورو، أعلنت استعدادها للتجاوب مع المساعي الرامية إلى وقف النزيف ومعالجة الأزمة بالوسائل السلمية.
ويمثل هذا الترحيب خطوة أولى ضرورية، لكنه لا يكفي وحده لضمان نجاح التهدئة، إذ يتطلب تثبيت وقف القتال وجود آلية واضحة لمراقبة تنفيذه، وتحديد مواقع القوات، ومنع الاعتداءات الانتقامية، وتأمين عودة السكان إلى قراهم.
كما تتطلب التسوية معالجة قضية المعتقلين والمفقودين. فقد قالت قيادات أهلية من أطورو إن قوات تابعة للجيش الشعبي اعتقلت 26 شخصاً من أبناء المجتمع كانوا يعملون في منظمات إنسانية خلال الفترة من أبريل إلى يونيو، بينهم رجال ونساء.
وأضافت تلك القيادات أن المعتقلين احتُجزوا في مناطق خاضعة لسيطرة الحركة ومُنعت عنهم الزيارات، بينما تدهورت الحالة الصحية لبعضهم.
وتحتاج هذه الاتهامات إلى تحقيق مستقل وشفاف يحدد أماكن المحتجزين وظروف اعتقالهم، ويضمن إطلاق سراح من لم تثبت في حقهم اتهامات جنائية واضحة، مع توفير الضمانات القانونية لجميع الأطراف.
البعد الإنساني للمبادرة
أدت المواجهات إلى موجات نزوح من القرى المتضررة، في وقت يعاني فيه إقليم جبال النوبة أصلاً من نقص الغذاء والدواء وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
ولجأت أسر إلى مناطق جبلية وكهوف تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية والمأوى الملائم، ما يزيد احتمالات انتشار الأمراض وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء وكبار السن.
ومن شأن الوقف الفوري للأعمال العدائية أن يتيح للفرق الإنسانية الوصول إلى المتضررين، وإجلاء الجرحى، وتقديم الغذاء والمياه والأدوية، وحصر أعداد النازحين والضحايا.
لكن نجاح المسار الإنساني يظل مرتبطاً بوجود ضمانات حقيقية لسلامة العاملين في المجال الإغاثي، وعدم استخدام المساعدات وسيلة للضغط السياسي أو العسكري، وفتح الطرق المؤدية إلى القرى التي شهدت المواجهات.
دلالات تدخل حميدتي
يحمل قبول الحلو مبادرة حميدتي دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى التحالف القائم بين الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع داخل تحالف «تأسيس» وحكومته الموازية.
ويمنح هذا التحالف حميدتي مساحة للتدخل في الأزمة بصفته رئيساً للمجلس الرئاسي للحكومة التي أعلنها التحالف، وليس فقط باعتباره قائداً لقوات الدعم السريع.
غير أن هذا التدخل يضع المبادرة أمام اختبار حقيقي؛ فإذا نجحت في وقف القتال وفتحت الطريق أمام مصالحة مجتمعية، فقد تستخدمها قيادة التحالف دليلاً على قدرتها على إدارة الأزمات داخل المناطق الخاضعة لسيطرة مكوناته.
أما إذا تعثرت المبادرة أو تجددت الاشتباكات، فإن ذلك سيكشف محدودية قدرة التحالف على ضبط قواته وحلفائه ومعالجة التوترات الداخلية.
كما أن المبادرة تضع العلاقة بين الحلو وحميدتي تحت الضوء، إذ يظهر قرار الحلو مستوى من التنسيق السياسي بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول حدود تدخل قيادة الدعم السريع في الشؤون الداخلية للمناطق التي تديرها الحركة الشعبية.
التهدئة ليست تسوية نهائية
يمثل قرار وقف الأعمال العدائية خطوة مهمة لمنع المزيد من الدماء، لكنه لا يشكل حلاً نهائياً للأزمة.
فالتوترات في هيبان وكاودا ترتبط بتراكمات سياسية واجتماعية وأمنية، وبشكاوى تتعلق بالتمثيل المحلي والاعتقالات والانتهاكات وطريقة إدارة السلطة داخل مناطق سيطرة الحركة.
ولذلك، فإن أي تسوية قابلة للاستمرار تحتاج إلى لجنة تحقيق مستقلة، وحوار مباشر بين قيادة الحركة وممثلي مجتمع أطورو والمكونات الأخرى، إلى جانب تعويض المتضررين وإعادة إعمار القرى والمنازل التي تضررت.
كما يجب الاتفاق على آلية محايدة لمراقبة وقف إطلاق النار، ومنع التحركات العسكرية داخل المناطق السكنية، ووضع حد لخطاب الكراهية والتحريض الذي ساهم في تعميق الانقسام.
الفرصة الأخيرة لحماية النسيج الاجتماعي
لقد أوقف قرار الحلو، مؤقتاً، اندفاع المنطقة نحو مواجهة أشد خطورة، لكنه نقل المسؤولية من ساحة القتال إلى طاولة الحوار.
فالامتحان الحقيقي لن يكون في صدور القرار، وإنما في التزام القوات والمجموعات المسلحة به، وعودة النازحين، وإطلاق سراح المحتجزين، وفتح الممرات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أياً كانت مواقعهم.
وتحتاج جبال النوبة، التي دفعت ثمناً باهظاً لعقود من الحروب، إلى تسوية تحمي تنوعها الاجتماعي وتمنع تحويل الخلافات السياسية والعسكرية إلى صراعات قبلية.
وبين الترحيب بمبادرة حميدتي وتوجيهات الحلو بإسكات البنادق، تبرز فرصة لوقف النزيف في كاودا وهيبان. لكن هذه الفرصة ستظل هشة ما لم تتحول التوجيهات السياسية إلى إجراءات واضحة على الأرض تعيد الثقة والأمن إلى المجتمعات المتضررة.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات