محررو لقطة AI – 4
22 أغسطس 2026
لم تكن «التكية» في أحياء جنوب الحزام بالعاصمة الخرطوم مجرد قدر كبير يوضع فوق النار لإعداد الطعام، وإنما كانت آخر مؤسسة اجتماعية لا تزال تعمل وسط الانهيار. ففي منطقة أنهكتها الحرب، وغادرها أصحاب الأعمال، وتوقفت فيها مصادر الدخل، وتعطلت خدمات الكهرباء والمياه والصحة، تحولت المطابخ الخيرية إلى خط الدفاع الأخير بين عشرات الآلاف من السكان وبين الجوع.
واليوم، توقف هذا الخط تماماً.
أغلقت المطابخ الخيرية العاملة في جنوب الحزام أبوابها بعد انقطاع التمويل الخارجي وتراجع المنح التي كانت تصل عبر منظمات ومبادرات من بينها «صدقات» و«حاضرين» و«نداء». وبذلك فقدت نحو 50 ألف أسرة ونازح الوجبات التي كانوا يعتمدون عليها بصورة يومية، في وقت لا يملك فيه كثير منهم مالاً لشراء الطعام، ولا عملاً يوفر دخلاً، ولا شبكة حماية حكومية تستطيع سد الفراغ.
لا يتعلق الأمر بتعثر عابر في توزيع المساعدات، بل بانهيار منظومة شعبية كاملة نشأت داخل الحرب لتؤدي وظائف كان يفترض أن تتولاها الدولة والمنظمات الإنسانية الكبرى. وعندما تتوقف هذه المنظومة، لا يبقى أمام الأسر الأشد فقراً بديل آخر يمكن الانتقال إليه.
لقد وصلت الأزمة في جنوب الحزام إلى النقطة التي يصبح فيها غياب وجبة واحدة بداية لسلسلة من المخاطر: سوء تغذية، ومرض، وعجز عن شراء الدواء، وخروج الأطفال للبحث عن الطعام، واضطرار الأسر إلى بيع آخر ممتلكاتها أو النزوح مرة أخرى نحو مكان لا تعرف إن كان أكثر أمناً أو أقل جوعاً.
التكية التي أصبحت مؤسسة حياة
ظهرت التكايا في أحياء الخرطوم خلال الحرب بوصفها استجابة محلية مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة وصعوبة وصول المنظمات الدولية. أنشأها متطوعون من لجان الأحياء وغرف الطوارئ، وجمعوا لها المال من السودانيين داخل البلاد وخارجها، واشتروا المواد الغذائية، ونظموا عمليات الطبخ والتوزيع وفق الإمكانات المتاحة.
كانت الفكرة بسيطة: كل من يستطيع يقدم شيئاً، وكل من يحتاج يحصل على وجبة من دون أسئلة معقدة أو إجراءات بيروقراطية طويلة.
لكن بساطة الفكرة لا تعني محدودية أثرها. فقد استطاعت التكايا الوصول إلى أحياء ومناطق عجزت عنها مؤسسات أكبر بكثير، لأنها كانت جزءاً من المجتمع وليست جسماً وافداً إليه. يعرف المتطوعون الأسر الأشد احتياجاً، ويعرفون المرضى وكبار السن والأطفال الذين فقدوا ذويهم، ويستطيعون التحرك عبر الطرق الداخلية والوصول إلى المنازل في ظل ظروف أمنية وخدمية بالغة التعقيد.
كما لم يقتصر دورها على إطعام الناس. أصبحت التكايا نقاطاً لتبادل المعلومات، ورصد المرضى، وتوجيه المحتاجين إلى المراكز الصحية، ومساعدة النازحين في العثور على مأوى، وتنظيم شبكات التكافل بين السكان.
لهذا فإن توقفها لا يعني انقطاع الطعام وحده، بل انهيار حلقة كاملة من الحماية المجتمعية.
خمسون ألف أسرة أمام المجهول
بحسب إفادة عضو في لجان طوارئ جنوب الحزام، كانت المنظمات والمبادرات الداعمة توفر عبر هذه المطابخ وجبات لنحو 50 ألف أسرة ونازح. ويعني هذا الرقم أن الأزمة لا تخص مجموعة صغيرة يمكن تعويضها بحملة مؤقتة أو تبرعات محدودة، بل تتطلب تدخلاً منظماً ومستداماً يمتلك القدرة على شراء ونقل وطهي كميات ضخمة من المواد الغذائية يومياً. راديو دبنقا
وقد يبدو لمن ينظر من خارج المنطقة أن الأسرة تستطيع البحث عن بديل في السوق، لكن السوق نفسه لم يعد متاحاً للجميع. فالسلع الموجودة تُباع بأسعار تجاوزت قدرة معظم السكان، بينما ارتفعت أسعار بعض الاحتياجات الأساسية بنسب وصلت إلى 100%، وفق تقديرات لجان الطوارئ.
هناك فرق كبير بين توافر السلعة والقدرة على الوصول إليها. قد توجد الحبوب أو الخضراوات أو الزيوت داخل الأسواق، لكن وجودها لا يعني شيئاً بالنسبة إلى أسرة فقدت مصدر دخلها، أو نازح وصل بثيابه فقط، أو أرملة تعول أطفالاً ولا تملك ثمن وجبة واحدة.
وهنا يتحول الجوع من نتيجة لغياب الطعام إلى نتيجة لانهيار القدرة الاقتصادية. فالناس لا يموتون جوعاً دائماً لأن الغذاء غير موجود، بل لأنهم لا يستطيعون شراءه، أو الوصول إليه، أو الحصول عليه في الوقت المناسب.
نازحون يصلون إلى منطقة منهكة
جاء توقف التكايا في أسوأ توقيت ممكن، بالتزامن مع وصول أعداد جديدة من النازحين الفارين من المعارك في الفاشر وولايات كردفان. هؤلاء لم ينتقلوا إلى مدينة مستقرة تمتلك مساكن وخدمات وفرص عمل، وإنما وصلوا إلى أحياء تحاول هي نفسها التعافي من آثار الحرب.
وهكذا أصبحت جنوب الحزام تستقبل موجة نزوح جديدة بينما يعاني سكانها الأصليون من الفقر وانعدام الخدمات. وبدلاً من أن يحصل النازحون على الرعاية والمأوى والطعام عند وصولهم، يجد بعضهم نفسه في الشوارع أو داخل منازل مكتظة بأسر أخرى لا تملك ما يكفي لإطعام أفرادها.
ويمثل انتقال نشاط منظمة «حاضرين» إلى معسكر العفاض أحد العوامل التي وسعت الفراغ في جنوب الحزام. فقد تراجعت الموارد المتاحة للمنطقة في الوقت الذي تضاعفت فيه الاحتياجات، وبقيت لجان الطوارئ أمام أعداد أكبر من قدرتها على الاستجابة.
ويحمل النازح القادم من الفاشر أو كردفان معه آثار رحلة طويلة من الخوف والفقد والجوع. وقد يكون فقد منزله أو أحد أفراد أسرته، وعاش أياماً في الطرق، ووصل وهو بحاجة إلى الغذاء والعلاج والدعم النفسي. لكن المنطقة التي استقبلته لا تستطيع اليوم توفير أبسط الاحتياجات.
هذه ليست نهاية النزوح بالنسبة إليه، بل بداية نزوح جديد داخل النزوح نفسه.
الكهرباء تضاعف الجوع
لا تعمل أزمة الغذاء بمعزل عن انهيار الخدمات. فقد أدت انقطاعات الكهرباء وتذبذبها إلى شل الأسواق وإضعاف قدرة التجار والأسر على حفظ المواد الغذائية، خصوصاً اللحوم ومنتجات الألبان والأغذية سريعة التلف.
يخسر التاجر بضاعته عندما تنقطع الكهرباء، فيرفع الأسعار لتعويض الخسائر والمخاطر. وتشتري الأسرة كميات صغيرة لأنها لا تستطيع حفظ الطعام، فتدفع تكلفة أعلى بصورة متكررة. أما التكية، فتواجه صعوبة في تخزين المكونات وتشغيل الثلاجات والمياه وأدوات الطبخ.
وتؤثر الكهرباء كذلك في ضخ المياه والاتصالات والتحويلات المالية. وعندما تتوقف شبكات الاتصال أو يصعب شحن الهواتف، يفقد المتطوعون قدرتهم على تنسيق التوزيع واستقبال التبرعات والإبلاغ عن الاحتياجات الطارئة.
هكذا يصبح انقطاع التيار الكهربائي جزءاً مباشراً من أزمة الجوع، لا مجرد عطل خدمي منفصل. فالخدمات في المدن مترابطة، وسقوط إحداها يضعف بقية المنظومة: لا كهرباء تعني صعوبة في المياه والحفظ والاتصال، ولا اتصال يعني تعثر التمويل والتنسيق، ولا تمويل يعني إغلاق التكية.
غرف الطوارئ أمام مهمة تتجاوز قدرتها
وجدت غرف الطوارئ نفسها منذ بداية الحرب تؤدي أدواراً أكبر بكثير من إمكاناتها. فقد أدارت المطابخ، وساعدت في إجلاء المرضى، ووفرت الأدوية، وساهمت في تشغيل المراكز الصحية، ونقلت المعلومات بين السكان، ونسقت عمليات الدفن، ورصدت الاحتياجات في مناطق يصعب الوصول إليها.
وقد عمل أفرادها غالباً من دون رواتب أو حماية أو معدات كافية، وسط التهديدات الأمنية والانقطاعات المتكررة للاتصالات والتمويل. ومع ذلك، أصبحت هذه الغرف في كثير من المناطق أكثر مؤسسات العمل الإنساني حضوراً وفاعلية.
لكن التعامل معها بوصفها بديلاً دائماً للدولة والمنظمات الدولية يحمّلها ما لا تستطيع تحمله. فالمتطوع المحلي يستطيع معرفة الاحتياجات والوصول إلى الناس بسرعة، لكنه لا يستطيع وحده تمويل الطعام لعشرات الآلاف من الأسر شهراً بعد آخر.
كما أن كثيراً من المتطوعين أنفسهم متضررون من الحرب. بعضهم فقد منزله أو عمله، وبعضهم يعول أسرته، وبعضهم تعرض للإصابة أو الاعتقال أو التهديد. ومع استمرار الأزمة، يتعرضون لإنهاك جسدي ونفسي ومالي، بينما تزداد توقعات المجتمع منهم.
وعندما تنقطع المنح، يصبح المتطوع في مواجهة أسئلة لا يملك إجابات لها: من يحصل على الطعام القليل المتاح؟ ومن ينتظر؟ هل تُعطى الأولوية للأطفال أم المرضى أم النازحين الجدد؟ وكيف يمكن الاعتذار لأسرة كانت تحصل على وجبتها الوحيدة من التكية؟
إن ترك هذه القرارات لمتطوعين بلا موارد ليس تمكيناً للمجتمع المحلي، بل نقل لعبء الأزمة إليه.
لماذا ينقطع التمويل؟
تعاني المبادرات المحلية من طبيعة التمويل الإنساني المتقطعة. ففي كثير من الأحيان تصل الأموال في صورة منح محدودة المدة، مرتبطة بمشروع معين أو منطقة معينة أو إجراءات إدارية تحتاج إلى وقت طويل.
لكن الجوع لا يعمل وفق دورات المشاريع. الأسرة تحتاج إلى الطعام كل يوم، والتكية تحتاج إلى شراء المواد وتشغيل المطبخ بصورة منتظمة. وعندما تتأخر المنحة أسبوعين، لا يمكن مطالبة الجائع بانتظار اكتمال الأوراق والمراجعات.
وتواجه الجهات المانحة معضلة حقيقية تتعلق بالشفافية وضمان وصول الأموال إلى مستحقيها، خصوصاً في بيئة الحرب. لكن التعقيدات المصممة لمنع إساءة استخدام التمويل قد تؤدي عملياً إلى تأخير وصوله إلى المطابخ، بينما لا تمتلك المبادرات الصغيرة الموظفين والأنظمة التي تمكنها من تلبية شروط المؤسسات الكبرى.
وقد ظلت هذه المشكلة تلاحق التكايا منذ سنوات. فحتى عندما خصصت جهات دولية تمويلاً للمطابخ المجتمعية، كان مرور المال عبر وسطاء وإجراءات متعددة يؤخر وصوله، ويجعل التشغيل متقطعاً بدلاً من أن يكون مستقراً. وأظهرت دراسة شملت 844 مطبخاً مجتمعياً في ست ولايات سودانية أن 354 منها أغلقت خلال ستة أشهر بسبب نقص المال والإمدادات. ReliefWeb
هذا يعني أن ما يحدث في جنوب الحزام ليس حادثاً منفرداً، بل جزء من تراجع أوسع في شبكة المطابخ التي ظلت تحمي السكان من أشد آثار الجوع.
من الطوارئ إلى الاعتماد الكامل
أنشئت التكايا في البداية بوصفها استجابة مؤقتة لحالة طارئة. لكن استمرار الحرب وانهيار الاقتصاد جعلا المؤقت دائماً. أسر كثيرة كانت تتوقع الاعتماد على الوجبات المجانية لأيام أو أسابيع، ثم وجدت نفسها محتاجة إليها لشهور أو سنوات.
ومع توقف الأعمال وتآكل المدخرات وارتفاع الأسعار، لم تعد التكايا مخصصة للنازحين أو الفقراء التقليديين وحدهم. انضمت إليها أسر كانت تنتمي قبل الحرب إلى الطبقة الوسطى، وموظفون لم يتلقوا رواتبهم، وأصحاب أعمال فقدوا متاجرهم، وكبار سن توقفت مصادر إعاشتهم.
وقد أخفى وجود التكايا طوال الفترة الماضية الحجم الحقيقي للانهيار الاجتماعي. كانت المطابخ تمتص الصدمة وتمنع ظهور الجوع بصورة أكثر قسوة. وعندما أغلقت، ظهر الفراغ الذي كانت تغطيه.
لذلك فإن توقفها لا يصنع الأزمة من الصفر، وإنما يكشف أزمة كانت موجودة بالفعل تحت سطح التضامن المجتمعي.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
سيكون الأطفال أول من تظهر عليه آثار توقف الوجبات. فالطفل لا يحتاج فقط إلى كمية من الطعام تمنعه من الموت، بل إلى تغذية منتظمة تساعد جسده وعقله على النمو.
وقد لا تبدو آثار سوء التغذية واضحة في الأيام الأولى، لكنها تتراكم سريعاً. يبدأ الطفل بفقدان الوزن والطاقة، ثم تضعف مناعته، فيصبح أكثر عرضة للإسهالات والملاريا والالتهابات والأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة.
وفي ظل ضعف المرافق الصحية وارتفاع أسعار الدواء وصعوبة التنقل، يمكن لمرض بسيط قابل للعلاج أن يتحول إلى خطر على الحياة.
كما قد تضطر الأسر إلى إخراج الأطفال للبحث عن الطعام أو العمل في الشوارع، بما يعرضهم للاستغلال والعنف والانفصال عن أسرهم. وقد تلجأ بعض العائلات إلى تقليل عدد الوجبات أو إعطاء الطعام للأطفال على حساب الوالدين، لكن استمرار الأزمة يجعل هذه الوسائل غير قابلة للاستدامة.
وعندما تجوع الأم الحامل أو المرضعة، ينتقل أثر الأزمة مباشرة إلى الجيل التالي، فيولد الأطفال بوزن منخفض أو يعجزون عن الحصول على الرضاعة والتغذية الضرورية.
ليست أزمة صدقات فقط
من الخطأ اختزال الحل في إطلاق حملة تبرعات قصيرة تعيد تشغيل بعض المطابخ لأيام. فالتبرع العاجل ضروري لإنقاذ الأرواح، لكنه لا يعالج الأسباب التي تجعل عشرات الآلاف يعتمدون بصورة كاملة على وجبة خيرية.
تحتاج جنوب الحزام إلى استجابة تعمل على مستويين متزامنين.
الأول عاجل، ويتمثل في توفير تمويل مباشر ومستمر للتكايا، وإنشاء مخزون غذائي، وتوفير وسائل الطهي والنقل والمياه والطاقة البديلة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن والمرضى والنازحين الجدد.
أما المستوى الثاني فيتعلق باستعادة سبل الحياة: إعادة تشغيل الأسواق، ودعم صغار التجار والمنتجين، وتوفير فرص عمل نقدية، وإصلاح الكهرباء والمياه، ومساعدة الأسر على الانتقال من تلقي الوجبة إلى امتلاك القدرة على شراء غذائها.
ومن دون هذا المسار، ستظل كل تكية تعمل حتى ينتهي التمويل، ثم تغلق، ويعود السكان إلى نقطة الجوع نفسها.
مسؤولية الدولة والمنظمات
لا تستطيع السلطات التعامل مع جنوب الحزام بوصفه ملفاً خيرياً يخص المبادرات والمتبرعين. فالأمن الغذائي مسؤولية عامة، وتوقف الوجبات عن 50 ألف أسرة يجب أن يُعامل كحالة طوارئ تستدعي تدخلاً منظماً.
يتطلب ذلك تسهيل دخول المواد الغذائية، ومنع الرسوم والجبايات التي ترفع تكلفتها، وتأمين المتطوعين، وإصلاح الخدمات الأساسية، وتوفير مواقع مناسبة لإيواء النازحين بدلاً من تركهم في الشوارع والمنازل المكتظة.
كما ينبغي للمنظمات الدولية إعادة النظر في طريقة دعمها لغرف الطوارئ. فهذه الغرف ليست مجرد منفذ صغير لمشروع خارجي، بل شريك يمتلك معرفة محلية وشبكة وصول لا يمكن تعويضها. ويجب أن تحصل على تمويل مرن ومباشر يسمح لها بالاستجابة لتغير الاحتياجات، مع آليات رقابة تناسب ظروف الحرب ولا تخنق العمل بالإجراءات.
الجوع لا ينتظر
تكمن خطورة ما يحدث في جنوب الحزام في أنه يجري بصمت. لا يحتاج الجوع إلى قصف أو اشتباك حتى يحصد الأرواح، ولا يترك دائماً صوراً مفاجئة تجذب انتباه العالم. إنه يتقدم عبر الوجبات التي تختفي، والأجساد التي تضعف، والأسر التي تبيع ممتلكاتها، والأطفال الذين يتوقفون عن اللعب والذهاب إلى المدرسة.
قد تنتهي المعارك في حي ما، لكن ذلك لا يعني أن الحياة عادت إليه. فالسلام الحقيقي لا يبدأ فقط بسكوت السلاح، بل بوجود الطعام والماء والكهرباء والعلاج والعمل. وإذا استعاد الجيش منطقة بينما بقي سكانها بلا غذاء أو خدمات، فإنها تكون قد خرجت من المعركة العسكرية ودخلت معركة البقاء.
لقد مثّلت التكايا واحداً من أكثر وجوه التضامن السوداني إشراقاً خلال الحرب، لكنها لا تستطيع مواصلة حمل مجتمع كامل وحدها. وإغلاقها اليوم ليس فشلاً للمتطوعين، بل إنذار بفشل منظومة أوسع تركت المبادرات الشعبية تواجه كارثة تتجاوز قدرتها.
جنوب الحزام لا يحتاج إلى بيانات تعاطف جديدة، بل إلى طعام يصل الآن، وتمويل لا ينقطع بعد أسابيع، وخطة تحمي النازحين والسكان من التحول إلى ضحايا لمرحلة ما بعد القتال.
فحين تنطفئ نار آخر تكية، لا يغلق مطبخ فحسب، بل تسقط آخر المسافات التي كانت تفصل آلاف الأسر عن الجوع.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات