الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

النيل يتراجع والحقول تعطش.. أزمة تهدد قلب السودان الزراعي

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

النيل يتراجع والحقول تعطش.. أزمة تهدد قلب السودان الزراعي
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 4
22 أغسطس 2026

على امتداد ضفاف النيل في السودان، يقف المزارعون أمام مشهد لم يألفوه في مثل هذا الوقت من العام. مساحات من قاع النهر انكشفت، وجزر رملية ظلت ظاهرة بعدما كان يفترض أن تغمرها مياه الفيضان، بينما تمددت الشقوق داخل الحقول التي انتظرت المطر ولم يصل إليها في موعده.

في بلد ارتبط اسمه بالنيل والزراعة، أصبح الحصول على المياه معركة يومية. يحاول المزارعون تمديد أنابيب الري نحو المجرى المتراجع، أو نقل المضخات إلى مواقع أعمق، بينما اضطر آخرون إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك محاصيلهم تذبل بعدما عجزوا عن تحمل تكاليف إنقاذها.

ولا تأتي هذه الأزمة في موسم طبيعي تستطيع فيه الدولة والمزارعون التعامل مع نقص المياه بإمكانات مستقرة، بل تضرب السودان بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي دمرت البنية الزراعية، ونهبت المعدات، وشردت المنتجين، وقطعت طرق الإمداد، وأضعفت مؤسسات الري والتمويل والتسويق.

وبين انحسار النيل وتأخر الأمطار وتضاعف كلفة الزراعة، تواجه البلاد خطراً يتجاوز خسارة موسم واحد. فالمهدد اليوم هو قدرة السودان على إنتاج غذائه، في وقت يعيش فيه ملايين السكان أوضاعاً قاسية من الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

جزيرة رملية تتحول إلى نذير شؤم

جنوب الخرطوم، ينظر المزارعون إلى الجزر الرملية الظاهرة وسط النيل بوصفها مؤشراً على موسم بالغ الصعوبة. ففي السنوات المعتادة كانت مياه الفيضان تغمر تلك الجزر بحلول يوليو، وترتفع إلى مستويات تسمح بتشغيل المضخات ووصول المياه إلى القنوات والحقول.

لكن المشهد تغير هذا العام. بقيت الجزر فوق سطح النهر، وابتعد المجرى عن بعض نقاط السحب، وأصبحت المضخات التي ثبتها المزارعون على أساس مناسيب سابقة عاجزة عن الوصول إلى المياه.

لا تبدو المشكلة كبيرة لمن يشاهد النيل من بعيد؛ فالماء لا يزال يجري، والنهر لم يجف. لكن فرقاً محدوداً في المنسوب قد يكون كافياً لتعطيل محطة مياه أو مضخة زراعية، لأن فتحات السحب والأنابيب صممت للعمل عند مستويات محددة.

وعندما ينخفض النهر متراً أو أكثر، يصبح على المزارع نقل المضخة أو حفر قناة جديدة أو تمديد الأنابيب. وكل واحدة من هذه العمليات تحتاج إلى وقود وعمال وآليات وأموال لم تعد متاحة بسهولة.

وقد أدى الانخفاض غير المعتاد إلى اضطراب عدد من محطات مياه الشرب في الخرطوم وشمالي البلاد، كما أجبر مزارعين في الولاية الشمالية على تقليص مساحات الزراعة وتحمل تكاليف إضافية لإيصال المياه إلى حقولهم.

أزمة تمتد من الشمال إلى الشرق

لم تقتصر شكاوى نقص المياه على ضفاف النيل قرب الخرطوم. فمن الأراضي الزراعية في الشمال القريبة من الحدود المصرية إلى مناطق القضارف المتاخمة لإثيوبيا، يواجه المزارعون مزيجاً من انخفاض المناسيب وتأخر هطول الأمطار.

وتعتمد أجزاء واسعة من الزراعة السودانية على الأمطار الموسمية، خصوصاً إنتاج الذرة الرفيعة والسمسم والدخن والمحاصيل النقدية. لكن تأخر الخريف أو انقطاع المطر خلال مراحل نمو المحصول قد يؤدي إلى فقدان الإنتاج حتى بعد إنفاق الأموال على تجهيز الأرض والبذور والعمالة.

وفي ولاية القضارف، التي تعد واحدة من أهم مناطق الزراعة المطرية في السودان، بدت مساحات واسعة من الحقول بلونها الرملي والبني بدلاً من اللون الأخضر الذي كان يفترض أن يغطيها بعد مرور جزء كبير من الموسم.

وأمام جفاف الأرض، تجمع مزارعون خلف الأئمة لأداء صلاة الاستسقاء، طلباً للمطر الذي تعتمد عليه محاصيلهم ومراعي حيواناتهم.

بالنسبة إلى هؤلاء، لا يمثل تأخر الأمطار خبراً عن الطقس، بل تهديداً مباشراً لمصدر رزقهم وللغذاء الذي تنتظره الأسواق السودانية. ففشل الموسم في القضارف لا يبقى داخل حدود الولاية، وإنما يظهر لاحقاً في أسعار الذرة والزيوت والأعلاف في مختلف أنحاء البلاد.

عوامل مناخية تزيد المشهد تعقيداً

ترتبط الأزمة الحالية بأنماط مناخية أثرت في حركة الرياح والأمطار داخل المنطقة. وقد حذرت تقديرات مناخية من تأخر الأمطار وانخفاضها واحتمال تعرض مناطق من السودان والهضبة الإثيوبية لفترات جفاف أطول وأكثر تكراراً.

وتشير بيانات المناخ إلى أن هطول الأمطار في حوض النيل الأزرق خلال الموسم الجاري جاء أقل كثيراً من المعدل المعتاد، في وقت تعتمد فيه تدفقات النهر بصورة كبيرة على الأمطار التي تهطل فوق المرتفعات الإثيوبية.

وعندما تتراجع الأمطار في تلك المناطق، ينخفض الوارد إلى النيل الأزرق والسدود الواقعة على مساره، ثم تظهر الآثار سريعاً داخل السودان بحكم موقعه الجغرافي المباشر أسفل الهضبة الإثيوبية.

لكن المناخ وحده لا يفسر الأزمة. فالأنهار والخزانات ومحطات الري تحتاج إلى إدارة قادرة على التنبؤ بالتغيرات وتخزين المياه وتوزيعها بين الشرب والزراعة وتوليد الكهرباء. وعندما تضعف هذه الإدارة، يتحول التذبذب الطبيعي إلى أزمة واسعة.

سد النهضة في قلب النقاش

أعادت ظاهرة انحسار النيل ملف سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة الجدل السوداني. فقد عزت وزارة الزراعة والري الانخفاض المؤقت في مناسيب النيل الأزرق إلى تراجع التصريف من السد الإثيوبي خلال فترة من يوليو.

وبحسب بيانات الوزارة، انخفض الوارد اليومي إلى خزان الروصيرص من نحو 207 ملايين متر مكعب إلى قرابة 129 مليوناً، وهو ما انعكس على التصريفات من سدي الروصيرص وسنار وعلى مناسيب محطات القياس في ود مدني والخرطوم والحلفايا وشندي.

غير أن تحميل سد النهضة المسؤولية الكاملة قد لا يقدم الصورة كلها. فخبراء يرون أن الأزمة ترتبط أيضاً بطريقة إدارة الخزانات السودانية، وحجم المياه التي جرى تخزينها قبل بدء الموسم، وارتفاع السحب لأغراض الري، وانخفاض تدفقات النيل الأبيض، إلى جانب غياب التنسيق الكافي وتبادل البيانات بين السودان وإثيوبيا.

لقد غيّر سد النهضة النمط التاريخي لتدفق النيل الأزرق. ففي السابق كانت كميات كبيرة من مياه الفيضان تصل إلى السودان خلال فترة زمنية معروفة، أما الآن فتخزن إثيوبيا جانباً من المياه ثم تطلقها وفق احتياجات تشغيل السد وتوليد الكهرباء.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن السودان سيفقد مياهه باستمرار، لكنه يعني أن إدارة سدوده ومشروعاته الزراعية يجب أن تتكيف مع نظام جديد. ولم يعد ممكناً تشغيل خزانات الروصيرص وسنار بالطريقة نفسها التي كانت متبعة قبل إنشاء سد النهضة.

وتزداد الحاجة إلى اتفاق ملزم لتبادل المعلومات حول التخزين والتصريف، لأن أي انخفاض أو إطلاق مفاجئ للمياه ينعكس بسرعة على السودان، سواء في صورة عطش وتعطل للمضخات أو فيضانات تهدد القرى والأراضي الزراعية.

الحرب أضعفت إدارة المياه

كشفت الأزمة مقدار الضرر الذي ألحقته الحرب بمؤسسات الري وإدارة الموارد المائية. فقد تشتت الكوادر الفنية، وتعطلت أنظمة المراقبة والصيانة، وتراجعت قدرة الدولة على تشغيل الخزانات والقنوات وفق خطط متكاملة.

كما أثار دمج وزارتي الزراعة والري انتقادات من خبراء وسياسيين يرون أن ملف المياه يحتاج إلى مؤسسة فنية مستقلة، خصوصاً بعد أن جعل سد النهضة إدارة النيل أكثر تعقيداً وحساسية.

فالأزمة ليست في كمية المياه الموجودة وحدها، بل في القدرة على معرفة ما سيصل ومتى سيصل، ثم تخزينه وتوزيعه بما يحقق التوازن بين مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء.

وقد شهدت الفترة الممتدة من أكتوبر 2025 إلى يونيو 2026 وفرة مائية ملحوظة في النيلين الأبيض والأزرق. لكن الصورة تغيرت مع بداية يوليو، عندما تزامن انطلاق الموسم الزراعي وزيادة السحب لمشروعي الجزيرة والمناقل مع تراجع التدفقات الواردة.

وكان يفترض أن تسمح الوفرة السابقة بتخزين كميات تدعم الاحتياجات خلال فترة انخفاض الوارد. ولذلك يطرح خبراء أسئلة حول ما إذا كانت المياه المتاحة قد أُديرت بالصورة التي تحمي الموسم الزراعي ومحطات الشرب.

إن وجود المياه في النهر خلال فترة معينة لا يضمن الاستفادة منها لاحقاً إذا لم توجد خزانات تُدار بكفاءة، ومعلومات دقيقة، ومؤسسات تستطيع التنسيق واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

الجزيرة تخرج من الحرب إلى العطش

في ولاية الجزيرة، التي عُرفت تاريخياً بأنها قلب الإنتاج الزراعي وسلة غذاء السودان، لم يحصل المزارعون على فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسهم بعد الحرب.

عاد كثيرون إلى قراهم وأراضيهم بعدما استعاد الجيش الولاية من قوات الدعم السريع، ليجدوا معداتهم منهوبة، ومخازنهم مدمرة، وقنوات الري متضررة، وأشجارهم ومحاصيلهم قد ماتت بسبب الإهمال وانقطاع المياه.

بدأ بعضهم من جديد، وأمضى شهوراً في تنظيف الأرض وإصلاح المضخات وشراء البذور واستعادة ما يمكن استعادته. لكنهم اصطدموا بانخفاض منسوب النيل وتأخر الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج.

بالنسبة إلى مزارع أمضى عشرات السنوات قرب النهر، فإن بقاء المضخة في موقعها خلال أغسطس من دون أن تغمرها مياه الفيضان أمر غير مألوف. فقد اعتاد المزارعون نقل المضخات أو رفعها عندما ترتفع المياه عدة أمتار، لكن النيل هذا العام لم يصل إلى مستواه المعتاد في الموعد المتوقع.

وتختصر هذه المضخات الساكنة مأساة الموسم: الأرض جاهزة جزئياً، والمزارع يريد الإنتاج، لكن المياه لا تصل في الوقت المناسب، والوقود غالٍ، والتمويل ضعيف، والآلات تحتاج إلى إصلاح، والأسواق غير مستقرة.

أربعة أضعاف تكلفة الزراعة

لا يواجه المزارع أزمة المياه وحدها. فقد تضاعفت تكاليف الزراعة مرات عدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والبذور والأسمدة والمبيدات وقطع الغيار والعمالة والنقل.

ويقول بعض المنتجين إن كلفة تجهيز وزراعة الفدان أصبحت تقارب أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الأزمة الأخيرة. وفي المقابل، لا توجد ضمانات بأن المحصول سيصل إلى مرحلة الحصاد، أو أن السعر الذي سيحصل عليه المزارع سيغطي ما أنفقه.

وأدت الحرب الأميركية مع إيران وتعطل جانب من حركة التجارة عبر مضيق هرمز إلى زيادة الضغوط على إمدادات الوقود والأسمدة ورفع تكلفتها. وبالنسبة إلى السودان، الذي يعاني أصلاً ضعف العملة وصعوبة الاستيراد وانهيار الطرق والخدمات، تنتقل هذه الزيادة سريعاً إلى المزارع.

ويجد المنتج نفسه أمام قرار بالغ القسوة: هل يواصل الإنفاق لإنقاذ محصول قد يموت بسبب العطش، أم يتوقف الآن ويتحمل خسارة ما دفعه بالفعل؟

اختار بعض المزارعين ترك محاصيلهم تذبل لأن مواصلة الري لم تعد مجدية اقتصادياً. ولم يعد فشل الزراعة مرتبطاً بغياب الإرادة أو الأرض، بل بارتفاع تكلفة كل خطوة إلى مستوى يفوق قدرة المنتج.

الأراضي موجودة والإنتاج يتراجع

يمتلك السودان مساحات زراعية واسعة، وأنهاراً متعددة، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج الحبوب والزيوت والخضراوات والفاكهة والمحاصيل النقدية. ومع ذلك، تحول البلد الذي وُصف طويلاً بأنه قادر على أن يصبح سلة غذاء للمنطقة إلى بلد يواجه سكانه الجوع.

تكشف هذه المفارقة أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع الأمن الغذائي. فلا قيمة للأرض الخصبة من دون أمن وتمويل وري وطرق ومخازن وأسواق ومؤسسات قادرة على إدارة الإنتاج.

وقد أدت الحرب إلى خروج مساحات شاسعة من دائرة الزراعة بسبب النزوح، والألغام، والنهب، وانعدام الوقود، وتعطل شبكات الري، وفقدان المدخلات. وتشير تقديرات متداولة إلى أن نحو 65% من الأراضي الزراعية الواسعة في السودان أصبحت غير مستغلة أو غير صالحة للإنتاج في الظروف الراهنة.

وهذا لا يعني أن خصوبة الأرض اختفت، وإنما أن البيئة اللازمة لزراعتها انهارت.

من عطش الحقل إلى جوع المدن

لا تبقى خسارة المحصول داخل المزرعة. فعندما ينخفض إنتاج الذرة أو القمح أو السمسم والخضراوات، تقل الكميات التي تصل إلى الأسواق، وترتفع الأسعار، وتتسع الفجوة الغذائية.

ويتحمل سكان المدن العبء سريعاً، خصوصاً الأسر التي فقدت دخلها خلال الحرب. فحتى إذا وُجد الغذاء المستورد، فإن انخفاض قيمة العملة وارتفاع تكلفة النقل والوقود يجعلان شراءه خارج قدرة ملايين السودانيين.

كما تتأثر الثروة الحيوانية بنقص المياه والمراعي. ويضطر الرعاة إلى قطع مسافات أطول بحثاً عن الماء، ما يزيد الاحتكاكات المحلية ويضعف الحيوانات ويخفض إنتاج اللحوم والألبان.

وهكذا تتحول أزمة المطر والنهر إلى موجة من الآثار المتتابعة: يتراجع المحصول، وترتفع أسعار الغذاء والأعلاف، وتزداد تكلفة تربية الحيوان، ثم تتسع دائرة سوء التغذية والجوع.

وفي ظل اعتماد أعداد كبيرة من السكان على التكايا والمساعدات الإنسانية، فإن خسارة موسم زراعي جديد تعني ارتفاع عدد المحتاجين في وقت يعاني فيه العمل الإنساني نفسه نقص التمويل.

الخطر بين الجفاف والفيضان

المفارقة أن السودان قد ينتقل من انخفاض شديد في المناسيب إلى ارتفاع مفاجئ خلال فترة قصيرة. فالتغيرات المناخية وتشغيل السدود يمكن أن تنتج فترات جفاف يعقبها تدفق كبير للمياه، ما يضع القرى والمزارع أمام خطرين متناقضين.

قد يعمل المزارع على نقل مضخته نحو المجرى المنخفض، ثم يجدها مغمورة أو مهددة إذا ارتفع النهر بسرعة. وقد تبقى محطات المياه عاجزة عن السحب في وقت، ثم تواجه الطمي والفيضانات في وقت آخر.

وهذه التقلبات تجعل تبادل البيانات والإنذار المبكر ضرورة لا خياراً سياسياً. فالسودان يحتاج إلى معرفة خطط التخزين والتصريف في سد النهضة، كما يحتاج إلى مراقبة دقيقة للأمطار والوارد المائي وتشغيل سدوده الداخلية على أساس معلومات محدثة.

إن غياب التنسيق لا يخلق أزمة دائمة في اتجاه واحد فقط، بل يعرض البلاد لتذبذبات حادة بين النقص والزيادة.

موسم لا يحتمل الانتظار

قد تتحسن مناسيب النيل إذا زادت الأمطار خلال بقية الموسم، لكن ارتفاع المياه لاحقاً لا يعوض تلقائياً المحاصيل التي فقدت توقيت زراعتها أو ماتت في مراحل النمو الأولى.

فالزراعة مرتبطة بمواعيد محددة. إذا تأخرت الزراعة، قد لا يجد المحصول فترة كافية للنضج، أو يتعرض للآفات والأمطار في موعد الحصاد. وإذا أعاد المزارع الزراعة، يحتاج إلى بذور وتمويل إضافيين لا يملكهما.

ولهذا فإن وصف الانخفاض بأنه «مؤقت» لا يلغي آثاره الاقتصادية. قد يعود النهر إلى مستواه، لكن الخسارة التي وقعت في الحقول قد تستمر حتى نهاية الموسم، وتظهر نتائجها في الأسواق خلال الأشهر التالية.

وقد نصحت السلطات المزارعين بتأجيل الزراعة في بعض المناطق واختيار محاصيل أكثر مقاومة للجفاف. وهي توصية قد تقلل الخسائر، لكنها تحتاج إلى توفير البذور المناسبة والإرشاد والتمويل، لا أن تبقى مجرد إعلان.

ما الذي يحتاجه السودان؟

إنقاذ الموسم يتطلب استجابة عاجلة تبدأ بإعادة تأهيل محطات الري والمضخات والقنوات، وتوفير الوقود والطاقة الشمسية، وتمويل المزارعين بشروط تستطيع ظروف الحرب تحملها.

كما يحتاج السودان إلى توزيع بذور قصيرة الدورة ومقاومة للجفاف، وتوسيع استخدام تقنيات الري التي تقلل الهدر، وإنشاء مصادر احتياطية للمياه في المناطق المعرضة لتذبذب المناسيب.

وعلى المستوى المؤسسي، تبرز ضرورة استعادة جهاز فني قوي ومتخصص لإدارة الري والموارد المائية، وإعادة الكوادر التي شتتها الحرب، وتحديث محطات القياس والإنذار المبكر، وتحسين التنسيق بين الخزانات السودانية.

أما خارجياً، فلا يمكن حماية الموسم الزراعي من دون آلية واضحة لتبادل البيانات مع إثيوبيا حول معدلات التخزين والتصريف في سد النهضة. فالسودان هو الدولة الأكثر تعرضاً للآثار المباشرة لأي تغيير مفاجئ في تدفق النيل الأزرق.

النيل وحده لا يصنع سلة الغذاء

تكشف الأزمة الحالية حقيقة حاول السودان تجاهلها طويلاً: امتلاك النهر والأرض لا يكفي لصناعة دولة زراعية قوية. فالمياه تحتاج إلى إدارة، والأرض تحتاج إلى أمن، والمزارع يحتاج إلى تمويل، والمحصول يحتاج إلى طرق ومخازن وأسواق.

لقد كانت عبارة «سلة غذاء العالم» وعداً كبيراً ظل يتكرر لعقود، بينما تراجعت المشروعات الزراعية وتهالكت قنوات الري وتراكمت مشكلات الإدارة والتمويل. ثم جاءت الحرب لتضرب ما تبقى من البنية الإنتاجية.

واليوم، يقف المزارع السوداني بين نهر يتراجع، ومطر يتأخر، وتكلفة تتضاعف، ومؤسسات أضعفتها الحرب. وليس أمامه سوى محاولة إنقاذ أرضه بما توفر لديه، أو تركها حتى موسم آخر لا يعرف إن كانت ظروفه ستكون أفضل.

إن الأزمة ليست مجرد انحسار عابر في منسوب النيل، بل اختبار لقدرة السودان على حماية أمنه المائي والغذائي في مرحلة شديدة الهشاشة. وإذا فشل الموسم، فلن تكون النتيجة حقولاً خاوية وحدها، وإنما أسواقاً أكثر غلاءً، وتكايا أكثر ازدحاماً، وأطفالاً أكثر عرضة للجوع وسوء التغذية.

وعلى ضفاف النهر الذي صنع تاريخ السودان، بات المزارعون ينتظرون الماء كما لو كانوا يعيشون في أرض بلا نيل. وبين الجزر الرملية الظاهرة والحقول المتشققة، تتراجع صورة البلاد كسلة غذاء، ويظهر واقع أشد قسوة: دولة غنية بالمياه والأرض، لكنها عاجزة في زمن الحرب عن إيصال الماء إلى زرعها والغذاء إلى سكانها.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً