الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

في قوز السلام.. الحصبة والجوع يحاصران أطفال النازحين في كوستي

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

في قوز السلام.. الحصبة والجوع يحاصران أطفال النازحين في كوستي
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13
23 أغسطس 2026

على أطراف مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، لا تبدو الحرب بعيدة لمجرد أن أصوات المدافع لا تُسمع في كل لحظة. فداخل مخيم قوز السلام، أكبر مخيمات النازحين في المدينة، تتخذ الحرب شكلاً آخر أكثر صمتاً وقسوة: طفل يواجه الحصبة من دون دواء، وأم تبحث عن وجبة لا تجدها، وأسرة تفترش الأرض بعدما فقدت منزلها وكل ما كانت تملكه.

تحوّل المخيم، الذي يؤوي أكثر من 25 ألف نازح، إلى صورة مكثفة للأزمة الإنسانية التي يعيشها السودان. فالآلاف الذين فروا من القتال في جنوب كردفان ودارفور ومناطق أخرى، وصلوا إلى كوستي وهم يأملون في العثور على الأمان، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام معركة جديدة ضد المرض والجوع والعطش وانعدام المأوى.

وبحسب مشرفي المخيم، توفي نحو 50 طفلاً خلال الأشهر الماضية جراء تفشي مرض الحصبة، وسط تدهور الخدمات الصحية ونقص الأدوية واللقاحات والرعاية الطبية الأساسية. ولا يمثل هذا الرقم مجرد حصيلة للوفيات، بل يكشف حجم الانهيار الذي أصاب منظومة حماية الأطفال في مناطق النزوح. الجزيرة نت

الحصبة تفتك بالأطفال

مرض الحصبة قابل للوقاية عبر التطعيم، كما أن فرص التعافي منه ترتفع عند توافر الرعاية الصحية والتغذية المناسبة. لكنه يتحول داخل المخيمات المكتظة إلى خطر قاتل، خصوصاً عندما يصيب أطفالاً يعانون أصلاً من سوء التغذية وضعف المناعة.

وفي قوز السلام، تتوافر معظم العوامل التي تساعد المرض على الانتشار: ازدحام شديد، ونقص في المياه النظيفة، وضعف خدمات الصرف الصحي، وقلة المرافق الطبية، إلى جانب وجود أطفال لم يحصلوا على جرعات التطعيم الأساسية بسبب الحرب والنزوح وتعطل المؤسسات الصحية.

وتؤدي هذه الظروف إلى انتقال العدوى بسرعة بين الأسر، بينما يصعب عزل المصابين أو نقل الحالات الخطرة إلى المستشفيات. وحتى عندما تنجح الأسر في الوصول إلى مركز صحي، فإنها قد تصطدم بنقص الأدوية أو الكوادر أو تكاليف العلاج والنقل.

ولا يمكن فصل وفيات الأطفال بسبب الحصبة عن أزمة سوء التغذية. فالطفل الذي لا يحصل على غذاء كافٍ يصبح أكثر عرضة لمضاعفات المرض، مثل الالتهابات الرئوية والجفاف والعدوى الحادة. وهكذا يتحالف الجوع مع الوباء، فيتحول مرض يمكن الوقاية منه إلى حكم بالموت على أطفال لم تتح لهم فرصة العلاج.

نزوح ينتهي إلى نزوح آخر

وصل معظم سكان المخيم بعد رحلات شاقة من مناطق شهدت مواجهات مسلحة واضطرابات أمنية، خصوصاً مدينتي كادوقلي والدلنج ومناطق أخرى في جنوب كردفان، فضلاً عن نازحين قادمين من ولايات دارفور.

خرجت الأسر تحت ضغط الخوف، تاركة وراءها المنازل والمزارع ومصادر الدخل. وبعضها قطع مسافات طويلة قبل الوصول إلى كوستي، بينما فقد كثيرون أوراقهم الثبوتية وممتلكاتهم خلال الرحلة.

لكن الوصول إلى المخيم لم يكن نهاية المعاناة. فالأمان النسبي من القتال لم يصاحبه توفير كافٍ للغذاء أو المأوى أو العلاج. ويعيش بعض النازحين في خيام محدودة التجهيز، بينما تضطر أسر أخرى إلى الاحتماء بمواد بدائية لا تقيها حرارة النهار أو أمطار الخريف.

ومع استمرار وصول نازحين جدد، تتزايد الضغوط على الموارد الشحيحة أصلاً. فكل أسرة تصل تحتاج إلى مساحة للإقامة، ومياه وغذاء وعلاج ومواد للنظافة، في وقت لا تتناسب فيه المساعدات المتاحة مع الزيادة المستمرة في أعداد المحتاجين.

فجوة غذائية تهدد الآلاف

تمثل أزمة الغذاء الوجه الآخر للمأساة. فآلاف الأسر داخل المخيم لا تمتلك دخلاً ثابتاً، ولا تستطيع شراء احتياجاتها من الأسواق بعد الارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع قيمة العملة وتقلص فرص العمل.

وتعتمد غالبية الأسر على المساعدات الإنسانية والمبادرات المجتمعية، لكن ما يصل إليها يظل أقل بكثير من حجم الاحتياجات. وقد تمر أيام لا تحصل فيها بعض العائلات إلا على وجبة واحدة، في حين تضطر أخرى إلى تقليل كمية الطعام أو إعطاء الأولوية للأطفال.

وفي مثل هذه الظروف، لا يظهر الجوع دائماً في صورة موت مباشر، بل يبدأ تدريجياً بفقدان الوزن والإرهاق وضعف المناعة وتأخر نمو الأطفال. ثم تتحول الأمراض البسيطة إلى تهديد خطير، لأن الأجساد المنهكة لا تستطيع مقاومتها.

كما تجد الأمهات المرضعات صعوبة في توفير التغذية الطبيعية لأطفالهن عندما يعانين هن أنفسهن من الجوع وسوء التغذية. ويزيد غياب بدائل الحليب الآمنة والمياه النظيفة من المخاطر التي تواجه الرضع.

النساء والأطفال في قلب الأزمة

يمثل النساء والأطفال نسبة كبيرة من سكان قوز السلام. وكثير من النساء وصلن إلى المخيم بعد فقدان الأزواج أو انفصال أفراد الأسرة أثناء النزوح، فأصبحن يتحملن وحدهن مسؤولية توفير الغذاء والحماية للأطفال.

وتواجه النساء الحوامل صعوبة في الحصول على المتابعة الطبية والفحوصات والأدوية الضرورية، بينما تجري بعض الولادات في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية. كما يزيد نقص المياه ومرافق النظافة المنفصلة والآمنة من المخاطر الصحية والاجتماعية التي تواجهها النساء والفتيات.

أما الأطفال، فلا تقتصر معاناتهم على المرض والجوع. فقد انقطع عدد كبير منهم عن الدراسة لسنوات بسبب الحرب والنزوح المتكرر. وبعضهم لا يعرف متى سيعود إلى المدرسة، أو ما إذا كانت مدرسته الأصلية ما تزال قائمة.

ورغم تسلُّم سلطات التعليم في ولاية النيل الأبيض مدرستين للنازحين في قوز السلام بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، فإن اتساع الاحتياجات وأعداد الأطفال يجعل توفير التعليم المنتظم تحدياً كبيراً يحتاج إلى مزيد من الفصول والمعلمين والكتب والوجبات المدرسية.

الخريف يضاعف المخاطر

يتزامن تدهور الأوضاع مع فصل الخريف، الذي يرفع احتمالات انتشار الأمراض داخل المخيمات. فتجمع مياه الأمطار وضعف الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه يمكن أن تؤدي إلى ظهور أمراض جديدة، مثل الإسهالات المائية والكوليرا والملاريا.

كما قد تتضرر الخيام والمساكن الهشة بفعل الأمطار والرياح، بينما تصبح الطرق المؤدية إلى بعض المناطق أكثر صعوبة، الأمر الذي يعطل نقل المرضى ووصول الإمدادات الإنسانية.

وتحمل ولاية النيل الأبيض تجربة قاسية مع الأوبئة؛ فقد شهدت خلال السنوات الماضية موجات من الحصبة والكوليرا وسوء التغذية. ومع استمرار ضعف النظام الصحي، يخشى أن يتحول أي تفشٍ جديد إلى كارثة واسعة قبل وصول الاستجابة المطلوبة.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

تعمل مفوضية العون الإنساني بوصفها حلقة وصل بين النازحين والمنظمات الدولية، إلى جانب تدخلات برنامج الغذاء العالمي ومنظمات محلية ومبادرات خيرية. غير أن اتساع رقعة الحرب وتعدد مناطق النزوح وتراجع التمويل الإنساني جعلت الاستجابة أقل من حجم الأزمة.

ولا تتعلق المشكلة بعدم وجود جهود إنسانية، بل بالفجوة الهائلة بين ما هو متاح وما يحتاج إليه عشرات الآلاف. فالمخيم يحتاج بصورة عاجلة إلى حملات تطعيم واسعة، وفرق طبية متنقلة، وأدوية ومستلزمات علاجية، ومراكز لعلاج سوء التغذية، إلى جانب إمدادات منتظمة من الغذاء والمياه.

ويحتاج النازحون كذلك إلى خيام ومواد إيواء وملابس ووسائل حماية من الأمطار، فضلاً عن توفير التعليم والدعم النفسي للأطفال الذين عاشوا تجارب الحرب والفقد والنزوح.

كوستي ليست حالة معزولة

لا تنفصل مأساة قوز السلام عن الوضع الإنساني العام في السودان. ففي شمال كردفان والنيل الأبيض ودارفور ومناطق أخرى، تكتظ مراكز الإيواء بالأسر الفارة من المعارك، وسط تراجع قدرة المجتمعات المحلية على استيعاب المزيد من النازحين.

كانت المبادرات الشعبية والتكايا وشبكات التكافل المجتمعي تسد جانباً مهماً من الفجوة، لكن استمرار الحرب وارتفاع الأسعار ونفاد مدخرات المواطنين أضعفت قدرة هذه المبادرات على العمل.

وبذلك أصبحت مناطق النزوح تواجه أزمات متداخلة: القتال يدفع السكان إلى الرحيل، والنزوح يحرمهم من مصادر الدخل، والجوع يضعف المناعة، وضعف المناعة يجعل الأمراض أكثر فتكاً، بينما يؤدي انهيار الخدمات الصحية إلى ارتفاع الوفيات.

أطفال يموتون بصمت

تكشف وفاة نحو 50 طفلاً في مخيم واحد أن الأزمة تجاوزت حدود النقص المؤقت في الخدمات، وأصبحت تهديداً مباشراً للحياة. فهؤلاء الأطفال لم يموتوا في ساحة قتال، لكن الحرب وصلت إليهم عبر غياب اللقاح والدواء والغذاء والمياه النظيفة.

وإذا لم تُنفذ استجابة عاجلة تشمل التطعيم والعلاج والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، فقد ترتفع أعداد الإصابات والوفيات، خصوصاً مع استمرار استقبال المخيم نازحين جدداً.

في قوز السلام، لا تطلب الأسر النازحة امتيازات استثنائية؛ إنها تبحث عن وجبة تحفظ أطفالها من الجوع، وجرعة لقاح تحميهم من الحصبة، وخيمة تقيهم المطر، ومقعد دراسي يعيد إليهم جزءاً من حياتهم التي بددتها الحرب.

إن إنقاذ أطفال كوستي لا يحتمل انتظار المزيد من التقارير أو الإحصاءات. فخلف كل رقم اسم ووجه وأسرة، وخلف كل وفاة حياة كان يمكن إنقاذها لو وصل الغذاء والدواء في الوقت المناسب.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً