محررو لقطة AI
٢٥ أغسطس 2026
أعاد بنك السودان المركزي ترتيب قواعد التعامل في سوق النقد الأجنبي، بعدما منح المصارف التجارية حرية أوسع في تعديل أسعار الصرف خلال ساعات العمل، وألغى ضوابط كان قد أصدر بعضها قبل أقل من أسبوعين، في خطوة تعكس بحث السلطات النقدية عن معادلة جديدة بين السيطرة على سوق العملات وترك مساحة أكبر للعرض والطلب في تحديد الأسعار.
وأصدر البنك، الاثنين، منشور إدارة السياسات رقم (16/2026)، مؤكدًا من خلاله الاستمرار في سياسة تحرير سعر الصرف، ومتيحًا للمصارف تعديل الأسعار التي تعلنها للعملات الأجنبية في أي وقت خلال اليوم، على أن يتم الإعلان عن السعر الجديد بصورة واضحة قبل بدء التعامل به.
ويمثل القرار تحولًا مهمًا في طريقة عمل البنوك داخل سوق النقد الأجنبي؛ فبدل بقاء السعر المعلن ثابتًا لفترة أطول بينما تتحرك الأسعار خارجه بسرعة، أصبح بإمكان المصرف الاستجابة للتغيرات في العرض والطلب وتعديل سعره خلال اليوم نفسه.
كما سمح البنك المركزي للمصارف بشراء حصائل الصادرات وفق أسعار الصرف التي تعلنها هي، وبما يتناسب مع قوى العرض والطلب، وهو جانب قد يكون الأكثر تأثيرًا في القرار الجديد؛ لأن المنافسة على موارد النقد الأجنبي القادمة من الصادرات تعد واحدة من أهم ساحات المواجهة بين الجهاز المصرفي والسوق الموازية.
وبموجب القرار الجديد، ألغى البنك تعميم إدارة السياسات الصادر في 14 يناير 2026 والمتعلق بتعديل منشور سعر الصرف رقم (15/2022)، كما ألغى تعميمات صادرة عن إدارة الاحتياطيات والذهب في 11 و12 أغسطس الجاري بشأن تعزيز الاستقرار في سوق النقد الأجنبي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن بعض الإجراءات الملغاة لم يمض على إصدارها سوى نحو أسبوعين، ما يكشف سرعة التحولات التي يشهدها سوق الصرف، كما يشير إلى أن البنك المركزي يعيد تقييم نتائج التدخلات والقيود التي طبقها خلال الفترة الماضية.
وكان المركزي قد شدد في 12 أغسطس ضوابط شراء حصائل الصادرات، وقصر شراء المصارف لها بأسعارها المعلنة على العمليات التي قامت تلك المصارف بتمويلها، بينما كانت الحصائل الأخرى تخضع لسعر تدخل البنك المركزي اليومي.
أما القرار الجديد فيعيد مساحة أوسع للمصارف في شراء موارد الصادر وفق أسعارها، ويمنحها قدرة أكبر على المنافسة على العملات الأجنبية التي تدخل الاقتصاد من المصدرين.
لماذا غيّر المركزي سياسته الآن؟
لا يأتي القرار في فراغ.
فسوق النقد الأجنبي في السودان يعيش منذ أشهر تحت ضغوط استثنائية نتيجة الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي وتعطل أجزاء واسعة من الاقتصاد، إلى جانب ارتفاع احتياجات البلاد من العملات الأجنبية لتمويل استيراد الوقود والقمح والأدوية ومدخلات الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، ظل جزء معتبر من موارد النقد الأجنبي يتحرك خارج الجهاز المصرفي، مستفيدًا من فارق الأسعار بين المصارف والسوق الموازية ومن سهولة وسرعة التعامل خارج القنوات الرسمية.
وهنا تظهر واحدة من أكبر مشكلات سياسة سعر الصرف في السودان: عندما يصبح السعر الذي يعرضه البنك أقل كثيرًا من السعر المتاح خارجه، تقل دوافع المصدر أو صاحب التحويل الخارجي لبيع عملته إلى الجهاز المصرفي.
وبالتالي، فإن تحرير حركة الأسعار داخل المصارف لا يستهدف السعر في حد ذاته فقط، وإنما يحاول جذب الدولار والعملات الأجنبية مرة أخرى إلى النظام المصرفي.
وتبدو هذه الفلسفة واضحة بصورة أكبر في القرار الخاص بحصائل الصادرات.
فالمصدر الذي يستطيع الحصول على سعر أقرب إلى واقع السوق داخل البنك قد يصبح أقل ميلًا إلى البحث عن قنوات أخرى لبيع حصيلة صادراته، وهو ما يمكن، إذا نجحت السياسة، أن يرفع موارد المصارف من النقد الأجنبي ويزيد قدرتها على تمويل الواردات.
وكان بنك السودان قد عقد في 18 أغسطس، أي قبل القرار بستة أيام، اجتماعًا تنسيقيًا مع المديرين العامين للمصارف التجارية لتقييم جهود استقرار سعر الصرف وتوفير الموارد اللازمة لاستيراد السلع الضرورية والاستراتيجية.
وناقش الاجتماع بصورة مباشرة آثار تدخل البنك المركزي في زيادة عرض النقد الأجنبي، والمشكلات التي ظهرت خلال تطبيق الإجراءات السابقة، إلى جانب البحث عن آليات أكثر فاعلية للتدخل في السوق.
ويبدو أن منشور الاثنين يمثل إحدى النتائج العملية لهذا التقييم.
هل يعني القرار تعويم الجنيه؟
رغم استخدام تعبير «تحرير سعر الصرف» في القرار، فإن الخطوة لا تعني أن السودان أعلن للمرة الأولى تعويم الجنيه أو انتقل بصورة مفاجئة من سعر رسمي ثابت إلى سعر حر.
فسياسة تحرير سعر الصرف قائمة أساسًا منذ سنوات، كما أن منشور بنك السودان نفسه أكد الاستمرار في سياسة التحرير، وليس بدء سياسة جديدة من الصفر.
الجديد هو توسيع مرونة المصارف في تحريك أسعارها، وإلغاء عدد من القيود التي كانت تحد من قدرتها على التعامل مع حصائل الصادرات والسوق خلال اليوم.
وهذا التفريق مهم، لأن وصف القرار بأنه «تعويم جديد للجنيه» قد يعطي انطباعًا غير دقيق بأن البنك تخلى فجأة عن سعر رسمي ثابت، بينما الواقع أن المعركة الحالية تتعلق بدرجة المرونة الممنوحة للبنوك وبكيفية تقريب السوق المصرفية من حركة العرض والطلب.
المصارف في مواجهة السوق الموازي
يمكن النظر إلى القرار باعتباره محاولة لنقل جزء من المنافسة على الدولار من الشارع والسوق الموازية إلى داخل البنوك.
فإذا أصبحت المصارف قادرة على تغيير أسعارها بسرعة لتقترب من السعر الذي يتحرك به السوق، يصبح لديها احتمال أكبر لاستقطاب المصدرين وأصحاب التحويلات ومدخرات السودانيين في الخارج.
لكن نجاح ذلك ليس مضمونًا بمجرد صدور المنشور.
فالسوق الموازية لا تعتمد فقط على فارق السعر، وإنما تستفيد أيضًا من السرعة والمرونة وقلة الإجراءات والقدرة على توفير السيولة الفورية.
ولذلك فإن الجهاز المصرفي يحتاج، إلى جانب السعر المنافس، إلى القدرة على تلبية طلبات العملاء وتحويل الأموال وصرفها دون تعقيدات كبيرة.
وكان البنك المركزي قد شدد خلال الفترة الماضية على ضرورة التزام المصارف بصرف التحويلات الواردة من الخارج بالنقد الأجنبي ما لم يطلب المستفيد غير ذلك، في محاولة لتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي وتشجيع السودانيين بالخارج على إرسال مدخراتهم عبر القنوات الرسمية.
ماذا يستفيد المصدرون؟
قد يكون المصدرون من أكبر المستفيدين المباشرين إذا أدت السياسة إلى رفع المنافسة بين المصارف على حصائل الصادرات.
فكلما اقترب السعر المصرفي من القيمة التي يستطيع المصدر الحصول عليها في السوق، ارتفعت القيمة بالجنيه التي يحصل عليها مقابل دولارات صادراته.
وهذه المسألة شديدة الأهمية لقطاعات مثل الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والسمسم والمحاصيل الأخرى التي يعتمد عليها السودان في توفير موارد النقد الأجنبي.
وتشير إفادات من قطاع الذهب عقب صدور القرار إلى ترحيب بالخطوة، وسط شكاوى سابقة من أن الفارق بين الأسعار المصرفية والموازية أضعف الحافز على تمرير حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية.
لكن توسيع حرية شراء الحصائل يضع المصارف كذلك أمام مسؤولية أكبر في تحديد أسعار تستطيع من خلالها جذب العملات الأجنبية من دون الدخول في سباق غير محسوب يؤدي إلى تقلبات حادة.
وماذا عن المستورد والمواطن؟
على الجانب الآخر، فإن ارتفاع سعر الدولار داخل المصارف إلى مستويات أقرب إلى السوق يمكن أن يرفع تكلفة النقد الأجنبي بالنسبة إلى بعض المستوردين.
وهذه التكلفة قد تنتقل لاحقًا إلى أسعار السلع المستوردة.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة؛ فإذا نجح القرار في زيادة المعروض من العملات الأجنبية داخل البنوك، فقد يؤدي ذلك على المدى المتوسط إلى تحسين قدرة المصارف على تمويل الاستيراد وتقليل اعتماد التجار على السوق الموازية.
والعامل الحاسم هنا سيكون حجم الموارد التي تستطيع المصارف اجتذابها بالفعل.
فالسعر وحده لا يصنع الاستقرار إذا ظل المعروض من النقد الأجنبي محدودًا أمام الطلب الكبير على الاستيراد.
ولهذا كان المركزي قد أكد في 11 أغسطس استمراره في ضخ العملات الأجنبية عبر الجهاز المصرفي، والاستجابة لطلبات البنوك الخاصة بتمويل عملاء يستوردون السلع، وفق الضوابط المعتمدة.
قرار يأتي وسط تضخم مرتفع
وتأتي التغييرات في سياسة الصرف بينما لا يزال الاقتصاد السوداني يعاني مستويات مرتفعة من التضخم رغم التراجع المسجل في يوليو.
فقد أعلن الجهاز المركزي للإحصاء انخفاض معدل التضخم السنوي إلى 41.61% في يوليو، مقابل 51.28% في يونيو.
لكن انخفاض النسبة السنوية لا يعني تراجع الأسعار نفسها؛ إذ ارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك خلال يوليو بنسبة شهرية بلغت 1.47%.
وتظل العلاقة بين سعر الجنيه والأسعار شديدة الحساسية في السودان، بسبب الاعتماد الكبير على السلع ومدخلات الإنتاج المستوردة.
فكل تراجع كبير في العملة المحلية يمكن أن ينتقل سريعًا إلى أسعار الوقود والغذاء والدواء والنقل، ثم إلى بقية السلع والخدمات.
ولهذا فإن منح السوق مرونة أكبر يحمل فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه.
الفرصة تتمثل في جذب موارد النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي وتقليص السوق الموازية، أما المخاطرة فهي أن تتسارع المنافسة على العملات الأجنبية من دون وجود عرض كافٍ، فتتحول المرونة إلى موجة جديدة من انخفاض قيمة الجنيه.
اختبار حقيقي خلال الأيام المقبلة
لن تظهر نتيجة القرار من المنشور نفسه، وإنما من لوحات أسعار المصارف خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
وسيتضح سريعًا ما إذا كانت البنوك ستبدأ في رفع وتعديل أسعارها بصورة أكثر نشاطًا، وما إذا كانت الفجوة بينها وبين السوق الموازية ستنكمش.
كما سيكون من المهم مراقبة حجم حصائل الصادرات التي تدخل المصارف بعد القرار، وحجم النقد الأجنبي الذي تستطيع البنوك توفيره للمستوردين.
فإذا نجحت السياسة في جذب موارد جديدة، قد يحصل المركزي على مساحة أكبر لإدارة السوق من خلال البنوك بدل الاعتماد المستمر على القرارات الإدارية والتدخل المباشر.
أما إذا بقيت الفجوة واسعة بين السعر المصرفي والسوق الموازية، أو استمرت العملات الأجنبية في التدفق إلى خارج الجهاز المصرفي، فقد يعود البنك مرة أخرى إلى تعديل السياسات.
وهذا ما حدث بالفعل خلال أغسطس، حيث انتقل المركزي خلال فترة قصيرة بين تشديد الضوابط ثم إعادة تخفيفها.
الاقتصاد يبحث عن نقطة توازن
في جوهره، يكشف قرار الاثنين عن المشكلة الأكبر التي تواجه الاقتصاد السوداني: كيف يمكن إعادة العملات الأجنبية إلى النظام الرسمي في اقتصاد أضعفته الحرب وتضررت صادراته وارتفعت حاجته إلى الاستيراد؟
لا يستطيع البنك المركزي تحديد قيمة مستقرة للجنيه بقرار إداري وحده، كما لا يستطيع ترك السوق بلا تدخل في ظروف تعاني فيها البلاد اختلالًا كبيرًا بين الموارد والاحتياجات.
ولهذا يبدو أن السياسة الجديدة تحاول الوقوف في منطقة وسطى: ترك المصارف تتحرك بحرية أكبر في تحديد السعر، مع بقاء البنك المركزي حاضرًا في السوق من خلال الضوابط وضخ العملات الأجنبية والرقابة على استخدام الموارد.
ويمكن أن يمنح ذلك الجهاز المصرفي فرصة لاستعادة جزء من سوق العملات الذي فقده لمصلحة التعاملات الموازية.
لكن الحكم النهائي لن يكون بما كُتب في المنشور.
سيكون في مكان آخر تمامًا: في سعر الدولار الذي تعلنه البنوك، والسعر الذي يباع به خارجها، وحجم الأموال التي يختار المصدرون والمغتربون إدخالها عبر أبواب المصارف.
فإذا اقتربت هذه المسارات من بعضها، يكون البنك المركزي قد قطع خطوة حقيقية نحو إعادة سوق النقد الأجنبي إلى النظام المصرفي.
أما إذا ظلت الفجوة قائمة، فسيبقى تحرير الأسعار مجرد حلقة جديدة في معركة طويلة بين الجنيه والدولار، وبين المصارف والسوق الموازية.
التعليقات
0 تعليقات