29 أغسطس 2026
محررو لقطة AI – 4
لم تعد الطائرات المسيّرة في السودان مجرد سلاح يلاحق التحركات العسكرية أو يستهدف مواقع القتال، فقد تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى واحد من أكثر مصادر الخوف التي تطارد المدنيين، بعدما امتدت ضرباتها إلى الأسواق والطرق ومصادر المياه والمرافق الصحية ومناطق مأهولة بالسكان، لتضيف طبقة جديدة من المعاناة إلى حرب دخلت عامها الرابع.
وفي أحدث فصول هذه المأساة، وصلت إلى مناطق أكثر أمناً أسر نازحة من جنوب كردفان والنيل الأزرق، بينها مصابون قالوا إنهم تعرضوا لهجمات بالمسيّرات أو أصيبت منازلهم خلال العمليات العسكرية. وفي مخيم قوز السلام بمدينة كوستي ظهرت إصابات، خصوصاً في الأطراف والأقدام، بينما تواجه العيادات البسيطة داخل المخيمات صعوبة في التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى جراحة أو رعاية متخصصة.
وتشير حركة النزوح المتزايدة إلى أن الخطر لم يعد محصوراً في خطوط المواجهة المباشرة. فقد استقبلت مدينة الأبيض خلال الأشهر الماضية أعداداً كبيرة من الأسر القادمة من مناطق القتال، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الغذاء والمياه والخدمات الصحية ومراكز الإيواء. ويعني ذلك أن المدني الذي ينجو من الضربة الأولى يجد نفسه أمام رحلة نزوح جديدة لا تقل قسوة عن الحرب التي فر منها.
المسيّرة تغير شكل الحرب
التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة غيّر طبيعة الحرب السودانية بصورة واضحة. فالسلاح الذي يستطيع الوصول إلى مناطق تبعد عشرات أو مئات الكيلومترات عن مواقع الاشتباكات جعل مفهوم «المنطقة الآمنة» أكثر هشاشة، وأصبح المدنيون في مدن لم تكن تشهد معارك برية مباشرة معرضين لهجمات مفاجئة.
وفي شمال كردفان، قال تجمع «محامو الطوارئ» إن ثمانية مدنيين قتلوا وأصيب العشرات في ضربة استهدفت أشخاصاً أثناء تحركهم بمنطقة أم شرو بمحلية سودري، قبل أن تقع ضربة أخرى أثناء محاولة إسعاف المصابين. ولم تحدد المجموعة الجهة المسؤولة عن الهجوم، كما لم يصدر تعليق فوري من الجيش أو قوات الدعم السريع بشأن الواقعة.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة مدى اتساع الخطر. فقد أفاد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بأن أكثر من ألف مدني قتلوا بضربات المسيّرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، بينما أصبحت هذه الهجمات تمثل واحداً من أكثر أسباب سقوط المدنيين فتكاً في الحرب.
الأسواق والمياه والمستشفيات في دائرة النار
ولا تقف تداعيات المسيّرات عند الخسائر البشرية المباشرة. ففي الأبيض، وثقت الأمم المتحدة خلال يونيو وحده 15 ضربة بالمسيّرات في المدينة ومحيطها، أدت إلى مقتل 45 مدنياً على الأقل وإصابة 41 آخرين، مع ترجيح أن تكون الحصيلة الحقيقية أعلى. كما طالت ضربات في إقليم كردفان أسواقاً ومدارس ومحطات وقود ومنشآت مياه ومركبات مدنية.
وتسببت أسابيع من الهجمات على الأبيض أيضاً في إلحاق أضرار بالبنية التحتية ومرافق حيوية، وجعلت الحصول على مياه الشرب أكثر صعوبة، بينما اضطرت بعثات أممية إلى تعليق بعض تحركاتها مؤقتاً مع تزايد المخاطر على الطرق المؤدية إلى المدينة.
وبذلك لا تنتهي آثار الضربة بانفجارها؛ فتدمير محطة مياه قد يحرم آلاف الأشخاص من الشرب، واستهداف طريق قد يعطل وصول الغذاء والدواء، وضرب مستشفى أو مركز صحي يمكن أن يترك منطقة كاملة بلا خدمات علاجية في وقت تتزايد فيه أعداد الجرحى والنازحين.
المدنيون يدفعون الثمن
الأمم المتحدة تقول إن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما اضطر قرابة 13 مليون شخص إلى مغادرة منازلهم منذ اندلاع الحرب. ومع اتساع نطاق استخدام المسيّرات، أصبح بعض النازحين مضطرين إلى الفرار أكثر من مرة بحثاً عن مكان لا تصل إليه المعارك.
والأخطر أن التكنولوجيا العسكرية التي يفترض أن توفر قدرة أكبر على تحديد الأهداف لم تمنع سقوط المدنيين بأعداد متزايدة. فحين تُضرب الأسواق والمدارس ومصادر المياه ومركبات المسافرين، يصبح السؤال عن حماية المدنيين أكثر إلحاحاً من السؤال عن الجهة التي تمتلك المسيّرة الأطول مدى.
في السودان اليوم، لم تعد الحرب تُسمع فقط من مواقع الاشتباكات القريبة. قد تأتي من السماء، في لحظة، إلى قرية أو سوق أو طريق كان الناس يعتقدون أنه بعيد عن الجبهة.
ومع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع واتساع رقعة العمليات في كردفان والنيل الأزرق ومناطق أخرى، فإن استمرار حرب المسيّرات بهذه الوتيرة يهدد بخلق جغرافيا جديدة للخوف، حيث تتقلص المساحات الآمنة ويزداد النزوح وتتآكل قدرة المجتمعات المحلية على البقاء.
ووسط كل ذلك، يبقى المدني السوداني الحلقة الأكثر تعرضاً للخسارة: يهرب من القتال، ثم تلاحقه المسيّرة، وإن نجا منها تبدأ معركة أخرى للحصول على الماء والدواء والمأوى.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات