×

كيف نجت الأغنية السودانية من الحرب؟

كيف نجت الأغنية السودانية من الحرب؟

م

في أوقات الحروب، تتعطل المؤسسات، وتتوقف المدارس، وتغلق المسارح أبوابها، وتخفت أضواء المدن التي كانت تضج بالحياة. لكن ثمة أشياء يصعب على الحروب هزيمتها بالكامل. ومن بين هذه الأشياء الأغنية.

ففي السودان، وبينما كانت المعارك تعيد رسم خرائط المدن وتدفع ملايين المواطنين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، ظلت الأغنية السودانية حاضرة بصورة لافتة، وكأنها تحاول أن تقوم بدور يتجاوز الفن إلى حفظ الذاكرة الجماعية لشعب يعيش واحدة من أصعب لحظات تاريخه الحديث.

عندما سقطت المدن وبقي الصوت

منذ اندلاع الحرب، فقد السودان كثيراً من مؤسساته الثقافية والفنية. توقفت الفعاليات العامة، وأغلقت بعض المراكز الثقافية، وغادر عدد من الفنانين البلاد بحثاً عن الأمان.

لكن المفارقة أن الأغنية السودانية لم تختفِ.

بل ربما وجدت حياة جديدة خارج المسارح التقليدية، عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي وتجمعات السودانيين في المنافي ومخيمات النزوح.

فبينما انقسمت المدن، بقيت الأغاني القديمة قادرة على جمع السودانيين حول ذاكرة مشتركة لا تعترف بخطوط القتال ولا بالحدود الجديدة التي فرضتها الحرب.

محمد وردي.. الحضور الذي لا يغيب

في أوقات الأزمات الكبرى، تعود الشعوب غالباً إلى أصواتها المؤسسة.

ولهذا لم يكن غريباً أن تشهد أعمال الفنان الراحل محمد وردي حضوراً واسعاً خلال سنوات الحرب.

فأغنيات مثل “أصبح الصبح” و”بناديها” و”الحنين” عادت لتتردد في المنازل ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس باعتبارها أعمالاً فنية فقط، بل باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية السودانية.

لقد بدا وكأن السودانيين يبحثون في تلك الأغنيات عن صورة البلاد التي عرفوها قبل الحرب.

مصطفى سيد أحمد.. صوت الإنسان في مواجهة الألم

إذا كان وردي يمثل ذاكرة الوطن، فإن مصطفى سيد أحمد ظل بالنسبة لكثير من السودانيين صوت الإنسان البسيط في مواجهة القسوة.

وخلال سنوات الحرب، عادت أغنيات مصطفى بقوة إلى الواجهة، خصوصاً تلك التي تتناول الحنين والفقد والأسئلة الوجودية المرتبطة بالإنسان والمكان.

في بلد يعيش تجربة نزوح جماعي غير مسبوقة، وجدت كلمات مصطفى طريقها مجدداً إلى قلوب آلاف الشباب الذين لم يعيشوا زمنه أصلاً.

الأغنية في المنفى

ربما تكون إحدى الظواهر اللافتة خلال الحرب هي انتقال جزء كبير من النشاط الفني السوداني إلى الخارج.

ففي القاهرة والدوحة والرياض وأديس أبابا وكمبالا ومدن أخرى، أقيمت حفلات وفعاليات ثقافية جمعت السودانيين حول الموسيقى والغناء.

ولم تعد الأغنية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت أحياناً مساحة لاستعادة الشعور بالانتماء والهوية في مواجهة تجربة اللجوء والاغتراب.

جيل جديد يحمل الراية

رغم صعوبة الظروف، برزت أيضاً أصوات شبابية حاولت مواصلة الإنتاج الفني.

فعدد من الفنانين الشباب استخدموا المنصات الرقمية لتقديم أعمال جديدة تتناول الحرب والنزوح والحنين والبحث عن الأمل.

وقد لا تملك هذه الأعمال الانتشار الذي حققته الأغنيات الكلاسيكية، لكنها تعكس محاولة جيل كامل للتعبير عن تجربته الخاصة في زمن استثنائي.

الفن كوثيقة للذاكرة

على امتداد التاريخ، لم تكن الأغاني مجرد وسيلة للتسلية.

فهي أيضاً وثائق تحفظ ذاكرة الشعوب.

ولهذا فإن كثيراً من الأغنيات التي وُلدت خلال الحرب الحالية قد تتحول مستقبلاً إلى شهادات فنية على هذه المرحلة، تماماً كما حدث مع أغنيات ارتبطت بمحطات تاريخية سابقة في السودان.

إن ما يعجز عنه المؤرخ أحياناً تستطيع الأغنية أن تحفظه في وجدان الناس لعقود طويلة.

هل انتصرت الأغنية؟

ربما يكون السؤال الأدق: هل استطاعت الحرب أن تهزم الأغنية السودانية؟

حتى الآن تبدو الإجابة بالنفي.

فبينما تبدلت الأمكنة وتغيرت الظروف وتشتت ملايين السودانيين في أنحاء العالم، ظل الفن واحداً من الخيوط القليلة التي تربطهم بذاكرتهم الجماعية.

لقد فقد السودان كثيراً خلال هذه الحرب، لكنه لم يفقد صوته.

وما دامت الأغنيات ما تزال تُغنى، فإن جزءاً من الوطن ما يزال حياً في قلوب أبنائه.

إرسال التعليق

You May Have Missed