محررو لقطة AI
12 سبتمبر 2026
تتحرك جبهة النيل الأزرق بسرعة من هامش الحرب السودانية إلى واحدة من أكثر ساحاتها حساسية، بعدما أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، المتحالفة مع قوات الدعم السريع، السيطرة على مناطق وحاميات جديدة في محافظة الكرمك، بالتزامن مع تحركات وتعزيزات عسكرية للجيش السوداني، وسط حديث متزايد عن اتجاه العمليات نحو الدمازين، عاصمة الإقليم.
وقالت الحركة الشعبية–شمال إن قواتها المتحالفة مع الدعم السريع أحكمت السيطرة على مناطق وحاميات مدل أبيقو، وبيلي بونق، وكمبردا بمحافظة الكرمك، وإنها سيطرت خلال الأسبوع نفسه على دوكان، وكرن كرن، وخور الحسن.
وتقول الحركة إن قوات التحالف تتقدم باتجاه الدمازين بعد معارك مع الجيش السوداني، مدعية إلحاق خسائر بشرية ومادية بقواته.
ولم أعثر على تأكيد مستقل لحجم تلك الخسائر أو لإحكام السيطرة على جميع المواقع الستة، ولذلك تظل هذه التفاصيل في نطاق الرواية الميدانية للحركة الشعبية وحلفائها إلى أن تتوفر مصادر مستقلة أو إعلانات مقابلة من الجيش.
لكن المؤكد أن شيئًا أكبر يتحرك في النيل الأزرق.
من الكرمك وقيسان إلى الدمازين
أهمية التطور الجديد لا تكمن في أسماء القرى والحاميات وحدها، وإنما في الاتجاه الذي تتحرك فيه الجبهة.
فمنذ فبراير الماضي تصاعد القتال في النيل الأزرق، قبل أن يعلن تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا السيطرة على الكرمك وقيسان في مراحل مختلفة خلال مارس وأغسطس.
وفي أواخر أغسطس أعلن التحالف كذلك السيطرة على قاعدتي بكوري وسركم الاستراتيجيتين في محافظتي قيسان والكرمك.
وهكذا لم تعد العمليات عبارة عن اشتباكات متفرقة قرب الحدود.
الخريطة تتحرك تدريجيًا من الشريط الحدودي مع إثيوبيا إلى داخل الإقليم.
وهنا تصبح الدمازين هي العقدة الأهم.
لماذا الدمازين؟
الدمازين ليست مجرد عاصمة إدارية.
السيطرة عليها، أو حتى وضعها تحت ضغط عسكري مستمر، ستكون تحولًا كبيرًا في ميزان القوة داخل جنوب شرق السودان.
المدينة تمثل مركز السلطة والإدارة والقيادة العسكرية في الإقليم، وتوجد فيها الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني.
كما أن الدمازين والروصيرص تشكلان مركزًا سكانيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية، وتقع المنطقة في محيط منشآت استراتيجية مرتبطة بمنظومة الكهرباء والمياه في السودان.
لذلك فإن الحديث عن «التقدم نحو الدمازين» يختلف جذريًا عن إعلان السيطرة على قرية حدودية.
إذا تحولت المدينة فعليًا إلى هدف مباشر للعمليات البرية، فستكون الحرب قد دخلت مرحلة جديدة في الإقليم.
ظهور جوزيف توكا
بالتزامن مع إعلان المكاسب الجديدة، بثت الحركة الشعبية مقاطع مصورة قالت إنها تظهر قائد قواتها في النيل الأزرق جوزيف توكا وهو يتفقد مقاتليه في محاور العمليات ويحثهم على مواصلة التقدم باتجاه الدمازين.
ظهور توكا يحمل رسالة سياسية وعسكرية في الوقت نفسه.
الحركة تريد القول إن ما يحدث ليس مجرد عمليات تنفذها وحدات محلية متناثرة، بل حملة عسكرية تحظى بإشراف قيادتها في الإقليم.
كما أن التركيز العلني على الدمازين يرفع الضغط النفسي على الجيش، ويضع العاصمة الإقليمية في قلب الحرب الإعلامية حتى قبل أن تصل إليها المعارك المباشرة.
الجيش لا ينتظر
في الجهة المقابلة، يتحرك الجيش لتعزيز دفاعاته.
وقال الجيش إن قائد الفرقة الرابعة مشاة، اللواء الركن إسماعيل الطيب، تفقد قواته في منطقة بلنق بالقطاع الجنوبي، واطلع على الموقف الأمني والعملياتي ومستويات الجاهزية والانتشار.
وهذه التحركات تأتي بعد تعزيزات سبقتها إلى الإقليم.
ففي مطلع سبتمبر وصلت عناصر من القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش إلى الدمازين للمشاركة في العمليات ضد تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية.
وكانت تلك، بحسب التقارير، الموجة الثانية من التعزيزات خلال فترة قصيرة بعد تقدم قوات التحالف في عدد من المحاور.
المشهد إذن ليس تقدم طرف في فراغ.
هناك حشد مقابل.
وهذا ربما يكون المؤشر الأخطر.
جبهة تختلف عن دارفور وكردفان
النيل الأزرق له جغرافيا سياسية وعسكرية مختلفة.
الإقليم يقع على حدود إثيوبيا وجنوب السودان، ويمثل امتدادًا لمسرح حرب قديم سبق حرب أبريل 2023 بسنوات طويلة.
الحركة الشعبية–شمال تعرف تضاريسه ومجتمعاته ومساراته العسكرية بصورة عميقة، ولها تاريخ طويل من القتال في المنطقة.
لكن دخول الدعم السريع إلى المعادلة غيّر طبيعة الصراع.
الحركة توفر معرفة الأرض والوجود المحلي.
والدعم السريع يضيف موارد وقدرات وشبكات حرب مرتبطة بالصراع الوطني الأوسع.
وهذا التحالف يجعل الجبهة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الجيش.
الحدود الإثيوبية ترفع قيمة الجبهة
هناك سبب آخر يجعل الكرمك وقيسان أكثر أهمية من حجمهما السكاني.
إنهما تقعان بمحاذاة إثيوبيا.
السيطرة على المناطق الحدودية تعني إمكانية التأثير في طرق الحركة والإمداد والتجارة والعبور، كما تمنح الطرف المسيطر عمقًا جغرافيًا مختلفًا عن الجبهات المحاصرة داخل البلاد.
الحكومة السودانية سبق أن وجهت اتهامات إلى إثيوبيا بتقديم دعم للدعم السريع، وهي اتهامات تحتاج إلى الفصل بينها وبين الوقائع الميدانية المثبتة؛ فوجود القتال قرب الحدود لا يشكل بذاته دليلًا على تدخل إثيوبي.
لكن حساسية العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا تجعل أي تغير عسكري كبير على هذا الشريط الحدودي ذا بعد إقليمي يتجاوز النيل الأزرق.
المدنيون بين الجيشين
الخطر الأكبر ليس فقط من يسيطر على الحامية التالية.
إنه ما يحدث للسكان أثناء انتقال خطوط القتال.
الإقليم شهد بالفعل موجات نزوح واسعة خلال الأشهر الأخيرة، وحذرت جهات محلية من تدهور الأوضاع الغذائية والإنسانية مع اتساع نطاق العمليات.
وهذا يعني أن أي تحرك كبير باتجاه الدمازين يمكن أن يدفع موجة جديدة من المدنيين نحو مناطق أكثر أمانًا أو باتجاه الحدود.
النيل الأزرق يعاني أصلًا من هشاشة في الخدمات والبنية التحتية.
وعندما تتحرك الجبهة بسرعة أكبر من حركة المساعدات، يكون المدنيون هم الطرف الذي يدفع الفارق.
ماذا تغير الآن؟
قبل أسابيع كان السؤال هو ما إذا كان تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية يستطيع تثبيت وجوده في الكرمك وقيسان.
اليوم أصبح السؤال مختلفًا:
إلى أي مدى يستطيع التحالف نقل ضغطه من المناطق الحدودية باتجاه مركز الإقليم؟
وهذه نقلة مهمة.
إذا كانت المواقع الستة الجديدة قد أصبحت بالفعل تحت سيطرة التحالف، فإنها تضيف نقاطًا أخرى إلى سلسلة المكاسب التي أعلنها منذ أغسطس.
لكن الإعلان عن «التقدم نحو الدمازين» شيء، والقدرة على الوصول إليها وتهديدها عسكريًا شيء آخر تمامًا.
الجيش يدرك ذلك، ولهذا تبدو التعزيزات وتحركات قيادة الفرقة الرابعة جزءًا من محاولة تثبيت خط دفاع يمنع تحويل المكاسب الريفية والحدودية إلى تهديد مباشر للعاصمة.
المعركة التي ينبغي مراقبتها
المؤشر الأهم خلال الأيام المقبلة ليس عدد البيانات العسكرية، وإنما مكان الاشتباك التالي على الخريطة.
إذا بقي القتال داخل محاور الكرمك والمناطق الجنوبية، فإن الحديث عن الدمازين قد يظل جزءًا من الحرب النفسية.
أما إذا بدأت الاشتباكات تتحرك شمالًا على المحاور المؤدية إلى العاصمة، فسيصبح الوضع مختلفًا جذريًا.
كذلك يجب مراقبة حجم التعزيزات التي يدفع بها الجيش والقوة المشتركة، وما إذا كانت الحركة الشعبية والدعم السريع قادرين على الحفاظ على خطوط الإمداد خلف المناطق التي يقولان إنهما سيطرا عليها.
فالاستيلاء على الأرض لا يحسم الحرب.
القدرة على الاحتفاظ بها هي الاختبار الحقيقي.
النيل الأزرق لم يعد جبهة بعيدة عن مركز الصراع. السيطرة على الكرمك وقيسان، ثم الإعلان عن حاميات ومناطق جديدة، والحشد العسكري المقابل، كلها ترسم اتجاهًا واضحًا: الحرب تحاول فتح طريق جديد في جنوب شرق السودان. والسؤال الذي سيحدد خطورة المرحلة المقبلة ليس من رفع علمه فوق القرية الأخيرة، بل إلى أي مسافة ستقترب المعركة التالية من الدمازين.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات