محررو لقطة AI
12 سبتمبر 2026
لم تعد حماية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الخليج قضية تتعلق بالجدران الإلكترونية وكلمات المرور والهجمات السيبرانية وحدها.
الصاروخ والطائرة المسيّرة دخلا المعادلة.
فبعد الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت تكنولوجية مرتبطة بالولايات المتحدة في الخليج، بدأت الإمارات إعادة النظر في تصميم واحد من أكبر مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، في تحول قد يغير الطريقة التي تُبنى بها مراكز البيانات العملاقة في مناطق التوتر حول العالم.
وكشفت رويترز، استنادًا إلى ستة مصادر مطلعة، أن الإمارات تراجع مخطط مشروع UAE-US AI Campus البالغة قدرته المخطط لها خمسة غيغاواط، بعدما كان التصور الأصلي يقوم على إنشاء مجمع ضخم يمتد على نحو عشرة أميال مربعة في أبوظبي.
الاتجاه الجديد مختلف.
بدل تجميع قدرة الحوسبة الهائلة في موقع واحد، يُرجح توزيعها على شبكة من مراكز البيانات في مواقع متعددة داخل الإمارات.
والأكثر لفتًا للانتباه أن السلطات تبحث وسائل حماية لم تكن جزءًا تقليديًا من قاموس مراكز البيانات التجارية:
دفاعات جوية.
إنشاء أجزاء من المنشآت تحت الأرض.
وتصاميم أكثر قدرة على تحمل آثار الهجمات الصاروخية والمسيّرات.
من الأمن السيبراني إلى الأمن العسكري
مركز البيانات كان يُعامل طوال سنوات باعتباره منشأة تحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية:
الكهرباء.
التبريد.
والاتصال بالشبكات.
الحرب الإقليمية أضافت عنصرًا رابعًا:
القدرة على النجاة من الضربة العسكرية.
وهذا تحول كبير.
فعندما تُجمع عشرات أو مئات الآلاف من شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة في منشأة واحدة، تصبح قيمة الموقع بمليارات الدولارات، وتتحول الخوادم من معدات تجارية إلى أصل استراتيجي.
تدمير مركز بيانات ضخم لا يعني فقط خسارة مبنى.
قد يعني توقف خدمات حكومية ومصرفية وشبكات اتصالات وأنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد عليها مؤسسات الدولة والشركات.
بمعنى آخر، أصبحت القدرة الحاسوبية نفسها جزءًا من البنية التحتية للأمن القومي.
مشروع بخمسة غيغاواط
حجم المشروع الإماراتي يوضح لماذا تأخذ أبوظبي المسألة بجدية.
القدرة المخطط لها، خمسة غيغاواط، تضع المجمع بين أضخم البنى التحتية للذكاء الاصطناعي في العالم.
ويقود المشروع G42 الإماراتية بالتعاون مع شركات تكنولوجيا أميركية كبرى، ضمن الشراكة الأميركية–الإماراتية في الذكاء الاصطناعي.
أما المرحلة الأولى، المعروفة باسم Stargate UAE، فتضم عنقود حوسبة بقدرة غيغاواط واحد وتقدر تكلفته بنحو 30 مليار دولار، على أن تدخل أول 200 ميغاواط من قدرته الخدمة خلال 2026.
وشركاء المشروع يشملون أسماء في قلب سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، بينها OpenAI وOracle وNvidia وCisco.
المسألة إذن لا تتعلق بمركز محلي لتخزين مواقع الإنترنت.
نحن أمام بنية يفترض أن تدعم تدريب وتشغيل بعض أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطورًا في العالم.
الهجمات الإيرانية غيّرت الحسابات
بحسب المصادر التي تحدثت إلى رويترز، بدأت مراجعة المخططات بعد أن أطلقت إيران صواريخ ومسيّرات على دول خليجية تستضيف قوات أو منشآت مرتبطة بالولايات المتحدة، ردًا على الحرب مع واشنطن وإسرائيل.
وقد تعرض مركزا بيانات تابعان لـAmazon Web Services داخل الإمارات ومركز آخر في البحرين لأضرار خلال هجمات مارس، واستمرت بعض آثار الاضطراب في الخدمات السحابية بعد ذلك.
هنا وقع التحول.
قبل الهجمات، كان تجميع الحوسبة في مجمع واحد يحقق مزايا واضحة:
شبكة كهرباء واحدة ضخمة.
أنظمة تبريد مركزية.
اتصالات مباشرة بين الخوادم.
تكلفة بناء وتشغيل أقل لكل وحدة.
لكن الحرب أظهرت العيب المقابل.
كلما ازداد التركيز، ازدادت قيمة الهدف.
ضربة واحدة ناجحة يمكن أن تعطل نسبة ضخمة من القدرة الحاسوبية في لحظة.
لماذا توزيع المراكز أكثر أمانًا؟
الفكرة تشبه ما يحدث في الاستراتيجيات العسكرية.
عدم وضع جميع الطائرات في قاعدة واحدة يقلل خسارة الهجوم الأول.
الأمر نفسه ينطبق على الحوسبة.
إذا توزعت خمسة غيغاواط على مواقع جغرافية مختلفة، يصبح تدمير المنظومة بأكملها أصعب.
قد يتوقف مركز.
لكن المراكز الأخرى تبقى عاملة.
والأهم أن البيانات والأحمال الحاسوبية نفسها يمكن توزيعها بحيث تتحول الشبكة إلى نظام أكثر قدرة على الاستمرار حتى تحت الهجوم.
لكن هذا الحل يأتي بثمن.
فربط عدة مواقع بعيدة يحتاج إلى شبكات ألياف فائقة السرعة.
ويزيد تكاليف الكهرباء والتبريد والأمن.
كما تصبح مزامنة آلاف أو مئات آلاف وحدات معالجة الرسوم المستخدمة في تدريب نموذج واحد أكثر تعقيدًا.
بعبارة أخرى:
الأمان العسكري قد يفرض تكلفة تقنية واقتصادية جديدة على الذكاء الاصطناعي.
هل نرى أول «مخابئ للذكاء الاصطناعي»؟
فكرة إنشاء أجزاء من مراكز البيانات تحت الأرض ربما تكون أكثر جوانب الخبر دلالة.
المنشآت تحت الأرض ليست جديدة في عالم الدفاع.
مراكز القيادة العسكرية ومخازن الذخيرة والمنشآت النووية الحساسة تستخدم هذه الطريقة منذ عقود.
لكن انتقال المفهوم إلى الحوسبة التجارية المتقدمة يكشف كيف تغيرت قيمة الذكاء الاصطناعي.
لم تعد الشرائح مجرد أجهزة كمبيوتر.
Nvidia وغيرها تصنع معالجات يصعب الحصول عليها، وتخضع صادراتها أصلًا لقيود أميركية مشددة.
مركز يحوي عشرات الآلاف منها يمكن أن تبلغ قيمة معداته وحدها مليارات الدولارات.
وإذا كانت تلك الشرائح تدير أنظمة حكومية أو نماذج ذات استخدامات أمنية، تصبح حمايتها شبيهة بحماية منشأة طاقة أو قيادة عسكرية.
أميركا والصين في خلفية المشروع
المشروع الإماراتي جزء أيضًا من معادلة جيوسياسية أكبر.
في مقابل وصول الإمارات إلى أحدث الشرائح والتكنولوجيا الأميركية، وافقت أبوظبي على تقليص بعض روابطها التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي مع الصين والاستثمار في منظومة Stargate الأميركية.
ولهذا فالمشروع ليس تجاريًا فقط.
إنه جزء من المنافسة الأميركية–الصينية على تحديد من يبني شبكات الحوسبة العالمية ومن يزودها بالشرائح والتقنية.
وتزداد المفارقة عندما تصبح منشآت يفترض أنها أحد أعمدة الشراكة التكنولوجية مع واشنطن أهدافًا محتملة في صراع عسكري مرتبط أصلًا بالتحالفات الأميركية في المنطقة.
الذكاء الاصطناعي هنا لم يعد خارج السياسة الخارجية.
أصبح في قلبها.
G42 تقول إن العمل مستمر
من المهم التمييز بين إعادة تقييم التصميم وبين إلغاء المشروع.
شركة G42 قالت لرويترز إن العمل في الحرم يسير وفق الخطة، وإن تفاصيله تخضع بصورة مستمرة للمراجعة بما يتماشى مع متطلبات الأمن والمرونة والتشغيل التي تتوقع من بنية تحتية بهذا الحجم.
كما قالت OpenAI إن العمل مع الإمارات لتحقيق رؤيتها في الذكاء الاصطناعي يحقق تقدمًا جيدًا.
لذلك لا توجد إشارة إلى التخلي عن المشروع.
التغيير يتعلق بكيفية بنائه وحمايته.
ولم يتضح حتى الآن الحجم النهائي للزيادة في التكلفة أو مقدار التأخير الذي يمكن أن يسببه التصميم الجديد.
تكلفة الحرب تدخل فاتورة AI
وهذه نقطة اقتصادية لا تقل أهمية.
مركز البيانات التقليدي مكلف أصلًا.
أضف إليه:
تحصينًا ضد الانفجارات.
مكونات تحت الأرض.
أنظمة دفاع جوي.
مواقع إضافية.
شبكات اتصالات احتياطية.
ومصادر كهرباء متعددة.
تبدأ تكلفة كل ميغاواط من قدرة الحوسبة في الارتفاع.
إذا أصبح هذا النمط معيارًا في الشرق الأوسط أو مناطق أخرى ذات مخاطر عسكرية، فقد تتحول الجغرافيا السياسية إلى بند دائم في تكلفة تدريب الذكاء الاصطناعي.
وهنا قد يظهر فرق بين دولة قادرة على إنفاق عشرات المليارات لحماية حوسبتها ودول تريد بناء قدرات AI لكنها لا تملك الموارد نفسها.
من النفط إلى البيانات
الإمارات أمضت عقودًا في حماية منشآت النفط والغاز لأنها قلب الاقتصاد.
لكن الاقتصاد الجديد يضيف نوعًا آخر من المنشآت إلى القائمة:
مراكز البيانات.
هناك تشابه واضح.
الحقل النفطي يحتاج خطوط أنابيب وحراسة ودفاعًا جويًا.
ومركز AI يحتاج كهرباء وأليافًا بصرية وحماية فعلية.
والاثنان يمكن أن يتحولا إلى هدف عندما تصبح الحرب حربًا على قدرة الدولة الاقتصادية، لا على قواتها العسكرية فقط.
وهذا ربما يكون المعنى الأعمق للتغيير الإماراتي.
البيانات أصبحت أصلًا استراتيجيًا مثل الطاقة.
وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الذكاء الاصطناعي؟
على مدى السنوات الماضية، كان السؤال الرئيسي عند اختيار موقع مركز البيانات:
أين الكهرباء رخيصة؟
أين توجد الأراضي؟
وأين تتوفر شبكات الاتصال؟
الحرب تفرض سؤالًا جديدًا:
هل يمكن الدفاع عنه؟
إذا استمرت التوترات الجيوسياسية، قد تبدأ شركات ودول أخرى في توزيع الحوسبة الحساسة بين مناطق متعددة بدل بناء تجمعات هائلة في موقع واحد.
وقد تصبح الجبال والمواقع تحت الأرض والمناطق البعيدة عن الحدود والقواعد العسكرية أكثر جاذبية.
وهذا يمكن أن يعيد رسم خريطة الحوسبة العالمية نفسها.
ماذا ينبغي متابعته؟
التفصيل الحاسم سيكون المخطط النهائي للمشروع.
هل تبقى القدرة البالغة خمسة غيغاواط؟
كم موقعًا ستوزع عليه؟
وكم من البنية سيُبنى تحت الأرض؟
كذلك يجب مراقبة ما إذا كانت الهجمات ستؤخر أول 200 ميغاواط المخطط تشغيلها هذا العام، وما إذا كانت تكلفة المشروع ستتجاوز تقديراتها السابقة.
أما السؤال الأكبر فهو ما إذا كان النموذج الإماراتي سيصبح سابقة.
فإذا بدأت الدول الغنية بتحصين مراكز الذكاء الاصطناعي كما تحصن المنشآت العسكرية والطاقة، سيكون ذلك إعلانًا واضحًا بأن سباق AI انتقل إلى مرحلة جديدة كليًا.
قبل سنوات كان الخوف على الذكاء الاصطناعي من اختراق الخادم. اليوم أصبح الخادم نفسه يحتاج إلى الاحتماء من الصاروخ. وبين مشروع بخمسة غيغاواط ومراكز موزعة ودفاعات جوية ومنشآت قد تختفي تحت الأرض، ترسم الإمارات واحدة من أولى صور عصر جديد: عندما تصبح الحوسبة قوة وطنية، يصبح مركز البيانات هدفًا استراتيجيًا يحتاج إلى ما كان يُخصص يومًا للقواعد العسكرية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات