السبت، 12 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

عندما يصبح الكيلو ترفًا.. السودانيون يشترون الطماطم والبصل «بالحبة» ويختصرون يومهم في وجبة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

عندما يصبح الكيلو ترفًا.. السودانيون يشترون الطماطم والبصل «بالحبة» ويختصرون يومهم في وجبة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI
12 سبتمبر 2026

لم يعد السؤال في أسواق السودان: كم بلغ سعر كيلو الطماطم؟

بالنسبة إلى أسر كثيرة، أصبح الكيلو نفسه خارج الحساب.

حبة طماطم واحدة. جزرة واحدة. ليمونة. خيارة. حبة بطاطس أو اثنتان. بضع قطع من البصل. كمية صغيرة من الزيت، وعظام بدل اللحم.

بهذه التفاصيل الصغيرة يمكن قراءة حجم التحول الذي أحدثته الحرب والانهيار الاقتصادي في حياة السودانيين بصورة ربما تكون أكثر وضوحًا من أرقام التضخم وسعر الصرف.

ففي أسواق سودانية، لم تعد الأزمة تظهر فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما في تغير وحدة الشراء نفسها.

وأفاد متعاملون في الأسواق بأن بيع الخضروات الذي انتقل في مراحل سابقة من الكيلو إلى أكوام صغيرة، أصبح في بعض الحالات يتم بالحبة الواحدة، حتى تستطيع الأسرة جمع الحد الأدنى من المكونات اللازمة لإعداد وجبة. 

السلطة أصبحت عملية حسابية

في عطبرة، وصف الصيدلاني هاني نصار المشهد لسودان تربيون قائلًا إن الناس عرفوا سابقًا البيع بـ«الكوم»، أما الآن فأصبحت بعض الخضروات تباع قطعة قطعة.

المستهلك لا يشتري مخزون يومين أو ثلاثة.

يشتري ما يحتاجه للقدر الموجود أمامه.

بطاطس واحدة أو اثنتان.

قليل من البصل.

أصغر كمية ممكنة من الزيت.

وحتى عندما يريد إضافة شيء يمنح الطعام نكهة اللحم، قد يكون الخيار هو شراء العظام بدل قطع اللحم نفسها. 

هذه ليست مجرد طريقة جديدة للبيع.

إنها مؤشر اقتصادي.

عندما يصغر حجم السلعة التي يستطيع المستهلك شراءها باستمرار، فهذا يعني أن المشكلة تجاوزت ارتفاع السعر إلى تآكل الدخل الحقيقي.

فالطماطم موجودة.

والبصل موجود.

والزيت قد يكون موجودًا.

لكن المال الذي يحمله المشتري لم يعد قادرًا على الوصول إليها بالكميات التي كانت طبيعية قبل سنوات.

من ندرة السلع إلى ندرة القدرة على شرائها

وهنا حدث تحول مهم في طبيعة الأزمة السودانية.

في مراحل من الحرب كانت المشكلة الرئيسية هي اختفاء السلع بسبب إغلاق الطرق وتعطل الأسواق والقتال.

أما اليوم، ففي بعض المناطق التي استعادت قدرًا من النشاط التجاري، تعود السلع إلى الرفوف والأسواق، لكن المشتري لا يعود معها بالقوة الشرائية نفسها.

وهذا فارق اقتصادي جوهري.

قد يكون السوق مليئًا بالطعام، وفي الوقت نفسه يكون الناس جائعين.

لأن الأمن الغذائي لا يعني وجود الغذاء فقط.

يعني كذلك القدرة على شرائه.

وجبة واحدة

تقرير سودان تربيون يرسم صورة لأسر بات تأمين وجبة يومية واحدة بالنسبة إليها معركة اقتصادية.

والخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي يصف ما يحدث بأنه موجة «تضخم غذائي» حاد ومتسارع، لا مجرد ارتفاع موسمي للأسعار. 

المشكلة تبدأ قبل وصول السلعة إلى السوق.

المزارع يحتاج إلى وقود.

والشاحنة تحتاج إلى وقود.

والتخزين يحتاج إلى كهرباء.

والطريق قد يكون طويلًا أو غير آمن.

والإنتاج الزراعي نفسه تضرر بالحرب والنزوح وانقطاع التمويل.

كل تكلفة في هذه السلسلة تنتقل في النهاية إلى الشخص الذي يقف أمام بائع الخضار.

وعندما يصل السعر إليه، تكون قدرته الشرائية قد تراجعت أصلًا.

السوق المحلي.. الجملة تتراجع

في السوق المحلي جنوبي الخرطوم، وهو من المراكز المعروفة لتجارة الجملة، تحدث تجار عن توقف شبه كامل لنشاط البيع بالجملة مقارنة بما كان عليه السوق.

ويربط التجار ذلك بتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وانقطاع أو اضطراب الطرق بين مناطق الإنتاج والمراكز الحضرية، وارتفاع تكاليف النقل وتراجع المعروض. 

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

البيع بالجملة ليس نشاطًا تجاريًا منفصلًا عن حياة الأسرة.

عندما يضعف سوق الجملة، تصبح الكميات التي تصل إلى متاجر الأحياء أصغر وأكثر تكلفة.

وعندما تصل إلى المستهلك النهائي، يعيد البائع تقسيمها مرة أخرى إلى وحدات أصغر يستطيع الناس دفع ثمنها.

هكذا يمكن أن تبدأ رحلة السلعة بالشاحنة وتنتهي بحبة واحدة.

الموظف الذي يعمل ولا يستطيع الأكل

الحرب خلقت كذلك مفارقة قاسية لفئات كانت تُحسب تقليديًا ضمن أصحاب الدخل المستقر.

المعلم.

الممرض.

الموظف الحكومي.

العامل في قطاع الخدمات.

وجود راتب لم يعد يعني بالضرورة القدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية.

فإذا ظل الدخل شبه ثابت بينما ترتفع أسعار الغذاء والنقل والطاقة والمياه، يتحول الراتب تدريجيًا إلى رقم لا يعكس تكلفة الحياة.

ولهذا تضطر الأسر إلى تعديل سلوكها.

إلغاء صنف.

تقليل كمية.

استبدال اللحم بالعظام.

تقليل الوجبات.

ثم شراء الخضار بالحبة.

وهذه ليست اختيارات استهلاكية طبيعية.

إنها استراتيجيات بقاء.

الحرب تأكل الاقتصاد مرتين

الحرب تضرب الأسرة السودانية من جهتين.

الأولى مباشرة: النزوح، فقدان العمل، تدمير الممتلكات وتعطل المصانع والمزارع والأسواق.

والثانية غير مباشرة: ارتفاع تكلفة كل شيء لم تدمره الحرب.

الوقود أغلى.

النقل أصعب.

الكهرباء أقل استقرارًا.

المياه في مناطق عديدة أصبحت سلعة تُشترى.

والغذاء يمر عبر سلسلة إمداد أطول وأكثر خطورة.

لهذا فإن توقف إطلاق النار، إذا حدث، لن يعني تلقائيًا انتهاء الأزمة الاقتصادية في اليوم التالي.

إعادة بناء القوة الشرائية أصعب بكثير من إعادة فتح متجر.

أخطر ما في شراء «الحبة»

يمكن النظر إلى شراء حبة طماطم باعتباره مشهدًا طريفًا أو غريبًا.

لكنه اقتصاديًا علامة خطيرة.

في الاقتصادات التي تتعرض لتضخم شديد، تبدأ الشركات والتجار في تصغير وحدات البيع حتى تبقى السلعة قابلة للشراء.

بدل العبوة الكبيرة تظهر الصغيرة.

وبدل الكيلو نصف كيلو.

ثم ربع كيلو.

ثم القطعة.

السعر الظاهري يصبح أقل لأن الكمية نفسها أصبحت أصغر.

لكن المستهلك في الحقيقة يدفع ثمن تدهور قدرته الشرائية بتقليص ما يأكله.

وهنا لا يعود التضخم رقمًا تصدره مؤسسة الإحصاء.

يصبح كمية الطعام داخل القدر.

والخطر يصل إلى التغذية

تقليل الوجبات لا يعني الجوع فقط.

هناك فارق بين الحصول على سعرات تكفي للبقاء وبين الحصول على غذاء متوازن.

يمكن لأسرة أن تجد الخبز أو العصيدة، لكنها لا تستطيع شراء اللحم أو الحليب أو البيض أو الخضروات بالكمية الكافية.

وعندها تبدأ مشكلة أخرى أقل ظهورًا:

سوء التغذية.

الأطفال والحوامل والمرضى وكبار السن هم الأكثر تأثرًا عندما تصبح الأسرة مضطرة للاختيار بين كمية الطعام وجودته.

ولهذا فإن الأزمة الاقتصادية والغذائية لا يمكن فصلها عن الأزمة الصحية.

السودان أمام أزمة طلب لا عرض فقط

السياسات التي تركز فقط على زيادة المعروض لن تكون كافية.

فتح الطريق مهم.

زيادة الإنتاج مهمة.

وخفض تكلفة النقل مهم.

لكن إذا لم يتحسن دخل الأسرة، فقد تمتلئ الأسواق ويبقى المستهلك عاجزًا عن الشراء.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تدخل إلى قلب أي سياسة اقتصادية في المرحلة المقبلة.

السؤال ليس فقط:

كيف نعيد السلع إلى السوق؟

بل:

كيف نعيد للمواطن القدرة على شرائها؟

الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي يرى أن المطلوب الانتقال من مجرد «إدارة الأزمة» إلى سياسات تستهدف النمو وسيادة الغذاء والطاقة والاستثمار في رأس المال البشري. 

مؤشر اقتصادي اسمه «حبة الطماطم»

ربما لا تحتاج الأزمة السودانية دائمًا إلى جدول طويل من المؤشرات كي تُفهم.

يمكن أحيانًا قراءتها في كيس صغير يحمله شخص عائد من السوق.

عندما يتحول الشراء من الكيلو إلى الكوم، ومن الكوم إلى الحبة، فذلك يعني أن شيئًا عميقًا حدث في العلاقة بين الراتب والسعر.

وعندما تتحول ثلاث وجبات إلى اثنتين، ثم إلى واحدة، يصبح الحديث عن «الغلاء» أقل من وصف الحقيقة.

إنه انكماش يومي لمساحة الحياة نفسها.

السوداني الذي كان يسأل البائع بالأمس عن سعر الكيلو، أصبح اليوم يحسب كم حبة يستطيع أن يأخذ بما في جيبه.

وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن أخطر أرقام الاقتصاد السوداني لن تكون سعر الدولار وحده، بل عدد الأسر التي لم يعد دخلها قادرًا على شراء الحد الأدنى من الغذاء.

في السوق السوداني اليوم، لا تحتاج إلى شاشة أسعار كي ترى الانهيار. انظر فقط إلى يد المشتري: حبة طماطم، بصلة، بطاطستان وقليل من الزيت. حين يصبح إعداد طبق السلطة ميزانية، وتصبح الوجبة الواحدة إنجازًا يوميًا، يكون الاقتصاد قد انتقل من أزمة أرقام إلى أزمة حياة.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً