محررو لقطة AI
12 سبتمبر 2026
خلف أسوار سجن شالا في الفاشر، تبدو الحرب مختلفة.
لا قصف في الروايات الجديدة، ولا معركة للسيطرة على حي، وإنما معتقلون يقول مفرج عنهم إن بعضهم يواجه المرض والجوع ونقص الأدوية داخل مكان احتجاز مغلق، بينما تحذر شهادة طبية من أعراض يشتبه في ارتباطها بمرض السل واحتمال انتقال العدوى بين المحتجزين.
ثلاثة معتقلين سابقين، بينهم عامل صحي، أُطلق سراحهم في فترات مختلفة بين يونيو وأغسطس، قدموا شهادات جديدة عن تدهور الأوضاع الصحية داخل سجن شالا بمدينة الفاشر، الذي يقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
ووصفوا ظروف المحتجزين بأنها «كارثية»، متحدثين عن انتشار الأمراض ونقص الأدوية وضعف الرعاية الطبية، فيما قال أحدهم إن بعض المعتقلين «يموتون ببطء بسبب الأمراض».
هذه الإفادات لم يصدر بشأنها تعليق فوري من قوات الدعم السريع، ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل الواردة فيها.
لكنها لا تأتي من فراغ.
تقارير سابقة لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ووثائق خبراء أمميين ومنظمات حقوقية سجلت بالفعل انتهاكات وظروف احتجاز خطرة في شالا ومراكز أخرى داخل الفاشر.
سبعة أشهر خلف الأسوار
إحدى أكثر الشهادات الجديدة إثارة للقلق جاءت من معتقل سابق يدعى عبدالله صالح.
قال صالح إنه أمضى نحو سبعة أشهر رهن الاحتجاز بعد نقله من داخلية الرشيد بجامعة الفاشر إلى سجن شالا، قبل أن يتمكن ثلاثة من عناصر الدعم السريع، بحسب روايته، من تهريبه إلى خارج السجن في منتصف يوليو.
وصف صالح وضع المرضى، خصوصًا المصابين بأمراض مزمنة، بأنه بالغ السوء بسبب عدم توفر الأدوية والعلاج.
وقال إن السجن شهد خلال الأشهر الأولى من فترة احتجازه حالات وفاة نسبها إلى المرض والجوع.
لا تتوفر أرقام مستقلة حديثة تحدد عدد الذين توفوا داخل السجن خلال الفترة التي يتحدث عنها.
ولهذا فإن القيمة الأساسية لهذه الشهادة ليست تقديم حصيلة جديدة للضحايا، وإنما الكشف عن استمرار الظروف التي سبق أن أثارت تحذيرات حقوقية وأممية منذ أشهر.
الخوف من السل
الشهادة الأكثر حساسية صحيًا جاءت من عامل صحي قال إنه اعتُقل مع عشرات الأشخاص من المستشفى السعودي في الفاشر، ونُقل إلى أحد مراكز الاحتجاز قبل إطلاق سراحه قبل نحو شهر مقابل فدية مالية، وفق روايته.
وقال المصدر إن عددًا كبيرًا من المعتقلين الذين شاهدهم كانوا يعانون أعراضًا يشتبه في ارتباطها بمرض السل.
وهنا يجب التمييز بين الاشتباه والتشخيص.
لا توجد، بحسب المصدر نفسه، أجهزة تشخيص كافية داخل مكان الاحتجاز لتأكيد إصابة هؤلاء بالسل. ولذلك لا يمكن القول إن هناك «تفشيًا مؤكدًا للسل» داخل شالا.
لكن مجرد الاشتباه يحمل خطورة كبيرة.
السجون ومراكز الاحتجاز المكتظة، خصوصًا عندما تكون سيئة التهوية وتفتقر إلى الفحوص والعلاج، توفر بيئة يمكن أن تساعد على انتقال الأمراض التنفسية.
وإذا كان بعض المحتجزين يعانون بالفعل السل من دون تشخيص أو علاج، فإن المشكلة لا تتوقف عند المريض نفسه.
مئات نُقلوا إلى شالا
معتقل سابق آخر، أُفرج عنه في أواخر يونيو، قال إن مئات الأشخاص نُقلوا إلى شالا من مراكز احتجاز مختلفة داخل الفاشر على مراحل، وإن غالبية من شاهدهم كانوا مدنيين.
وقال إن عددًا كبيرًا منهم ما يزال رهن الاحتجاز.
هذه الإفادة تتقاطع جزئيًا مع توثيق أممي سابق.
فمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثق استخدام قوات الدعم السريع عشرة مواقع منفصلة للاحتجاز في الفاشر أثناء الهجوم النهائي على المدينة وبعده، بينها سجن شالا، إضافة إلى مستشفيات ومدارس ومبانٍ مدنية حُولت إلى أماكن احتجاز غير رسمية.
وقال المكتب إن المعتقلين شملوا أشخاصًا يُنظر إليهم على أنهم مرتبطون بالجيش أو القوة المشتركة، إضافة إلى مسؤولين حكوميين وأطباء وصحفيين ومعلمين وعاملين في المجال الإنساني.
كما وثق احتجاز رجال ونساء وفتيان وفتيات على أساس انتماءات قبلية أو عائلية أو سياسية متصورة، وهو ما أثار مخاوف جدية بشأن الاعتقال التعسفي.
أرقام مختلفة.. ومشكلة واحدة
هناك تباين واضح في الأرقام المتداولة عن عدد المحتجزين في شالا، ويجب عدم دمجها باعتبارها رقمًا واحدًا.
تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قدر أنه بحلول مطلع يناير 2026 كان هناك أكثر من ألفي شخص محتجزين في شالا، بينما نُقل ما لا يقل عن ستة آلاف آخرين إلى سجن دقريس في نيالا، إضافة إلى آلاف محتجزين في مواقع مختلفة داخل الفاشر.
وفي المقابل، أشار بلاغ صادر عن خبراء أمميين في مايو إلى معلومات تلقوها تتحدث عن نحو تسعة آلاف شخص، بينهم نساء، محتجزين تعسفيًا في شالا ويواجه كثير منهم ظروفًا تهدد الحياة بسبب نقص الغذاء والماء والرعاية الطبية.
هذه الأرقام تعود إلى فترات ومصادر ومنهجيات مختلفة، ولذلك لا يصح تقديم أي منها بوصفه تعدادًا حاليًا مؤكدًا للسجن في سبتمبر.
لكن الاختلاف في العدد لا يلغي الصورة المشتركة:
هناك عدد كبير من المحتجزين، وهناك مخاوف موثقة ومتكررة بشأن ظروف احتجازهم.
الموت داخل المعتقل ليس ادعاءً جديدًا
في فبراير، وثقت لجنة العدالة تقارير عن أوضاع شديدة الخطورة داخل شالا، وتحدثت عن نقص حاد في الغذاء وانعدام شبه كامل للخدمات الصحية ووفاة محتجزين مصابين بجروح خطيرة لم يحصلوا على العلاج اللازم.
وفي مايو، أثار خبراء الأمم المتحدة رسميًا مع قوات الدعم السريع ادعاءات تتعلق بـالوفاة أثناء الاحتجاز والاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة ونقص الغذاء والصحة والمياه والصرف الصحي في شالا.
هذا يمنح شهادات سبتمبر أهمية إضافية.
فهي تشير إلى أن المشكلة التي أُبلغ عنها قبل أشهر ربما لم تُحل.
ماذا عن الفدية؟
الشهادة التي تتحدث عن إطلاق سراح العامل الصحي مقابل فدية تتقاطع أيضًا مع نمط سبق أن وثقته الأمم المتحدة.
مكتب حقوق الإنسان قال إن مراقبته رصدت حالات اختطاف مقابل الفدية عقب سيطرة الدعم السريع على الفاشر، كما وثق احتجاز عاملين طبيين وطلب أموال مقابل إطلاق سراح بعضهم.
إذا استمرت هذه الممارسة، فإن الاعتقال يصبح أكثر من مجرد احتجاز مرتبط بالحرب.
يتحول الإنسان نفسه إلى وسيلة للحصول على المال من أسرته.
وهنا تتداخل الانتهاكات الأمنية مع اقتصاد الحرب.
شالا ليس جزيرة معزولة
أهمية الملف تتجاوز السجن نفسه.
الفاشر شهدت بعد تغير السيطرة العسكرية شبكة من أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.
مدارس.
مستشفيات.
مبانٍ حكومية.
مخازن سابقة للأمم المتحدة.
ومواقع أخرى استخدمت، وفق توثيق الأمم المتحدة، لاحتجاز أشخاص خلال العمليات وبعدها.
وهذا يجعل السؤال الحقوقي أكبر من:
ماذا يحدث في شالا؟
السؤال هو:
كم شخصًا ما يزال محتجزًا في الفاشر؟ وأين هم؟ ومن يعرف أسماءهم وحالتهم الصحية؟
لماذا الخبر مهم الآن؟
الجديد ليس اكتشاف وجود سجن شالا أو سوء أوضاعه.
ذلك موثق منذ أشهر.
الجديد أن أشخاصًا خرجوا من الاحتجاز في يونيو ويوليو وأغسطس يقدمون الآن شهادات تشير إلى استمرار الأزمة، بدل أن تكون المعلومات كلها عائدة إلى الشهور الأولى التي أعقبت السيطرة على المدينة.
وإذا كانت أوضاع المرضى والأدوية والرعاية الطبية لم تتحسن، فهذا يعني أن الزمن نفسه أصبح عامل خطر.
المريض المزمن يستطيع تحمل نقص الدواء لأيام.
ليس لأشهر.
والمصاب بمرض معدٍ داخل مكان مكتظ لا يمثل حالة فردية فقط.
إنه خطر على الآخرين.
ما المطلوب الآن؟
الاختبار الحقيقي لهذه المعلومات هو الوصول المستقل.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الإنسانية والحقوقية تحتاج إلى الوصول إلى أماكن الاحتجاز، والتحقق من أعداد المعتقلين، وتسجيل أسمائهم، وفحص المرضى، وتوفير الأدوية، والتأكد من قدرة المحتجزين على التواصل مع أسرهم.
كما أن الاشتباه بوجود السل يحتاج إلى فحوص فعلية، لا إلى التخمين.
وقبل كل شيء، يحتاج الملف إلى معرفة من يوجد خلف تلك الأسوار.
لأن أخطر ما في الاعتقال أثناء الحرب ليس فقط فقدان الحرية.
إنه أن يختفي الإنسان من المجال العام، ولا تعرف أسرته إن كان مريضًا أو جائعًا أو حيًا أصلًا.
في شالا، تقول الشهادات الجديدة إن بعض المعتقلين لا يموتون برصاصة في ساحة القتال، بل ببطء خلف جدار: مرض بلا دواء، وجوع بلا غذاء، وعدوى بلا تشخيص. وبعد أشهر من التحذيرات، لم يعد السؤال ما إذا كانت هناك أزمة داخل المعتقل؛ السؤال هو لماذا لا يزال الوصول المستقل إلى المحتجزين عاجزًا عن كشف حجمها الحقيقي.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات