الأحد، 13 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

باب المندب.. بوابة صغيرة تتحكم في تجارة العالم وأمن البحر الأحمر

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

باب المندب.. بوابة صغيرة تتحكم في تجارة العالم وأمن البحر الأحمر
💬 تعليق 0

13سبتمبر 2026

لا تتناسب المساحة الجغرافية الضيقة لمضيق باب المندب مع التأثير الهائل الذي يمارسه في الاقتصاد والسياسة والأمن الدوليين. فهذا الممر البحري، الواقع بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من الجهة الأفريقية، يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويربطه بخليج عدن ثم بحر العرب والمحيط الهندي.

ومن خلال هذا الموقع، يتحول المضيق إلى حلقة أساسية في الطريق البحري الممتد من الأسواق الآسيوية وموانئ الخليج إلى قناة السويس والبحر المتوسط وأوروبا. ولذلك فإن أي اضطراب أمني عند باب المندب لا يبقى محصورًا في اليمن أو القرن الأفريقي، بل ينتقل تأثيره سريعًا إلى أسعار الوقود وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد وموانئ دول تبعد عنه آلاف الكيلومترات.

نقطة الاختناق في طريق عالمي

يبلغ عرض باب المندب عند أضيق نقطة نحو 29 كيلومترًا، وتفصل جزيرة ميون اليمنية بين قناتيه الشرقية والغربية. وعلى الرغم من أن هذا العرض يسمح بمرور السفن وناقلات النفط، فإن طبيعة المضيق تجعله واحدًا من «نقاط الاختناق البحرية»؛ أي الممرات الضيقة التي تعتمد عليها كميات كبيرة من التجارة الدولية ولا تتوافر لها بدائل قصيرة ومباشرة.

تنبع أهمية باب المندب من ارتباطه العضوي بقناة السويس. فالسفينة القادمة من المحيط الهندي والمتجهة إلى أوروبا تدخل خليج عدن، وتعبر المضيق إلى البحر الأحمر، ثم تواصل رحلتها شمالًا نحو قناة السويس. والعكس يحدث بالنسبة إلى السفن القادمة من أوروبا والمتجهة إلى آسيا والخليج وشرق أفريقيا.

إذا تعذر المرور عبر المضيق، تصبح قناة السويس أقل فائدة لجزء كبير من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وتضطر السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب القارة الأفريقية. وهذا المسار يضيف أيامًا أو أسابيع إلى بعض الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود وأجور الطواقم وتكاليف التأمين والشحن.

شريان للنفط والطاقة

يمثل باب المندب أيضًا طريقًا استراتيجيًا لصادرات النفط والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال. وتعبره شحنات قادمة من الخليج وآسيا في طريقها إلى أوروبا، إلى جانب شحنات تتحرك في الاتجاه المعاكس نحو الأسواق الشرقية.

وبحسب أحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ارتفعت تدفقات النفط عبر المضيق إلى نحو 8.1 ملايين برميل يوميًا خلال الربع الثاني من 2026، بعدما كانت نحو 3.9 ملايين برميل يوميًا في الربع الأول من 2025. وتوضح هذه الأرقام أن أهمية الممر لا تقتصر على عدد السفن، بل تشمل حجم الطاقة التي تعتمد عليها الأسواق والمصافي والقطاعات الصناعية.

وتكشف تجربة الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر منذ أواخر 2023 حجم حساسية هذا الطريق. فقد انخفضت تدفقات النفط عبر باب المندب في الأشهر الثمانية الأولى من 2024 إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميًا، مقارنة بنحو 8.7 ملايين في 2023، بعدما فضلت شركات شحن تغيير مساراتها تجنبًا للمخاطر.

لم تختفِ التجارة في ذلك الوقت، لكنها أصبحت أبطأ وأكثر تكلفة. وهذا هو جوهر خطورة المضيق: ليس من الضروري إغلاقه بالكامل حتى تتضرر الأسواق؛ إذ يكفي ارتفاع احتمال التعرض لهجوم أو احتجاز سفينة لكي ترتفع أقساط التأمين وتتغير المسارات وتزداد كلفة السلع.

أمن المضيق يتجاوز الدول المطلة عليه

ينظر المجتمع الدولي إلى باب المندب بوصفه قضية أمن جماعي، لا ممرًا محليًا خاضعًا لحسابات الدول الواقعة على ضفتيه فقط. ولهذا تنتشر قواعد وتسهيلات عسكرية لقوى دولية وإقليمية في منطقة القرن الأفريقي، ولا سيما في جيبوتي، بينما تنفذ قوات بحرية متعددة مهام لحماية الملاحة ومكافحة القرصنة ومراقبة التهديدات.

وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية في سبتمبر 2026 أن التعاون الإقليمي أصبح ضروريًا لمواجهة التحديات الأمنية المتغيرة في البحر الأحمر وخليج عدن. وتشمل هذه التحديات الهجمات على السفن، والقرصنة، وتهريب الأسلحة والبشر، والنزاعات المسلحة القادرة على الانتقال من البر إلى البحر.

لكن عسكرة المنطقة تحمل بدورها مخاطر إضافية. فوجود قوى كثيرة ذات مصالح متنافسة قد يوفر حماية للملاحة، لكنه يحول المضيق أيضًا إلى ساحة للتجاذب وجمع المعلومات واستعراض القوة. وهكذا يصبح باب المندب في الوقت نفسه طريقًا تجاريًا ومسرحًا للصراع الجيوسياسي.

ماذا يعني باب المندب للسودان؟

لا يطل السودان مباشرة على المضيق، لكنه يتأثر بما يحدث فيه بصورة مباشرة بحكم امتلاكه ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر واعتماده على ميناء بورتسودان في الجزء الأكبر من تجارته الخارجية.

أي تهديد للملاحة عبر باب المندب يمكن أن يرفع تكلفة وصول الواردات السودانية، بما فيها الوقود والقمح والأدوية والمعدات. كما قد يؤدي إلى ارتفاع رسوم الشحن والتأمين وتأخر وصول السفن، ثم انتقال هذه التكلفة إلى المواطن في صورة أسعار أعلى ونقص محتمل في بعض السلع.

وفي المقابل، يمنح موقع السودان على البحر الأحمر أهمية استراتيجية متزايدة. فالموانئ والجزر والساحل السوداني تدخل ضمن حسابات أمن الطريق الممتد من باب المندب إلى قناة السويس. ومن هنا يتصاعد اهتمام القوى الإقليمية والدولية ببورتسودان، وبمشروعات الموانئ والقواعد والتعاون البحري في البلاد.

غير أن الموقع وحده لا يصنع المكاسب. فإذا غابت الدولة القادرة على حماية ساحلها وإدارة موانئها بشفافية، فقد تتحول الأهمية الجغرافية إلى باب للتدخلات والمنافسات الخارجية، بدل أن تصبح موردًا اقتصاديًا يخدم السودان.

بوابة لا يملك العالم تجاهلها

قيمة باب المندب لا تكمن في المضيق وحده، بل في الشبكة التي يتصل بها: المحيط الهندي، وخليج عدن، والبحر الأحمر، وقناة السويس، وموانئ الخليج وشرق أفريقيا وأوروبا. وأي خلل عند نقطة واحدة من هذه الشبكة ينتشر عبرها مثل سلسلة من الصدمات.

لهذا لا يُقاس أمن باب المندب بعدد القطع البحرية الموجودة حوله فحسب، بل بقدرة دول المنطقة على معالجة الحروب التي تولّد التهديدات، وبناء تعاون بحري حقيقي، وحماية السفن والمدنيين، ومنع استخدام التجارة الدولية وسيلة للابتزاز العسكري.

إنه ممر ضيق، لكنه يحمل فوق مياهه مصالح دول وقارات بأكملها. ومن يراقب باب المندب لا يراقب حركة السفن فقط، بل يقرأ ميزان القوة في البحر الأحمر ومستقبل التجارة بين الشرق والغرب.

محررو لقطة AI – 17

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً