محررو لقطة AI – 7
8 أكتوبر 2026
تتحرك السياسة الأمريكية تجاه السودان إلى مرحلة أكثر تعقيدًا بعد تعثر المحاولات المتكررة لفرض هدنة توقف الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. فواشنطن التي راهنت خلال الأشهر الماضية على الجمع بين الضغوط الدبلوماسية والوساطات الإقليمية، بدأت توسع أدواتها لتشمل العقوبات، وحظر السلاح، والضغط على اقتصاد الحرب، والتنسيق بين المنصات الدولية المختلفة، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طرفي الصراع.
هذا التحول لا يعني أن الولايات المتحدة أعلنت رسميًا «استراتيجية جديدة» متكاملة تجاه السودان. لكنه يعكس، من خلال الخطوات التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب وتصريحات كبير مستشاريه للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، انتقالًا تدريجيًا من الرهان الأساسي على إقناع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقبول هدنة، إلى محاولة بناء منظومة ضغط أوسع تجعل استمرار الحرب أكثر تكلفة سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.
وأعاد تقرير نشرته صحيفة «ذا هيل» الأمريكية هذا النقاش إلى الواجهة، معتبرًا أن واشنطن بدأت تعديل نهجها بعد تعثر الجهود الدبلوماسية السابقة. لكن قراءة التحركات الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة تكشف أن الأمر يتجاوز تغييرًا في الخطاب؛ إذ بدأت عدة أدوات كانت تتحرك بصورة منفصلة تلتقي في مسار واحد: وقف إطلاق النار، والضغط الاقتصادي، وتقييد تدفق السلاح، وإعادة ترتيب الوساطات، وفتح مسار سياسي مدني بالتوازي مع المسار العسكري. (القدس العربي)
كانت نقطة الانطلاق الأمريكية خلال الأشهر الماضية اقتراح هدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، تمهد لمفاوضات حول وقف دائم لإطلاق النار ثم عملية سياسية تقود إلى حكم مدني. غير أن الخلاف ظهر سريعًا حول تفاصيل الخطة، خصوصًا ما يتعلق بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها.
وطالب الجيش السوداني بأن يتضمن أي اتفاق انسحابًا كاملًا للدعم السريع من المدن التي يسيطر عليها، بينما تضمنت الصيغة الأمريكية ترتيبات أكثر محدودية للانسحاب في مناطق ذات أولوية، وفق وثائق اطلعت عليها رويترز في يوليو. ومنذ ذلك الوقت أصبح الخلاف على التسلسل واضحًا: هل تبدأ العملية بوقف النار أولًا ثم تعالج السيطرة العسكرية، أم يجب أن تسبق الهدنة ترتيبات انسحاب أكثر شمولًا؟ (Investing.com)
وتصاعد التوتر في سبتمبر عندما امتنعت الولايات المتحدة عن إصدار تأشيرة لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وربطت مصادر سودانية ودولية تحدثت إلى رويترز الخطوة برفض الخرطوم للصيغة الأمريكية للهدنة، بينما قالت السلطات السودانية إنها لم ترفض المقترح من حيث المبدأ، وإنما قدمت ملاحظات عليه. وزارة الخارجية الأمريكية، من جانبها، لم تناقش تفاصيل ملف التأشيرة علنًا بسبب قواعد الخصوصية. (Reuters)
لو توقفت العلاقة عند أزمة التأشيرة، لكان من الممكن تفسيرها باعتبارها انتقالًا أمريكيًا نحو القطيعة والضغط المباشر على قيادة الجيش. لكن ما حدث بعد ذلك كشف صورة أكثر تعقيدًا.
ففي مطلع أكتوبر التقى مسعد بولس البرهان في مصر خلال مأدبة أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش اجتماع للاتحاد الأفريقي. اللقاء كان نادرًا ومعلنًا، وجاء بعد أقل من أسبوعين من أزمة التأشيرة. وقال بولس بعده إن الولايات المتحدة تتمسك بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وتعمل مع مصر وشركاء إقليميين ودوليين للوصول إلى حل سياسي، وإن الهدف النهائي هو حوار سوداني شامل يقود إلى حكومة مدنية. (AP News)
هذه المفارقة بين الضغط على البرهان في نيويورك والجلوس معه في مصر تكشف جانبًا مهمًا من المقاربة الأمريكية الجديدة: واشنطن لا تريد منح أي من الطرفين شرعية سياسية مطلقة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن إنهاء الحرب من دون التحدث إلى القوى العسكرية المسيطرة على الأرض يكاد يكون مستحيلًا.
ولهذا أعلنت الخارجية الأمريكية في سبتمبر موقفًا أكثر وضوحًا، مفاده أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وقيادتيهما لا يمثلان حكومة دستورية شرعية للسودان. وفي المقابل، استمرت واشنطن في التواصل مع الطرفين. وبذلك تحاول الإدارة الأمريكية الفصل بين الاعتراف بالواقع العسكري وبين الاعتراف السياسي بمن يسيطر على الأرض. (Semafor)
التحول الثاني يتعلق بأدوات الضغط. فقد قال بولس إن الولايات المتحدة تمتلك «عددًا من الأدوات» التي يمكن استخدامها لدفع الأطراف نحو إنهاء الحرب، مشيرًا إلى العقوبات وحظر السلاح وإجراءات أخرى. كما تدفع واشنطن باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ سنوات ليشمل نطاقًا أوسع من السودان، مع إدخال الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها ضمن القيود المقترحة. (The National)
لكن هذا المسار اصطدم بدوره بخلافات داخل مجلس الأمن. فقد فشلت محاولة أمريكية سابقة لتوسيع نطاق الحظر بسبب اعتراضات من دول بينها روسيا والصين، إضافة إلى تحفظات من أعضاء آخرين، وانتهى المجلس في سبتمبر إلى تمديد تقني قصير لنظام العقوبات بدل اعتماد التوسعة التي كانت واشنطن تدفع نحوها. وهذا يوضح أن الولايات المتحدة لا تواجه تعنت الأطراف السودانية فقط، بل تواجه أيضًا انقسامًا دوليًا حول الأدوات التي ينبغي استخدامها لإنهاء الحرب. (Security Council Report)
أما التحول الثالث فيتجه إلى اقتصاد الحرب. فقد تحدث بولس عن عمل أمريكي مع بريطانيا وشركاء أوروبيين على ملف تجارة الذهب السوداني، الذي أصبح أحد أهم مصادر التمويل والنقد الأجنبي المرتبطة بشبكات اقتصادية تعمل داخل السودان وخارجه. دخول الذهب إلى أدوات السياسة الأمريكية يعني أن واشنطن بدأت تنظر إلى الحرب ليس فقط باعتبارها مواجهة عسكرية تحتاج إلى هدنة، وإنما كنظام اقتصادي له مصادر تمويل وشبكات تجارة وإمداد يجب التأثير فيها إذا أريد تغيير حسابات المتحاربين. (The National)
وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة للسودان. فالذهب أصبح خلال سنوات الحرب المورد التصديري الأهم تقريبًا، بينما تتوزع مناطق إنتاجه ومسارات تجارته بين مناطق تخضع لسيطرة أطراف مختلفة وشبكات داخلية وإقليمية. ولذلك فإن أي إجراءات دولية تستهدف تجارة الذهب تحتاج إلى تصميم دقيق حتى لا تتحول من ضغط على اقتصاد الحرب إلى ضغط إضافي على الاقتصاد السوداني الرسمي والمعدنين والعاملين في القطاع.
التحول الرابع يتعلق بهندسة الوساطة نفسها. فقد عانت جهود إنهاء الحرب منذ بدايتها من تعدد المنابر: جدة، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والأمم المتحدة، والرباعية، والخماسية، إلى جانب مبادرات دول منفردة. وفي سبتمبر عقدت الرباعية والخماسية اجتماعًا مشتركًا للمرة الأولى، برئاسة مشتركة بين رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف ومسعد بولس.
وبحسب الاتحاد الأفريقي، ركز الاجتماع على بناء خريطة طريق مشتركة تربط الهدنة الإنسانية بوقف الأعمال العدائية والحوار المدني، مع إنشاء تنسيق أكثر انتظامًا بين الفرق الفنية للمنصتين. كما ناقش المجتمعون ضرورة التعامل مع الدعم العسكري الخارجي الذي يغذي الحرب، والتحضير لآليات مراقبة والتحقق من أي اتفاق يتم التوصل إليه. (African Union)
هذا التطور ربما يكون أهم من إنشاء مبادرة سلام جديدة. المشكلة السودانية لم تكن طوال السنوات الماضية في غياب المبادرات، بل في كثرتها وتنافسها واختلاف مصالح الدول التي تقف خلفها. وإذا نجحت واشنطن والاتحاد الأفريقي في تحويل الرباعية والخماسية من منصتين متوازيتين إلى آلية تنسيق واحدة، فقد تعالج إحدى نقاط الضعف التي سمحت لطرفي الحرب بالمناورة بين المبادرات المختلفة.
لكن حتى هذا المسار يواجه خلافات إقليمية. فالدول المنخرطة في الوساطة لا تنظر إلى الجيش والدعم السريع بالطريقة نفسها، ولا تتطابق مصالح مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة بشأن مستقبل المؤسسات العسكرية السودانية أو شكل العملية السياسية. وأشار تقرير مجلس الأمن إلى وجود توترات داخل الرباعية نفسها خلال سبتمبر، بما في ذلك اعتراضات سعودية على بعض جوانب المقاربة الأمريكية. (Security Council Report)
وهذا يفسر جزئيًا لماذا لم تتحول الضغوط الدولية حتى الآن إلى وقف للحرب. فالضغط على الخرطوم وحدها لن يكون كافيًا إذا ظلت قوات الدعم السريع قادرة على الحصول على السلاح والتمويل، والعكس صحيح. كما أن مطالبة الأطراف السودانية بالتفاوض ستكون محدودة الأثر إذا كانت القوى الإقليمية التي تمتلك نفوذًا عليها غير متفقة على شكل التسوية.
وتظهر هنا إحدى أكثر النقاط حساسية في الاستراتيجية الأمريكية الناشئة: محاولة الضغط على الطرفين من دون دفع أي منهما إلى إغلاق قنوات الاتصال بالكامل. أزمة تأشيرة البرهان كانت رسالة ضغط واضحة، لكن اللقاء معه بعد أيام في مصر أظهر أن واشنطن لا تريد تحويل الضغط إلى قطيعة. وفي الوقت نفسه، يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم يحافظون على الاتصال بقوات الدعم السريع مع رفض منحها شرعية سياسية للحكم. (Reuters)
ويأتي كل ذلك بينما يتحرك الميدان في الاتجاه المعاكس للدبلوماسية. المعارك في كردفان تتسع، والهجمات بالطائرات المسيّرة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في الحرب، بينما تتعرض عمليات الإغاثة نفسها للهجوم. وقد أدى استهداف شاحنات لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان أخيرًا إلى مقتل أحد السائقين، وهو ما وصفه بولس بأنه جزء من نمط خطير يستهدف العمل الإنساني. (The National)
وهنا تظهر المعضلة الأمريكية بوضوح. كلما اعتقد أحد الطرفين أنه قادر على تحسين موقعه عسكريًا، انخفضت رغبته في تقديم تنازلات سياسية. ولذلك فإن نجاح واشنطن لن يتوقف على صياغة مقترح هدنة أفضل، بل على قدرتها مع الشركاء الإقليميين على تغيير حسابات الحرب نفسها بحيث يصبح استمرار القتال أكثر كلفة من التفاوض.
ومع ذلك، يجب الحذر من وصف التحركات الحالية بأنها انقلاب كامل في السياسة الأمريكية. فالأهداف الرئيسية لم تتغير كثيرًا: وقف القتال، حماية المدنيين، تسهيل المساعدات، الحفاظ على وحدة السودان، ومنع قيام سلطات متوازية، ثم الانتقال إلى حكم مدني. الذي يتغير بصورة أوضح هو الأدوات المستخدمة للوصول إلى هذه الأهداف.
واشنطن تنتقل تدريجيًا من دبلوماسية تعتمد بصورة كبيرة على تقديم مقترحات للطرفين إلى دبلوماسية تحاول الجمع بين التفاوض والعقوبات وحظر السلاح والضغط الاقتصادي والتنسيق الإقليمي والمسار المدني. وفي الوقت نفسه تبقي الباب مفتوحًا أمام الاتصال المباشر مع القوى العسكرية التي تضغط عليها.
الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يتضح ما إذا كانت هذه الأدوات ستطبق بالتساوي على شبكات التسليح والتمويل التي تدعم طرفي الحرب، وما إذا كانت واشنطن قادرة على إقناع حلفائها الإقليميين باستخدام نفوذهم بدل الاكتفاء بالضغط على السودانيين أنفسهم.
كما سيكون مهمًا معرفة مصير مقترح الهدنة لمدة 90 يومًا. فإذا استطاعت الوساطة الوصول إلى صيغة تعالج مخاوف الجيش بشأن وجود الدعم السريع داخل المدن، وفي الوقت نفسه توفر ضمانات قابلة للمراقبة لوقف النار ووصول المساعدات، فقد يعود المسار التفاوضي إلى الحياة. أما إذا ظل الخلاف قائمًا حول الانسحاب والشرعية ومستقبل القوات، فإن زيادة العقوبات وحدها قد لا تكون كافية لإيقاف الحرب.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، يبدو أن واشنطن بدأت تستوعب أن أزمة السودان لا يمكن اختزالها في جمع قائدين حول طاولة تفاوض. الحرب أصبحت شبكة من الجبهات والمصالح الاقتصادية وتدفقات السلاح والتحالفات الإقليمية والمشروعات السياسية المتنافسة. ولذلك فإن الاستراتيجية التي تريد إنهاءها تحتاج إلى التعامل مع هذه الشبكة كلها، لا مع المدافع وحدها.
لكن السؤال الذي سيحدد مصير المقاربة الأمريكية الجديدة ليس عدد الأدوات التي تمتلكها واشنطن، وإنما قدرتها على استخدامها بصورة منسقة، وعلى إقناع الدول التي تملك النفوذ الحقيقي على أطراف الحرب بالتحرك في الاتجاه نفسه.
فالولايات المتحدة تستطيع فرض عقوبات، والضغط في مجلس الأمن، واستهداف شبكات التمويل، والتحدث إلى البرهان والدعم السريع، وجمع الوسطاء حول طاولة واحدة. لكن وقف الحرب سيظل بعيدًا إذا بقيت الأطراف السودانية مقتنعة بأن ما يمكن أن تكسبه في الميدان أكبر مما يمكن أن تحصل عليه في التفاوض.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات