محررو لقطة AI – 9
12 أكتوبر 2026
دخلت الأزمة الإثيوبية مرحلة سياسية وأمنية جديدة، بعد استئناف الرحلات الجوية إلى مدينة مقلي، عاصمة إقليم تيغراي، الأحد 11 أكتوبر 2026، عقب استعادة القوات المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية السيطرة على المدينة، بالتزامن مع تصاعد المواجهة الدبلوماسية بين أديس أبابا وأسمرة أمام مجلس الأمن الدولي، وسط مخاوف من تحول النزاع الداخلي إلى حرب إقليمية واسعة تهدد استقرار القرن الأفريقي.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس استئناف الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى مقلي للمرة الأولى منذ 23 سبتمبر الماضي، عندما سيطرت قوات مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على مطار المدينة، قبل انسحابها في الثالث من أكتوبر.
وجاء استئناف الرحلات بالتزامن مع وصول غيتاشو رضا، الرئيس السابق لإدارة تيغراي والمستشار الحالي لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إلى مقلي، حيث تعهد بإحداث تغيير ملموس في الإقليم.
لكن رضا لم يقدم تفاصيل واضحة بشأن شكل الإدارة الجديدة أو الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستعقب انسحاب قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
ويأتي هذا التطور بعد أيام من تبادل إثيوبيا وإريتريا رسائل رسمية إلى مجلس الأمن، تضمنت اتهامات متبادلة بالاعتداء العسكري والتهديد باستخدام القوة.
استعادة المدينة لا تعني انتهاء الحرب
تمثل مقلي المركز السياسي والإداري الأهم في إقليم تيغراي، الذي شهد بين عامي 2020 و2022 واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الأفريقي الحديث.
وقد أدى استيلاء تحالف المعارضة على المدينة ومطارها في سبتمبر الماضي إلى تعطيل الرحلات الجوية والخدمات العامة، وإثارة مخاوف من تجدد المواجهات واسعة النطاق.
لكن الانسحاب اللاحق لقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سمح للقوات المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية بالعودة إلى المدينة.
وتشير عودة الطيران المدني إلى محاولة استعادة مظاهر الحياة الطبيعية، لكنها لا تعني بالضرورة استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء الإقليم.
فقد استمرت الاشتباكات في مناطق أخرى، بينما لا تزال بعض الطرق والخدمات المصرفية والمرافق الحكومية تواجه اضطرابات.
كما أن طبيعة الإدارة السياسية المقبلة لمقلي لم تتضح بصورة كاملة.
وهذا يطرح سؤالًا يتعلق بما إذا كانت الحكومة الفيدرالية ستنجح في بناء ترتيبات سياسية تحظى بقبول السكان، أم أن استعادة المدينة ستتحول إلى مرحلة جديدة من الصراع على السلطة.
إثيوبيا تستند إلى حق الدفاع عن النفس
في تطور موازٍ، أبلغت الحكومة الإثيوبية مجلس الأمن الدولي أنها تتخذ إجراءات للدفاع عن نفسها في مواجهة ما وصفته بتوغل قوات إريترية داخل أراضيها.
واستند وزير الخارجية الإثيوبي غديون تيموثيوس، في رسالة مؤرخة يوم الجمعة 9 أكتوبر، إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحق الدول في الدفاع عن النفس.
واتهمت الرسالة إريتريا بإرسال قوات مشاة ووحدات مدرعة إلى شمال إثيوبيا، ودعم جماعات مسلحة تقاتل الحكومة الفيدرالية.
لكن الرسالة لم تحدد بصورة دقيقة المناطق التي تقول إثيوبيا إن القوات الإريترية احتلتها، ولم تقدم أدلة تفصيلية منشورة تسمح بالتحقق المستقل من جميع الاتهامات.
وفي المقابل، رفضت إريتريا المبررات الإثيوبية، واتهمت أديس أبابا بالسعي إلى استخدام الأزمة ذريعة لشن حرب تستهدف السيادة الإريترية.
وطالبت أسمرة مجلس الأمن باتخاذ موقف يمنع ما تعتبره تهديدًا عسكريًا مباشرًا.
وتعكس هذه المواقف انتقال الخلاف من الاتهامات الإعلامية والدبلوماسية إلى محاولة كل طرف تثبيت روايته القانونية أمام المجتمع الدولي.
البحر الأحمر في خلفية الصراع
لا يمكن فصل التوتر الإثيوبي الإريتري عن قضية الوصول إلى البحر الأحمر.
فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد بصورة كبيرة على موانئ الدول المجاورة لتجارتها الخارجية.
وقد أكد رئيس الوزراء آبي أحمد في مناسبات متعددة أهمية حصول بلاده على منفذ بحري مستدام.
وتقول الحكومة الإثيوبية إنها تسعى إلى تحقيق هذا الهدف بالوسائل السلمية.
لكن إريتريا تنظر بقلق إلى الخطاب الإثيوبي بشأن الوصول إلى البحر، وتعتبر بعض التصريحات تهديدًا محتملًا لسيادتها على موانئها.
وتزداد حساسية هذه القضية مع انهيار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعدما طردت إثيوبيا دبلوماسيين إريتريين وأغلقت سفارتها في أسمرة.
وكان البلدان قد شهدا تقاربًا سياسيًا كبيرًا عام 2018، قبل أن تعود الخلافات بينهما بصورة متصاعدة.
ومن شأن استمرار التوتر العسكري في تيغراي أن يزيد صعوبة الفصل بين النزاع الداخلي الإثيوبي والخلاف الحدودي والإقليمي مع إريتريا.
أين يقع السودان من هذه الأزمة؟
يحمل التصعيد الإثيوبي الإريتري أهمية مباشرة للسودان بسبب الترابط الجغرافي والأمني بين دول القرن الأفريقي.
فالسودان يواجه منذ أبريل 2023 حربًا داخلية واسعة، بينما ترتبط مناطقه الشرقية والجنوبية الشرقية بحدود وممرات تجارية وسكانية مع إثيوبيا وإريتريا.
وقد سبق أن اتهمت الحكومة الإثيوبية السودان ومصر وإريتريا بدعم تحالف المعارضة الذي تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث.
ولا توجد أدلة مستقلة منشورة تثبت تلك الاتهامات.
لكن استمرار تداولها يضيف توترًا سياسيًا إلى العلاقات الإقليمية في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التعاون بشأن الأمن واللاجئين والتجارة والمياه.
كما أن اتساع القتال في شمال إثيوبيا قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، أو إلى اضطرابات في حركة التجارة والحدود.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة بالنسبة إلى السودان، الذي يعاني أصلًا من ضغوط إنسانية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة.
اختبار جديد لاتفاق بريتوريا
أنهى اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 الحرب السابقة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
لكن تجدد المواجهات خلال سبتمبر 2026 كشف هشاشة الترتيبات السياسية والأمنية التي أعقبت الاتفاق.
فقد بقيت خلافات تتعلق بإدارة الإقليم ونزع السلاح والسلطة المحلية والعلاقة مع الحكومة الفيدرالية.
كما أن الانقسامات داخل القوى التي كانت تقود تيغراي أدت إلى ظهور تحالفات جديدة، بعضها أصبح يقاتل إلى جانب الحكومة ضد الجبهة الشعبية.
وهذا يجعل المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة بين الجيش الإثيوبي وحركة معارضة واحدة.
فاستعادة المدن والمطارات قد تغير موازين السيطرة العسكرية، لكنها لا تعالج تلقائيًا أسباب النزاع السياسي.
ومن دون ترتيبات تضمن مشاركة السكان وحماية حقوقهم واستعادة الخدمات، قد تبقى فرص تجدد العنف قائمة.
ما الذي تغيّر وما الذي ينبغي متابعته؟
الجديد هو استئناف الرحلات الجوية إلى مقلي وعودة مسؤول سياسي بارز مرتبط بالحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع وصول الخلاف الإثيوبي الإريتري إلى مستوى الاستناد الرسمي إلى حق الدفاع عن النفس أمام مجلس الأمن.
وتكشف هذه التطورات مسارين متوازيين: محاولة تثبيت السيطرة الحكومية داخل تيغراي، وتصاعد المواجهة الدبلوماسية والأمنية مع إريتريا.
وسيكون من الضروري متابعة تشكيل الإدارة الجديدة في مقلي، ومصير اتفاق بريتوريا، وأي تحركات عسكرية قرب الحدود الإريترية.
كما ينبغي مراقبة موقف مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، خصوصًا في ظل المخاوف من امتداد الأزمة إلى دول الجوار.
إن استعادة مقلي واستئناف الرحلات الجوية يمثلان تطورًا مهمًا في مسار الأزمة الإثيوبية، لكنهما لا يكفيان لإعلان عودة الاستقرار إلى تيغراي. فبين الخلافات الداخلية والاتهامات المتبادلة مع إريتريا، يواجه القرن الأفريقي خطر اتساع نزاع جديد في منطقة أنهكتها الحروب والنزوح والأزمات الاقتصادية. وستتحدد أهمية التحولات الأخيرة بقدرتها على فتح مسار سياسي يعيد الخدمات ويحمي المدنيين، بدل الاكتفاء بتغيير موازين السيطرة العسكرية وترك أسباب الصراع دون معالجة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المش
التعليقات
0 تعليقات