محررو لقطة AI – 19
20 أكتوبر 2026
كشف تقرير حقوقي جديد عن أوضاع مقلقة يواجهها آلاف السودانيين الذين لجأوا إلى ليبيا هربًا من الحرب، بعدما أعلن مرصد «مشاد» توثيق معلومات تتعلق بـ4638 لاجئًا سودانيًا يواجهون مخاطر الاحتجاز والانتهاكات، في أكثر من أحد عشر موقعًا شملتها عمليات الرصد منذ يناير 2026.
وبحسب التقرير الذي نقل تفاصيله راديو دبنقا في 18 أكتوبر 2026، فإن المعلومات التي جمعها المرصد تتضمن شهادات بشأن التعذيب وسوء المعاملة والابتزاز المالي وظروف الاحتجاز القاسية، إلى جانب مطالبات بدفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عن بعض المحتجزين.
ودعا المرصد السلطات الليبية إلى الكشف عن أماكن الاحتجاز، وتمكين الجهات الإنسانية والحقوقية المستقلة من الوصول إلى الأشخاص المعرضين للخطر، والتحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها.
وتحتاج الأرقام إلى تفسير دقيق: فالعدد المعلن، البالغ 4638 شخصًا، يمثل الحالات التي شملها رصد المرصد للمخاطر والانتهاكات، ولا يثبت بالضرورة أن جميع هؤلاء الأشخاص محتجزون حاليًا. كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من كل حالة أو من العدد الإجمالي للأشخاص الموجودين داخل مراكز الاحتجاز.
ومع ذلك، فإن التقرير يضيف معلومات جديدة إلى ملف معروف بخطورته، سبق أن وثقت فيه منظمات دولية اعتقالات جماعية وإجراءات طرد وانتهاكات بحق اللاجئين والمهاجرين في ليبيا.
من طلب الحماية إلى الخوف من الاعتقال
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، أصبحت ليبيا إحدى الوجهات التي يقصدها السودانيون بحثًا عن الأمان أو العمل أو فرصة للوصول إلى بلد ثالث.
لكن الرحلة لا تنتهي بالضرورة عند عبور الحدود.
فكثير من الوافدين يواجهون صعوبات في الحصول على الوثائق القانونية، أو تسجيل طلبات الحماية، أو العثور على سكن وعمل مستقرين.
وتزيد هذه الظروف تعرضهم للاستغلال، خصوصًا عندما يصبح التنقل داخل البلاد مرتبطًا بالمرور عبر نقاط تفتيش أو التعامل مع جهات أمنية متعددة.
ويكتسب التقرير الجديد أهمية لأنه يسلط الضوء على المخاطر التي قد تستمر بعد الوصول إلى بلد اللجوء.
فالشخص الذي غادر السودان هربًا من القصف أو انعدام الأمن قد يجد نفسه أمام تهديد مختلف، يتمثل في الاحتجاز أو الابتزاز أو صعوبة الوصول إلى الحماية القانونية.
ولا يعني ذلك أن جميع اللاجئين السودانيين في ليبيا يواجهون الظروف نفسها، لكن تعدد الحالات المبلغ عنها يستدعي تحقيقًا جادًا.
ماذا كشف الرصد الحقوقي؟
أوضح مرصد «مشاد» أن عملياته الاستقصائية بدأت في يناير 2026، واعتمدت على معلومات من ناجين وأسر محتجزين وجهات ميدانية.
وشمل الرصد أكثر من أحد عشر موقعًا للاحتجاز.
وبحسب المرصد، تضمنت الإفادات مزاعم تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة والابتزاز المالي، فضلًا عن ظروف احتجاز تهدد الصحة والسلامة.
وتحدث التقرير عن مطالبة بعض المحتجزين بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.
وتمثل هذه المزاعم، إذا ثبتت، انتهاكات خطيرة تستدعي تحديد الجهات المسؤولة عنها ومحاسبة المتورطين.
لكن التقرير المنشور لم يقدم قائمة تفصيلية علنية بجميع المواقع أو نتائج تحقيق قضائي مستقل في كل حالة.
ولهذا ينبغي التعامل مع المعلومات بوصفها نتائج رصد حقوقي تستوجب التحقيق، وليس أحكامًا قضائية نهائية.
ويظل من الضروري حماية هوية الشهود والأسر، خصوصًا إذا كانت هناك مخاوف من تعرضهم للانتقام بسبب الإدلاء بمعلومات عن الانتهاكات.
الأمم المتحدة وثقت اعتقالات واسعة
لا تأتي معلومات المرصد بمعزل عن تقارير دولية سابقة.
فقد وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تحديثها التشغيلي لشهر فبراير 2026 عملية أمنية نُفذت في منطقة الحراري بمدينة سبها، وأسفرت عن اعتقال نحو 1350 لاجئًا سودانيًا.
وأفادت المفوضية بأن بعض المعتقلين نُقلوا إلى مراكز احتجاز في سبها والشاطئ وقنفودة ببنغازي، بينما أُفرج عن مجموعات أخرى لاحقًا.
كما أشارت إلى صعوبات يواجهها السودانيون في الحصول على الوثائق، وارتفاع تكاليف بعض الإجراءات المطلوبة للتنقل أو الإقامة.
وتعزز هذه الوقائع المستقلة أهمية التحقق من المعلومات التي أعلنها مرصد «مشاد».
فهي تثبت أن الاعتقالات الجماعية للاجئين السودانيين ليست مجرد احتمال نظري، وإنما وقائع سبق توثيقها خلال العام الجاري.
لكن لا يجوز جمع عدد المعتقلين في فبراير مع عدد الحالات الوارد في تقرير أكتوبر، لأن نطاق الرصد والفترات الزمنية قد تتداخل.
حملة أوسع ضد اللاجئين والمهاجرين
كانت منظمة العفو الدولية قد حذرت في يونيو 2026 من تصاعد حملات الاعتقال والطرد والخطاب المعادي للأجانب في مناطق مختلفة من ليبيا.
وقالت المنظمة إن سلطات متنافسة نفذت عمليات استهدفت آلاف اللاجئين والمهاجرين، وسط مخاوف من الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية دون إتاحة فرص كافية لتقديم طلبات الحماية.
كما وثقت إجراءات طرد شملت سودانيين، وانتقدت التعاون الدولي في ملف الهجرة عندما لا يقترن بضمانات فعلية لحقوق الإنسان.
وتوفر هذه المعطيات سياقًا مهمًا للتقرير الجديد، لأنها تشير إلى أن المخاطر لا ترتبط بمركز احتجاز واحد أو حادثة منفصلة، بل بمشكلات أوسع في إدارة الهجرة والحماية.
كم عدد السودانيين المسجلين في ليبيا؟
وفق أحدث البيانات المنشورة على بوابة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد السودانيين المسجلين لديها في ليبيا 93,581 شخصًا حتى الأول من أكتوبر 2026.
ويمثل السودانيون نحو 85.8% من إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية في البلاد.
لكن هذه الأرقام لا تشمل بالضرورة جميع السودانيين الموجودين في ليبيا، لأن بعض الوافدين لم يسجلوا أنفسهم لدى المفوضية أو لم يتمكنوا من الوصول إلى خدماتها.
كما لا ينبغي تفسير عدد المسجلين على أنه عدد المحتجزين أو الأشخاص المعرضين لانتهاكات.
وتوضح البيانات حجم الاعتماد المتزايد على ليبيا بوصفها إحدى وجهات النزوح السوداني، والحاجة إلى توسيع خدمات الحماية والتسجيل والمساعدة القانونية.
لماذا يصعب الوصول إلى الحماية؟
تواجه منظومة حماية اللاجئين في ليبيا تحديات مرتبطة بالانقسام السياسي وتعدد الجهات الأمنية، فضلًا عن القيود التي تؤثر في حركة المنظمات الإنسانية.
وقد يجد اللاجئ نفسه عاجزًا عن إثبات وضعه القانوني أو التواصل مع أسرته أو الحصول على محامٍ عند احتجازه.
وتصبح هذه الصعوبات أكثر خطورة بالنسبة إلى الأطفال والنساء والمرضى والأشخاص الذين تعرضوا للعنف أثناء النزوح.
كما أن وجود أفراد من الأسرة في مدن مختلفة قد يجعل تتبع حالات الاختفاء أو الاحتجاز مهمة شديدة التعقيد.
ولهذا فإن الاستجابة الإنسانية لا ينبغي أن تقتصر على تقديم الغذاء والمأوى، بل يجب أن تشمل المساعدة القانونية، والتسجيل، ولمّ شمل الأسر، والحماية من الإعادة القسرية إلى مناطق الخطر.
ماذا يطلب التقرير الجديد؟
دعا مرصد «مشاد» السلطات الليبية إلى الكشف عن أماكن احتجاز السودانيين، وضمان سلامتهم، والسماح للجهات المستقلة بزيارة مراكز الاحتجاز.
كما طالب بالتحقيق في مزاعم التعذيب والابتزاز وسوء المعاملة، والإفراج عن المحتجزين بصورة غير قانونية، وتوفير الرعاية الطبية والمساعدة القانونية.
ووجه المرصد نداءً إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي.
وتتمثل أهمية هذه المطالب في أنها تتجاوز الدعوة العامة إلى التضامن، وتطرح إجراءات قابلة للمتابعة والتحقق.
فيمكن معرفة ما إذا كانت السلطات سمحت بزيارات مستقلة، وما إذا جرى الكشف عن أسماء المحتجزين وأماكن وجودهم، وما إذا فتحت تحقيقات بشأن المزاعم المحددة.
أين مسؤولية السلطات السودانية؟
يفتح التقرير أيضًا ملف مسؤولية المؤسسات السودانية المعنية برعاية المواطنين في الخارج.
فالحرب لا تلغي الحاجة إلى متابعة أوضاع السودانيين الذين لجأوا إلى الدول المجاورة، خصوصًا من فقدوا الوثائق أو تعرضوا للاحتجاز.
وتحتاج هذه المتابعة إلى تنسيق قنصلي وإنساني يتيح للأسر الاستفسار عن أقاربها، ويساعد على التحقق من حالات الاحتجاز والاختفاء.
لكن أي ترتيبات للعودة إلى السودان ينبغي أن تكون طوعية وآمنة، وألا تتحول إلى وسيلة لإعادة أشخاص إلى مناطق لا تزال تشهد قتالًا أو انتهاكات.
كما يجب الفصل بين تقديم المساعدة القنصلية وبين الإجراءات الخاصة بتحديد صفة اللاجئ واحتياجاته للحماية الدولية.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
الجديد في 18 أكتوبر هو إعلان مرصد «مشاد» نتائج رصد شمل 4638 سودانيًا وأكثر من أحد عشر موقعًا للاحتجاز منذ يناير 2026.
وتضيف هذه المعلومات نطاقًا عدديًا وميدانيًا إلى تقارير سابقة عن الانتهاكات، لكنها لا تمثل حصيلة أممية معتمدة أو إثباتًا مستقلًا لجميع الحالات.
وسيكون الاختبار المقبل في معرفة موقف السلطات الليبية من التقرير، وما إذا كانت الجهات الأممية ستتمكن من الوصول إلى المواقع المعنية والتحقق من أوضاع الأشخاص المذكورين.
كما ينبغي متابعة أي نتائج تتعلق بالإفراج عن محتجزين أو فتح تحقيقات مستقلة أو تحسين إجراءات الحماية القانونية.
إن مأساة النزوح السوداني لا تنتهي عند الحدود.
فالحرب دفعت ملايين الأشخاص إلى البحث عن الأمان خارج بلادهم، لكن الحماية التي يفترض أن يجدوها قد تظل بعيدة المنال عندما تغيب الوثائق والضمانات القانونية وآليات الرقابة المستقلة.
ولهذا فإن قيمة التقرير الجديد لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في الأسئلة التي يطرحها بشأن مصير أشخاص قد تكون أسرهم عاجزة عن معرفة أماكن وجودهم أو الاطمئنان إلى سلامتهم.
والاختبار الحقيقي للاستجابة الدولية لن يكون في إصدار بيانات القلق، بل في الوصول إلى المحتجزين، والتحقق من الانتهاكات، وضمان ألا يتحول الهروب من الحرب إلى رحلة جديدة من الاعتقال والخوف والاستغلال.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات