محررو لقطة AI
23 أكتوبر 2026
دخل الموقف المصري من الحرب المتصاعدة بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن مرحلة أكثر حساسية، بعدما دعت القاهرة إلى استنفاد فرص التسوية السياسية، بالتزامن مع استعداد مجلس النواب للتصويت على تفويض قد يسمح للقوات المسلحة المصرية بتقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة العربية السعودية.
ويعكس هذا التطور محاولة مصر الموازنة بين التزاماتها الأمنية تجاه حليف إقليمي رئيسي، ومخاوفها من الانخراط المباشر في حرب قد تتسع تداعياتها إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس.
ونقلت وكالة رويترز، في تقرير نشر الخميس 22 أكتوبر 2026 عند الساعة السادسة وخمس دقائق مساءً بتوقيت غرينتش، عن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي تأكيده ضرورة استكشاف جميع الفرص المتاحة للتوصل إلى حلول سياسية للأزمة اليمنية.
وجاءت تصريحات الوزير قبل التصويت البرلماني المنتظر يوم الاثنين 26 أكتوبر، بشأن طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي السماح بتقديم دعم عسكري للسعودية.
وكان مجلس النواب قد عقد جلسة مغلقة الأحد الماضي، قبل تأجيل اتخاذ القرار لإتاحة مزيد من المشاورات.
وأكدت الرئاسة المصرية أن أي مشاركة عسكرية محتملة ستقتصر على الدفاع عن الأراضي والحدود السعودية، ولن تشمل شن هجمات داخل اليمن.
ولم يتضح حتى الآن الشكل العملي للدعم العسكري المقترح، أو طبيعة الوحدات التي يمكن أن تشارك فيه، أو مدة المهمة المحتملة.
بين التضامن والحرب
لا يمثل الموقف المصري مجرد إعلان سياسي لدعم السعودية.
فالحصول على تفويض برلماني يفتح الباب أمام ترتيبات عسكرية قد تنقل العلاقات الأمنية بين البلدين إلى مستوى جديد، في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أخطر موجات التصعيد منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي.
وقد كثفت جماعة الحوثيين هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف سعودية، بينها مطارات ومنشآت نفطية.
وتزامنت هذه الهجمات مع عمليات عسكرية متجددة داخل اليمن، بعد انهيار التهدئة التي ساعدت على خفض مستوى القتال منذ عام 2022.
وتضع هذه التطورات القاهرة أمام حسابات معقدة.
فالسعودية تمثل شريكًا اقتصاديًا واستراتيجيًا رئيسيًا لمصر، وقدمت خلال السنوات الماضية دعمًا ماليًا واستثمارات ومساعدات أسهمت في دعم الاقتصاد المصري.
لكن المشاركة العسكرية المباشرة قد تضع القوات المصرية أمام مخاطر عملياتية وسياسية يصعب التنبؤ بحدودها.
ولهذا يبدو التمييز المصري بين الدفاع عن الأراضي السعودية وتنفيذ عمليات هجومية داخل اليمن محاولة لتحديد سقف التدخل قبل اتخاذ القرار.
باب المندب في قلب الحسابات المصرية
تكتسب الأزمة اليمنية أهمية استثنائية لمصر بسبب موقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى قناة السويس، التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي بالنسبة إلى الاقتصاد المصري.
وقد أدى تصاعد الهجمات على السفن والاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية إلى تغيير مسارات عدد من شركات الملاحة الدولية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين.
ومع تقدم الحوثيين نحو مناطق استراتيجية قريبة من باب المندب خلال سبتمبر الماضي، ازدادت المخاوف من تعرض حركة التجارة الدولية لاضطرابات إضافية.
ومن هنا فإن الموقف المصري لا يرتبط فقط بحماية السعودية، وإنما بحماية مصالح اقتصادية وأمنية مصرية مباشرة.
لكن تأمين الملاحة البحرية يختلف عن الدخول في حرب برية أو جوية مفتوحة.
فقد تستطيع القاهرة المشاركة في ترتيبات دفاعية أو بحرية محدودة، دون أن يعني ذلك تبني جميع أهداف العمليات العسكرية التي تنفذها أطراف أخرى.
وسيتوقف تقييم هذا الاحتمال على تفاصيل التفويض البرلماني وطبيعة الالتزامات التي ستقبلها الحكومة المصرية.
رسالة مزدوجة من القاهرة
تحمل تصريحات وزير الخارجية المصري رسالتين متوازيتين.
الأولى موجهة إلى السعودية، وتؤكد أن القاهرة تعتبر أمن المملكة جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي التي ترتبط بها مصالحها الاستراتيجية.
أما الثانية فموجهة إلى الأطراف اليمنية والإقليمية، وتؤكد أن مصر لا تزال ترى الحل السياسي المسار المفضل لإنهاء النزاع.
وقد شدد عبد العاطي على أهمية انسحاب الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها خلال تقدمهم الأخير قرب باب المندب، باعتبار ذلك أحد الشروط الضرورية لتهيئة الظروف أمام التسوية.
لكن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات كبيرة، خصوصًا مع استمرار المواجهات وتبادل الاتهامات بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
كما أن اتساع الحرب الإقليمية يزيد صعوبة فصل الملف اليمني عن الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ولهذا فإن أي تحرك مصري يحتاج إلى تقدير دقيق لاحتمالات التصعيد وردود فعل الأطراف الأخرى.
تحذير حوثي من المشاركة المصرية
لم تمر التحركات المصرية دون رد من جانب الحوثيين.
فقد حذر يحيى علي الراعي، رئيس مجلس النواب الخاضع لسيطرة الجماعة في صنعاء، من انخراط مصر في العمليات العسكرية، معتبرًا أن ذلك قد يهدد أمنها واستقرارها الداخلي.
وتعكس هذه التصريحات إدراك الجماعة أن دخول قوة عسكرية بحجم الجيش المصري قد يغير حسابات المواجهة.
لكن التهديدات السياسية لا تعني بالضرورة امتلاك الحوثيين القدرة على تنفيذ عمليات ضد مصر، كما لا تثبت أن القاهرة اتخذت بالفعل قرار المشاركة.
وتظل هذه الاحتمالات مرتبطة بما سيقرره البرلمان المصري، ثم بالتفاهمات العسكرية والسياسية التي قد تعقب ذلك.
ماذا عن السودان؟
يحمل التصعيد حول باب المندب والبحر الأحمر تداعيات محتملة على السودان، الذي يمتلك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر ويعتمد على الموانئ البحرية في جانب كبير من تجارته الخارجية.
فأي اضطراب إضافي في الملاحة قد يرفع تكاليف نقل السلع والوقود والمواد الخام.
وتزداد خطورة ذلك في ظل الانهيار الحاد لقيمة الجنيه السوداني وارتفاع أسعار الواردات.
كما أن اتساع المواجهة العسكرية في البحر الأحمر قد يزيد تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بالسودان، الذي يواجه أصلًا حربًا داخلية مستمرة منذ أبريل 2023.
لكن لا توجد في التطورات المصرية الأخيرة معلومات تشير إلى مشاركة السودان في الترتيبات العسكرية المطروحة، أو إلى تغيير مباشر في وضع موانئه.
ولهذا ينبغي التعامل مع الآثار السودانية بوصفها مخاطر محتملة مرتبطة بالملاحة والتجارة، وليس نتائج مؤكدة لقرار لم يصدر بعد.
اختبار 26 أكتوبر
سيكون التصويت البرلماني المصري المقبل المحطة الأهم في تحديد اتجاه الأزمة.
فإذا وافق البرلمان على التفويض، ستنتقل الأسئلة من مستوى الموقف السياسي إلى طبيعة المشاركة العسكرية وحدودها.
أما إذا استمرت المشاورات أو جرى تأجيل القرار مجددًا، فقد يشير ذلك إلى استمرار التردد بشأن كلفة التدخل.
وسيكون من المهم متابعة ما إذا كانت القاهرة ستطرح مبادرة دبلوماسية موازية، بالتنسيق مع السعودية والدول المعنية بالأزمة اليمنية.
كما ينبغي مراقبة موقف الحوثيين من الدعوات المصرية، وأي تغيرات في العمليات العسكرية قرب باب المندب.
إن الموقف المصري الجديد يكشف عن معادلة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية.
فالقاهرة لا تستطيع تجاهل الهجمات التي تتعرض لها السعودية أو التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر، لكنها تدرك أيضًا أن الانخراط في حرب جديدة قد يحمل تكاليف يصعب احتواؤها.
وبين الدعوة إلى التسوية السياسية والاستعداد لتقديم دعم عسكري دفاعي، سيكون الاختبار الحقيقي هو قدرة مصر على حماية مصالحها وحلفائها دون التحول إلى طرف في مواجهة إقليمية مفتوحة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات