محررو لقطة AI – 13
28 أكتوبر 2026
عاد خطر المجاعة في السودان إلى صدارة الاهتمام الدولي، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، بعدما أبرزت وكالة رويترز تحذيرًا مشتركًا صادرًا عن ثلاثين دولة والمفوضية الأوروبية، يدعو إلى تحرك عاجل لمنع تفاقم الكارثة الغذائية، وفتح جميع طرق إيصال المساعدات الإنسانية، بما فيها الممرات الجوية إلى دارفور، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين نقصًا حادًا في الغذاء وتراجعًا في فرص الحصول على المساعدات.
ويستند التحذير إلى بيان دولي صدر في 23 أكتوبر الجاري، شاركت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا ودول أوروبية أخرى، إضافة إلى المفوضية الأوروبية.
وحذرت الدول المشاركة من التدهور المتسارع للأمن الغذائي في السودان، مؤكدة أن الأشهر المقبلة قد تشهد اتساع نطاق المجاعة إذا لم تُتخذ إجراءات فورية لزيادة المساعدات وإزالة القيود التي تعرقل وصولها.
وتشير البيانات الواردة في البيان إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني، يمثلون قرابة 41% من السكان، يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو خمسة ملايين شخص يواجهون ظروفًا غذائية طارئة.
كما حذرت الدول من احتمال تجاوز عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم التقديرات السابقة البالغة 825 ألف طفل، إذا استمرت الظروف الحالية دون تدخل فعال.
ولم يقتصر البيان على المطالبة بزيادة التمويل، بل تضمن إجراءات محددة تتعلق بالسماح بمرور المساعدات عبر خطوط القتال والحدود الدولية، وتسهيل عمليات الإجلاء الطبي، وحماية العاملين الإنسانيين والمنشآت المدنية.
ونشرت رويترز تقريرها الجديد عند الساعة 1:30 صباحًا بتوقيت غرينتش، بينما يوضح النص الرسمي المنشور لدى وزارة الخارجية الكندية أن البيان المشترك صدر يوم الجمعة 23 أكتوبر.
دارفور في قلب المطالب الدولية
تكتسب الدعوة إلى فتح ممرات جوية نحو دارفور أهمية خاصة، بالنظر إلى الصعوبات التي تواجهها عمليات الإغاثة البرية في مناطق الحرب.
فقد أدت المعارك المستمرة منذ أبريل 2023 إلى تدمير طرق وجسور ومرافق خدمية، بينما فرضت التحولات العسكرية والقيود الأمنية والإدارية تحديات متكررة أمام حركة القوافل الإنسانية.
وتواجه مناطق واسعة في دارفور وكردفان أوضاعًا غذائية شديدة الخطورة، خصوصًا المجتمعات التي تعرضت للحصار والنزوح المتكرر وفقدان مصادر الإنتاج.
ولا تعني المطالبة بفتح الممرات الجوية وجود اتفاق فعلي على تشغيلها، إذ يحتاج ذلك إلى ترتيبات تتعلق بسلامة الطائرات، وتحديد المطارات أو مناطق الهبوط، والحصول على ضمانات أمنية من الأطراف المسيطرة على الأرض.
كما تحتاج العمليات الجوية إلى تنسيق يسمح بتفريغ الشحنات وتوزيعها على المستفيدين دون اعتراض أو استيلاء أو تعطيل.
لكن أهمية هذا الخيار تكمن في إمكانية استخدامه لتجاوز بعض العقبات البرية، خصوصًا عندما تصبح الطرق غير آمنة أو غير صالحة لحركة الشاحنات.
ويمكن للممرات الجوية كذلك أن تساعد في نقل الأدوية والمستلزمات الطبية وإجلاء المرضى والعاملين الإنسانيين عند الضرورة.
غير أن النقل الجوي لا يمثل بديلًا كاملًا عن الإغاثة البرية، بسبب ارتفاع تكلفته ومحدودية الكميات التي يمكن نقلها مقارنة بالقوافل الكبيرة.
ولهذا فإن الاستجابة الفعالة تحتاج إلى الجمع بين الطرق البرية والجوية، مع توفير ضمانات تمنع تعطيل وصول المساعدات.
الجوع لم يعد نتيجة جانبية للحرب
يؤكد البيان الدولي أن النزاع المسلح يمثل المحرك الأساسي لأزمة الغذاء في السودان.
فالحرب لم تؤدِ فقط إلى نزوح ملايين المواطنين، وإنما عطلت الإنتاج الزراعي والتجارة والأسواق وشبكات النقل والخدمات الصحية.
كما فقدت أسر كثيرة قدرتها على شراء الغذاء، حتى في المناطق التي لا تزال السلع متوفرة فيها.
وتفاقمت الأزمة مع الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه السوداني وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل، ما جعل الحصول على الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة.
لكن التطور الأكثر إثارة للقلق يتمثل في تزامن آثار الحرب مع الجفاف.
فقد شهد السودان خلال موسم الأمطار الأخير انخفاضًا حادًا في الهطول المطري، مرتبطًا بظاهرة النينيو المناخية، ما أثر في المحاصيل والمراعي والموارد المائية.
وأظهرت بيانات تناولتها رويترز في 23 أكتوبر أن الأمطار خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر كانت الأدنى منذ أكثر من ثلاثة عقود على مستوى البلاد.
ويعني ذلك أن المجتمعات التي كانت تعتمد على الزراعة والرعي تواجه خسائر إضافية، في وقت تراجعت فيه قدرتها على تعويض النقص بشراء الغذاء من الأسواق.
كما أن ضعف الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الواردات، بما يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد السوداني المنهك.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى احتمال دخول مئات الآلاف من الأشخاص الإضافيين في مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة، إذا استمرت الظروف الحالية.
المساعدات بين القيود الأمنية والعجز المالي
تواجه المنظمات الإنسانية مشكلتين متداخلتين.
الأولى تتعلق بصعوبة الوصول إلى المحتاجين، نتيجة استمرار القتال والقيود المفروضة على حركة القوافل والعاملين.
أما الثانية فتتمثل في نقص التمويل، الذي دفع بعض المؤسسات إلى تقليص الحصص الغذائية والخدمات المقدمة للنازحين واللاجئين.
وقد طالب البيان الدولي أطراف الحرب بتسهيل إصدار التأشيرات وتصاريح السفر والتخليص الجمركي، وإلغاء المتطلبات الإدارية والرسوم الإضافية التي تؤخر وصول المساعدات.
كما دعا إلى حماية المنشآت المدنية، بما فيها البنية التحتية الزراعية والغذائية، من الهجمات العسكرية.
وتأتي هذه المطالب بعد تصاعد استخدام المسيّرات في الحرب السودانية، واستهداف منشآت خدمية ومناطق مدنية خلال الأسابيع الماضية.
وتؤدي الهجمات على الكهرباء والطرق ومرافق المياه إلى مضاعفة الأزمة الإنسانية، حتى عندما لا تستهدف مخازن الغذاء بصورة مباشرة.
فالمستشفيات تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل الأجهزة وحفظ الأدوية، كما تعتمد الأسواق والمخابز وشبكات المياه على الطاقة والنقل.
ولهذا فإن حماية البنية التحتية المدنية أصبحت جزءًا أساسيًا من حماية الأمن الغذائي والصحي للسكان.
هل يتحول التحذير إلى إجراءات ملزمة؟
رغم أهمية مشاركة ثلاثين دولة والمفوضية الأوروبية في البيان، فإن صدوره لا يعني وجود اتفاق دولي جديد لوقف إطلاق النار أو فتح الممرات الإنسانية.
كما لم يتضمن الإعلان إنشاء قوة دولية لحماية القوافل، أو تحديد جدول زمني ملزم لتنفيذ المطالب.
وهنا تظهر الفجوة بين المواقف الدبلوماسية والنتائج الميدانية.
فالسودان شهد خلال السنوات الماضية بيانات دولية متعددة تطالب بحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات، لكن استمرار الحرب حال دون تنفيذ كثير من هذه المطالب بصورة كاملة.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للتحرك الحالي سيكون في قدرة الدول الموقعة على تحويل التزاماتها السياسية إلى خطوات عملية.
ويشمل ذلك زيادة التمويل الإنساني، والضغط من أجل ضمان حرية حركة القوافل، وتطوير آليات مراقبة وصول المساعدات إلى المستفيدين.
كما ينبغي أن تترافق الجهود مع دعم الإنتاج الزراعي المحلي، حتى لا تصبح المجتمعات السودانية معتمدة بصورة دائمة على المساعدات الخارجية.
من يتحمل مسؤولية منع المجاعة؟
حمّل البيان أطراف النزاع المسؤولية الأساسية عن تخفيف معاناة المواطنين.
وتشمل هذه المسؤولية السماح بوصول الغذاء والدواء، وحماية العاملين الإنسانيين، والامتناع عن استهداف المنشآت المدنية.
ولا يمكن الفصل بين هذه الالتزامات وبين قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.
كما أن استخدام الحصار أو تعطيل المساعدات بصورة تؤدي إلى حرمان السكان من المواد الضرورية لبقائهم قد يثير مسؤوليات قانونية خطيرة.
لكن تحديد المسؤولية عن وقائع بعينها يحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة موثوقة.
وتظل حماية المدنيين واجبًا لا يجوز ربطه بالانتماء السياسي أو بالمنطقة التي يعيشون فيها أو بالجهة العسكرية المسيطرة عليها.
ما الذي ينبغي متابعته؟
سيكون التطور الأكثر أهمية خلال الأيام المقبلة هو معرفة ما إذا كانت الأطراف السودانية ستوافق على ترتيبات عملية لفتح الممرات الجوية إلى دارفور، وما إذا كانت المنظمات الإنسانية ستتمكن من زيادة حجم المساعدات الواصلة إلى المناطق الأشد تضررًا.
كما ينبغي متابعة أي تعهدات مالية جديدة من الدول الموقعة على البيان، ومدى انعكاسها على الحصص الغذائية التي يحصل عليها النازحون.
وتبرز أهمية مراقبة الموسم الزراعي الشتوي، الذي دعا البيان إلى دعمه باعتباره وسيلة للحد من تدهور الأمن الغذائي.
إن السودان لا يواجه نقصًا عابرًا في المواد الغذائية، وإنما أزمة مركبة تجمع بين الحرب وانهيار الاقتصاد وتراجع الإنتاج والجفاف وتعطيل المساعدات.
ولهذا فإن التحذير الدولي، رغم أهميته، لن يكون كافيًا إذا لم يتحول إلى إجراءات ملموسة تصل نتائجها إلى المواطنين.
فالمجاعة لا تنتظر انتهاء الاجتماعات الدبلوماسية، ولا تتوقف عند صدور البيانات.
وكل يوم تتأخر فيه المساعدات قد يعني فقدان مزيد من الأسر قدرتها على البقاء، وارتفاع عدد الأطفال الذين يواجهون خطر سوء التغذية والموت.
إن القيمة الحقيقية للتحرك الدولي ستُقاس بعدد الطرق التي تُفتح، والقوافل التي تصل، والأطفال الذين يحصلون على الغذاء والعلاج، وليس بعدد الدول التي توقع على البيانات.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المش
التعليقات
0 تعليقات