محررو لقطة AI – 1
2 نوفمبر 2026
وجّه مجلس الوزراء السوداني برفع مستوى الاستنفار، متوعداً بملاحقة الأشخاص الذين يتعاونون مع قوات الدعم السريع، في خطوة تعكس استمرار تشدد السلطات في التعامل مع الحرب وتداعياتها الأمنية والسياسية، وسط تعقيدات المشهد العسكري واتساع دائرة التأثيرات التي طالت مؤسسات الدولة والمجتمع السوداني.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متشابكة تتجاوز المواجهات العسكرية المباشرة، لتشمل تراجع الخدمات الأساسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، واتساع حركة النزوح، فضلاً عن تصاعد المخاوف من انتقال الصراع إلى مستويات أوسع من الاستقطاب الاجتماعي والسياسي.
ويطرح قرار رفع الاستنفار تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها، والحدود الفاصلة بين حماية الأمن الوطني وملاحقة المتورطين فعلياً في دعم العمليات العسكرية، وبين ضمان عدم تحويل حالة الطوارئ إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو استهداف المدنيين بسبب مواقفهم السياسية أو الاجتماعية.
وجاء القرار عقب اجتماع مجلس الوزراء الدوري برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي ناقش التطورات الأمنية والعسكرية الأخيرة، وفي مقدمتها الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على منشآت الطاقة والكهرباء والمرافق الخدمية في عدد من الولايات السودانية.
استهداف البنية التحتية يرفع مستوى القلق
وبحسب التصريحات التي أدلى بها وكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، جرهام عبد القادر، فإن المجلس أدان الاعتداءات المتكررة على المنشآت المدنية، واعتبر استهداف المرافق الخدمية جريمة ضد الإنسانية، مشيراً إلى أن الهجمات تمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين واستقرار الخدمات الأساسية.
وتأتي هذه المواقف في أعقاب سلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت منشآت الكهرباء والطاقة خلال أسبوع متواصل، وأفادت تقارير صحفية بتدمير نحو 14 محطة كهرباء في ولايات القضارف وسنار والجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم وجنوب كردفان والشمالية ونهر النيل.
وأدى تضرر هذه المنشآت إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي، انعكست آثارها على المستشفيات ومحطات المياه والمخابز، ما يضيف أعباء جديدة إلى الأوضاع الإنسانية والمعيشية التي يعاني منها السودانيون منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
واتهمت السلطات السودانية إثيوبيا بالتورط في تسهيل انطلاق الطائرات المسيّرة التي استهدفت المنشآت السودانية من داخل أراضيها، وهي اتهامات تضع العلاقات بين البلدين أمام تحديات إضافية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. ولم تتضمن التصريحات الحكومية المنشورة تفاصيل مستقلة كافية للتحقق من هذه الاتهامات.
ملاحقة المتعاونين وحدود الإجراءات الأمنية
ويحمل توجيه مجلس الوزراء بإنزال أقصى العقوبات على من يثبت تورطه في تزويد قوات الدعم السريع بإحداثيات المواقع الاستراتيجية والمدنية دلالات تتجاوز الإجراءات الأمنية التقليدية، إذ يشير إلى أن الحكومة تنظر إلى المعلومات الاستخباراتية والتعاون الداخلي باعتبارهما جزءاً أساسياً من معادلة الهجمات الجوية التي تتعرض لها المنشآت الحيوية.
غير أن تنفيذ هذا التوجه يطرح تحدياً قانونياً مهماً يتعلق بضرورة التمييز بين المتورطين فعلياً في تقديم معلومات عسكرية أو تسهيل استهداف المنشآت، وبين المدنيين الذين قد يجدون أنفسهم تحت الاشتباه بسبب مواقفهم السياسية أو انتماءاتهم الاجتماعية أو وجودهم في مناطق خاضعة لسيطرة أحد طرفي الحرب.
وتتطلب حماية الأمن الوطني إجراءات تستند إلى أدلة واضحة وتحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة، بما يمنع استخدام الاستنفار ذريعة للانتقام أو توسيع دائرة الاعتقالات خارج إطار القانون. فالمحاسبة القانونية للمتورطين في استهداف المدنيين والمنشآت العامة تظل ضرورة، لكن حماية المواطنين وحقوقهم يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي سياسة أمنية.
الكهرباء والوقود في صدارة الأولويات
وفي الجانب الاقتصادي والخدمي، استعرض مجلس الوزراء تقريراً بشأن موقف إمدادات المشتقات البترولية، حيث أشار وزير الطاقة المعتصم إبراهيم إلى وجود تسع بواخر، إلى جانب استيراد المؤسسة السودانية للنفط ثلاث بواخر إضافية تحمل مجتمعة نحو 120 ألف طن من المشتقات البترولية.
كما استمع المجلس إلى تقرير وزارة الصناعة والتجارة بشأن جهود توفير السلع الأساسية، واطمأن على سير الموسم الزراعي الصيفي والمخزون الاستراتيجي للمواد الغذائية، موجهاً باتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار الإمدادات وتعزيز الأمن الغذائي.
وأشاد المجلس بجهود المهندسين والفنيين والعاملين في قطاع الكهرباء الذين يواصلون أعمال الصيانة وإعادة تأهيل المحطات المتضررة، ووجه بتعزيز حماية المنشآت والعاملين فيها على المستويين الاتحادي والولائي.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة لأن استمرار تعطل الكهرباء لا يقتصر أثره على المنازل والأنشطة التجارية، بل يمتد إلى الخدمات الصحية وإمدادات المياه وسلاسل إنتاج وتوزيع الغذاء، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيل محطات الطاقة وتأمينها أولوية وطنية ملحة.
الاستنفار وحده لا يكفي
وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية، وجه مجلس الوزراء بتنظيم حملات إعلامية داخل السودان وخارجه، بمشاركة المؤسسات الحكومية والوزارات والأفراد، بهدف تسليط الضوء على الهجمات التي تتعرض لها المنشآت المدنية وتجريم استهدافها.
كما استعرض المجلس جهود إعادة تأهيل الجسور في ولاية الخرطوم، خاصة جسور شمبات والحلفايا والدباسين، وشدد على متابعة تنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع الدول الشقيقة والصديقة.
وفي خطوة أخرى، أجاز المجلس مشروعات قوانين قدمتها وزارة التحول الرقمي والاتصالات، شملت تنظيم الأمن السيبراني لسنة 2026، وتنظيم البيانات والذكاء الاصطناعي، وتنظيم التحول الرقمي، في إشارة إلى اتساع أجندة الحكومة لتشمل حماية البنية التحتية الرقمية وتنظيم استخدام التكنولوجيا.
لكن التحدي الأكبر أمام الحكومة سيظل في قدرتها على تحويل قرارات الاستنفار إلى منظومة فعالة لحماية المنشآت المدنية، وتأمين الخدمات الأساسية، ومحاسبة المتورطين وفق القانون، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات والإجراءات الاستثنائية.
فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تعد تدور حول السيطرة على المواقع العسكرية وحدها، بل أصبحت البنية التحتية والموارد الاقتصادية والخدمات العامة جزءاً من ساحات المواجهة، فيما يتحمل المواطن السوداني العبء الأكبر من نتائج هذا التصعيد.
ومن ثم، فإن نجاح الحكومة في هذه المرحلة لن يقاس فقط بقدرتها على رفع حالة الاستنفار، وإنما بمدى قدرتها على حماية حياة المدنيين، واستعادة الخدمات، ومنع انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة، ووضع حد لاستهداف المنشآت التي يعتمد عليها ملايين السودانيين.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات