الإثنين، 2 نوفمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

بين نيالا والخرطوم.. حرب اقتصادية صامتة تُعمّق انقسام السودان وتُمزّق الجنيه !

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

بين نيالا والخرطوم.. حرب اقتصادية صامتة تُعمّق انقسام السودان وتُمزّق الجنيه !
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI

2 نوفمبر 2026

لم تعد الحرب في السودان تدور على خطوط المواجهة العسكرية وحدها؛ فخلف الجبهات تتشكل معركة اقتصادية موازية، تتجلى في اختلاف العملات المتداولة، وتباين أسعار الصرف، وتعدد قنوات التجارة والتحويلات المالية بين مناطق سيطرة الجيش وقوات الدعم السريع. وبين نيالا والخرطوم، لم يعد الجنيه السوداني يؤدي الوظيفة نفسها، ولم تعد قيمته تتحدد وفق سوق وطنية واحدة، بل أصبح انعكاساً مباشراً لانقسام جغرافي وسياسي ومصرفي يتسع مع استمرار الحرب.

وتكشف التطورات الأخيرة أن البلاد تقترب من واقع اقتصادي تتعايش فيه أسواق نقدية متباعدة، لكل منها مصادرها من العملات الأجنبية، وطرقها الخاصة لتمويل التجارة، وشبكاتها المصرفية والتحويلية. وفي الوقت الذي يواصل فيه الجنيه تراجعه في الأسواق المرتبطة بمناطق سيطرة الحكومة، تتشكل في دارفور وكردفان ترتيبات مالية وتجارية مختلفة، لا تخضع بالكامل لسياسات البنك المركزي في بورتسودان.

الجنيه يفقد وحدته قبل أن يفقد قيمته

في 21 أكتوبر الماضي، سجل الجنيه السوداني تراجعاً قياسياً جديداً، بعدما بلغ سعر الدولار نحو عشرة آلاف جنيه في السوق الموازية، وفق تقرير لوكالة رويترز. وأشار التقرير إلى أن العملة فقدت نحو 60% من قيمتها خلال الأشهر الأخيرة، بعدما كانت تتداول عند مستويات تقارب ثمانية آلاف جنيه للدولار قبل شهر واحد، مقارنة بنحو 600 جنيه قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023.

لكن أهمية هذا التراجع لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في أن السوق التي تحدد سعر الدولار لم تعد سوقاً سودانية موحدة. فقد أدى الانقسام الجغرافي إلى ظهور أنظمة نقدية متباينة، تتأثر كل منها بالسلطة المسيطرة على المنطقة، وبحركة السلع والوقود والذهب، وبمدى القدرة على الوصول إلى العملات الأجنبية.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الفوارق بين أسواق نيالا والخرطوم وبورتسودان لا تعكس اختلافاً عادياً في العرض والطلب، وإنما ترتبط بتعطل حركة التجارة بين المناطق، وتعدد طرق الاستيراد، واختلاف وسائل الدفع والتحويل، فضلاً عن القيود التي فرضتها الحرب على التعاملات المصرفية.

نيالا.. سوق تتحرك خارج النظام المصرفي التقليدي

في مناطق واسعة من دارفور، برزت خلال الحرب ترتيبات مالية بديلة، فرضتها صعوبة التعامل مع النظام المصرفي الذي تديره السلطات في المناطق الخاضعة للجيش. ومع رفض تداول الإصدارات النقدية الجديدة في مناطق سيطرة الدعم السريع، ظهرت أسواق تعتمد على الأوراق النقدية القديمة، والتحويلات الرقمية، والعملات الأجنبية، إلى جانب المقايضة التجارية.

وبحسب تقرير نشرته «سودان تربيون» في يونيو الماضي، توسعت المعاملات في المناطق الحدودية لتشمل الفرنك التشادي وجنيه جنوب السودان والدولار، كما تحدث التقرير عن خطوات لتأسيس نظام مصرفي موازٍ وخدمات مالية مرتبطة بالسلطات القائمة في مناطق سيطرة الدعم السريع.

وتكتسب نيالا أهمية خاصة في هذا المشهد، ليس فقط لأنها مركز إداري وتجاري رئيسي في دارفور، وإنما لأنها تقع ضمن شبكة طرق تربط الإقليم بالحدود الغربية والجنوبية، وتتيح تدفق السلع والعملات عبر مسارات لا تمر بالضرورة عبر الموانئ أو المصارف الرسمية في شرق السودان.

وتشير تقارير عن تجارة الذهب في دارفور إلى أن شبكات التهريب والتجارة العابرة للحدود أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب، مستفيدة من ضعف الرقابة الرسمية واتساع المناطق التي يصعب على مؤسسات الدولة الوصول إليها. وهذا يعني أن جانباً من الموارد التي كان يمكن أن يغذي احتياطيات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية بات يتحرك خارجها.

الخرطوم وبورتسودان.. الدولار تحت ضغط الاستيراد والحرب

في المقابل، تواجه الأسواق المرتبطة بمناطق سيطرة الحكومة ضغوطاً مختلفة. فبورتسودان، باعتبارها المنفذ البحري الرئيسي ومركز إدارة الواردات الحكومية والتجارية، تتحمل طلباً مرتفعاً على الدولار لتمويل الغذاء والوقود والدواء والاحتياجات الأساسية.

وتشير رويترز إلى أن الطلب على الاستيراد كان من العوامل الرئيسية وراء التراجع الأخير للجنيه، في وقت تضررت فيه قطاعات الإنتاج ومصادر النقد الأجنبي بسبب الحرب، بينما يتجه جزء من تجارة الذهب إلى التهريب بدلاً من المرور عبر القنوات الرسمية. كما أن الإنفاق المرتبط بالحرب وإعادة الإعمار يزيد الضغط على موارد النقد الأجنبي المحدودة.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية مهمة: فالسودان يمتلك موارد طبيعية كبيرة، وفي مقدمتها الذهب، لكن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى احتياطيات نقدية تدعم العملة الوطنية. فالعائدات التي لا تدخل النظام المصرفي الرسمي لا تساعد البنك المركزي على تمويل الواردات أو التدخل في سوق الصرف، حتى لو استمرت عمليات الإنتاج والتصدير خارج القنوات المعتمدة.

معركة العملة.. امتداد للصراع على السيادة

كان قرار تغيير بعض الفئات النقدية، ومن بينها أوراق 500 و1000 جنيه، أحد أبرز مظاهر الانقسام النقدي. فقد تبنت السلطات في المناطق الخاضعة للجيش إصدار أوراق نقدية جديدة، وألغت التعامل بالإصدارات القديمة في نطاق سلطتها، بينما رفضت قوات الدعم السريع الاعتراف بهذه الخطوة في المناطق التي تسيطر عليها.

ونتيجة لذلك، لم يعد الخلاف محصوراً في الجهة التي تدير البنك المركزي أو تحدد سعر الصرف، بل امتد إلى السؤال الأكثر حساسية: أي نقود يقبلها السوق؟ وأي مصرف يستطيع تنفيذ التحويلات؟ وأي سلطة تملك حق إصدار العملة وتحديد صلاحيتها؟

وقد أظهر تقرير لرويترز في يونيو الماضي بدء تداول أوراق نقدية قديمة في مناطق سيطرة الدعم السريع، وسط تساؤلات بشأن مصدرها والجهة التي تقف وراء إصدارها. كما أشار التقرير إلى توسع خدمات الدفع والتحويل المرتبطة بالنظام المالي الموازي.

هذه التطورات تضع وحدة النظام النقدي أمام اختبار بالغ الصعوبة، لأن العملة ليست مجرد أوراق نقدية تستخدم في البيع والشراء؛ إنها أيضاً أداة للسيادة الاقتصادية، ووسيلة لتمويل الدولة، وربط الأسواق والأقاليم في شبكة واحدة من المدفوعات والالتزامات.

المواطن يدفع ثمن الانقسام مرتين

تنعكس هذه الحرب الاقتصادية على المواطنين بصورة مباشرة. فاختلاف أسعار الصرف بين المناطق يؤدي إلى تفاوت تكلفة السلع، ويزيد مخاطر المضاربة والاحتكار، ويجعل تحويل الأموال بين المدن أكثر تعقيداً وكلفة. كما أن التجار الذين ينقلون السلع بين مناطق السيطرة المختلفة يواجهون مخاطر إضافية تتعلق بالرسوم والقيود الأمنية وتبدل وسائل الدفع.

وفي المناطق التي تعتمد على الواردات، يؤدي تراجع الجنيه إلى ارتفاع تكلفة الغذاء والوقود والدواء. أما في المناطق التي تعتمد على طرق إمداد بديلة، فقد تبدو بعض السلع أقل تكلفة في فترات معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استقراراً اقتصادياً حقيقياً؛ إذ تظل الأسواق معرضة لانقطاع الطرق، وتغير موازين السيطرة، وتقلب تدفقات العملات الأجنبية.

وتزداد خطورة الوضع عندما تتراجع القدرة الشرائية للأسر بالتزامن مع توقف الإنتاج وتقلص فرص العمل. فالمواطن الذي يتقاضى دخله بالجنيه يجد نفسه أمام أسعار تتأثر بالدولار، بينما لا تملك غالبية الأسر أي وسيلة لحماية مدخراتها من التآكل المستمر.

الذهب.. ثروة وطنية خارج الدورة الاقتصادية

يمثل الذهب أحد أهم مفاتيح فهم الأزمة. فالسودان يمتلك إنتاجاً كبيراً من المعدن النفيس، لكن الفجوة بين الإنتاج المعلن والصادرات المسجلة رسمياً تشير إلى مشكلة تتجاوز ضعف الرقابة إلى طبيعة الاقتصاد الذي أفرزته الحرب.

ففي أكتوبر، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية أن عائدات صادرات الذهب بلغت نحو 2.292 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. غير أن تقارير أخرى أثارت تساؤلات بشأن الفارق بين تقديرات الإنتاج والكميات التي دخلت القنوات الرسمية، بما يعكس استمرار تحديات التهريب وتعدد مسارات التجارة.

ولا يعني ذلك أن كل الفجوة تعود إلى جهة واحدة أو سبب واحد، لكن المؤكد أن غياب نظام وطني موحد للرقابة والتصدير والتحصيل يحرم الاقتصاد من جزء مهم من الموارد التي يحتاجها لدعم العملة وتمويل الاستيراد.

هل يتجه السودان إلى اقتصادين منفصلين؟

الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في انهيار سعر الجنيه، بل في تحول الانقسام النقدي المؤقت إلى واقع دائم. فكلما توسعت أنظمة الدفع والتحويل المستقلة، وتعددت العملات المستخدمة، وتراجعت قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية في جميع أنحاء البلاد، أصبح استعادة وحدة السوق أكثر تعقيداً.

إن وجود سعر صرف مختلف، ونظام مصرفي منفصل، وقواعد متباينة لقبول العملة، يخلق بيئة يصعب فيها بناء سياسة اقتصادية وطنية واحدة. كما أن إعادة ربط الأسواق بعد توقف الحرب لن تكون مسألة إدارية بسيطة، لأنها ستتطلب معالجة الأوراق النقدية المتداولة، والودائع المصرفية، والتحويلات، والديون، والالتزامات التجارية بين المناطق.

ولا يمكن معالجة الأزمة بمجرد إعلان سعر رسمي جديد أو ضخ كميات محدودة من النقد الأجنبي؛ فاستقرار العملة يحتاج إلى استعادة الإنتاج، وفتح طرق التجارة، وتوحيد المؤسسات المالية، وإعادة الذهب والصادرات إلى القنوات الرسمية، وتقليص الإنفاق المرتبط بالحرب.

بين نيالا والخرطوم، تكشف أزمة الجنيه أن الحرب لم تعد تقسم الأرض ومؤسسات الدولة وحدها، بل بدأت تعيد تشكيل الاقتصاد نفسه. وإذا استمر هذا المسار، فقد يجد السودانيون أنفسهم أمام أسواق وعملات وأنظمة مالية متوازية، بينما تتحول العملة الوطنية من رابط اقتصادي بين الأقاليم إلى مرآة لانقسامها.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً