محررو لقطة AI – 01
٢ نوفمبر 2026
يمثل إلغاء حميدتي لوثيقة الإدارات المدنية تطوراً سياسياً وإدارياً يستحق التوقف عنده، ليس فقط بسبب أثره المباشر على الهياكل التي أُنشئت لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وإنما لما يطرحه من أسئلة حول طبيعة السلطة التي تسعى قيادة القوات إلى تكريسها، وحدود مشروعها لإقامة مؤسسات حكم موازية في السودان.
فالوثائق المنظمة للإدارات المدنية لم تكن مجرد ترتيبات إدارية لتسيير الخدمات اليومية، بل ارتبطت بمحاولة بناء إطار مؤسسي يمنح سلطة الأمر الواقع شكلاً سياسياً وتنظيمياً. ولذلك فإن إلغاء الوثيقة، إذا تأكدت تفاصيله ونطاقه، يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل هذه الإدارات، ومصير المسؤولين الذين تولوا مواقع فيها، والآلية التي ستُدار بها المناطق المعنية خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب المرسوم رقم (19) لسنة 2026، الصادر في 30 أكتوبر، يشمل القرار حل الإدارات المدنية والمجالس التأسيسية في خمس ولايات، هي جنوب دارفور ووسط دارفور وشرق دارفور وغرب دارفور، إضافة إلى غرب كردفان. كما ينهي المرسوم مهام رؤساء تلك الإدارات والمجالس ومستشاريهم والمسؤولين التنفيذيين وجميع شاغلي المناصب المرتبطة بها.
إلغاء الوثيقة وإنهاء مرحلة إدارية
تعود وثيقة الإدارات المدنية إلى عام 2024، عندما أنشأت قوات الدعم السريع هياكل إدارية في المناطق التي كانت تسيطر عليها، بهدف إدارة الشؤون المحلية وتوفير إطار لتسيير المؤسسات والخدمات العامة. وشكلت هذه الهياكل جزءاً من الترتيبات السياسية والإدارية التي سعت القوات من خلالها إلى إظهار قدرتها على إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها.
لكن المرسوم الجديد لا يقتصر على إلغاء الوثيقة المنظمة لهذه الإدارات، بل يتجاوز ذلك إلى حل المؤسسات المنشأة بموجبها وإنهاء التكليفات الوظيفية المرتبطة بها، بما يعني إغلاق الإطار الإداري الذي استندت إليه تلك المؤسسات منذ تأسيسها.
واللافت أن القرار جاء في سياق مشروع سياسي أوسع ارتبط بتشكيل تحالف السودان التأسيسي وإعلان حكومة موازية، الأمر الذي يجعل إعادة هيكلة الإدارات المدنية مرتبطة أيضاً بمسألة تنظيم العلاقة بين المؤسسات المحلية والهياكل المركزية للتحالف والسلطة التي أعلن قيامها.
إعادة توزيع السلطة أم إعادة بناء المؤسسات؟
تضمن المرسوم تبريراً رسمياً يقوم على تنظيم مؤسسات الدولة وإعادة هيكلتها، وضمان انتظام العمل التنفيذي والإداري إلى حين استكمال الأطر التشريعية المنظمة للحكم اللامركزي والمحلي.
غير أن هذا التبرير يفتح سؤالاً أساسياً: لماذا تقرر حل المؤسسات القائمة قبل اكتمال البدائل التشريعية والإدارية التي ستحدد شكل الحكم الجديد؟
فالقرار ينهي تكليف المسؤولين الموجودين، ويحظر في الوقت نفسه إنشاء إدارات أو مجالس بديلة أو إجراء تعيينات دائمة في الهياكل المحلولة، إلا بموجب تشريع أو قرار صادر عن الجهة المختصة. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد فراغاً انتقالياً في البنية الإدارية السابقة، ما لم تتمكن الجهات المختصة من تنظيم إدارة بديلة للأعمال والخدمات.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الولايات المعنية لا تعيش ظروفاً إدارية طبيعية، بل تواجه تحديات الحرب وتراجع الخدمات الأساسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والنزوح، وهي ظروف تجعل استقرار المؤسسات المحلية عاملاً مؤثراً في حياة السكان اليومية.
مصير المؤسسات والأصول الحكومية
لم يغفل المرسوم الجانب المالي والإداري، إذ ألزم المسؤولين المعفيين بتسليم السجلات والملفات والأختام والأموال والمنقولات والأصول والممتلكات والبيانات إلى الجهات المختصة، تمهيداً لحصرها واستلامها وتسويتها وفق القوانين واللوائح المعمول بها.
وفي تطور مرتبط بتنفيذ القرار، أفادت تقارير صحفية بأن رئيس وزراء حكومة تأسيس محمد حسن التعايشي وجّه الأمناء العامين لحكومات الولايات بالشروع في إجراءات التسليم والتسلم وحصر الممتلكات والسجلات والوثائق الحكومية، مع تحديد مهلة أسبوع لإعداد الكشوفات المطلوبة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الأصول والمؤسسات التي كانت خاضعة لإشراف الإدارات المدنية، والأسئلة المتعلقة بكيفية إدارة الممتلكات العامة والالتزامات المالية وملفات العاملين، وضمان عدم تحول عملية إعادة الهيكلة إلى فرصة للتصرف في الموارد بعيداً عن الرقابة والمساءلة.
ماذا يكشف القرار عن مستقبل مشروع تأسيس؟
من الناحية السياسية، يطرح القرار ثلاثة احتمالات رئيسية تستحق المتابعة.
أولاً، أن يكون إلغاء الوثيقة جزءاً من عملية انتقال من الإدارات المدنية التي أُنشئت بصورة أولية خلال الحرب إلى مؤسسات أكثر مركزية، ترتبط مباشرة بهياكل حكومة تأسيس والمجلس الرئاسي.
ثانياً، أن تكون الخطوة محاولة لمعالجة الاختلالات التي صاحبت تجربة الإدارات السابقة، سواء في توزيع الصلاحيات أو العلاقة بين القيادات المحلية والمستويات المركزية، وهي مسائل لا يقدم المرسوم وحده إجابات نهائية بشأنها.
ثالثاً، أن يؤدي إنهاء المؤسسات القائمة دون استكمال البدائل إلى إضعاف القدرة الإدارية في المناطق المعنية، خصوصاً إذا طال أمد المرحلة الانتقالية أو نشأت خلافات حول توزيع المناصب والموارد والاختصاصات.
وتظل هذه احتمالات تحليلية وليست أهدافاً معلنة للقرار، إذ لم يقدم المرسوم تقييماً تفصيلياً لأداء الإدارات التي جرى حلها، ولم يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لاستكمال المؤسسات البديلة.
الاختبار الحقيقي: إدارة المناطق أم إعادة تسمية المؤسسات؟
تكمن أهمية القرار في أن نجاح أي مشروع لإدارة مناطق واسعة لا يقاس بعدد المراسيم والوثائق التي يصدرها، وإنما بقدرته على توفير الخدمات الأساسية، وحماية الموارد العامة، وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، وإخضاع المسؤولين للمساءلة.
كما أن إلغاء وثيقة الإدارات المدنية لا يعني بالضرورة انتهاء وجود الإدارة المدنية على الأرض، فقد أعلنت الإدارة المدنية في جنوب دارفور تغيير اسم صفحتها إلى «أمانة حكومة ولاية جنوب دارفور (تأسيس)»، مع تأكيد استمرار نشر بياناتها وأنشطتها الرسمية. وهذه الخطوة تشير إلى أن بعض الوظائف الإدارية قد تستمر تحت مسميات وهياكل جديدة، رغم إنهاء الإطار القانوني السابق.
وبالنسبة لسكان دارفور وغرب كردفان، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس اسم المؤسسة الجديدة، وإنما الجهة التي ستتولى إدارة المستشفيات والمدارس والأسواق والموارد المحلية، وكيف ستُصرف الأموال، ومن سيحاسب المسؤولين عن أداء تلك المؤسسات.
في المحصلة، يفتح قرار حميدتي بإلغاء وثيقة الإدارات المدنية مرحلة جديدة في تنظيم السلطة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. لكنه يضع مشروع تأسيس أمام اختبار يتجاوز إعادة ترتيب الهياكل والمناصب إلى إثبات القدرة على بناء إدارة مستقرة وفاعلة، في ظل حرب مستمرة وأزمة إنسانية واقتصادية عميقة.
فهل يمثل القرار انتقالاً نحو مؤسسات حكم أكثر تنظيماً، أم بداية مراجعة سياسية وإدارية لتجربة الإدارات المدنية التي أُنشئت منذ عام 2024؟ الإجابة ستتوقف على طبيعة المؤسسات البديلة، ومدى استقلالها وقدرتها على خدمة المواطنين، وليس على النصوص التي تعلن حل المؤسسات القديمة.
محررو لقطة AI
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات