محررو لقطة AI – 2
21 أغسطس 2026
في أطراف مخيم كرياري بشرق تشاد، تتحرك سيارة صغيرة بين الخيام وهي تحمل عشرات الوجبات الساخنة إلى أشخاص قد لا يستطيعون الوصول بأنفسهم إلى المطابخ الجماعية أو نقاط توزيع الغذاء.
لا تحمل السيارة شعار منظمة دولية كبيرة، ولا تعمل ضمن مشروع يمتلك ميزانية ضخمة؛ بل يقودها متطوعون من «غرفة طوارئ كرياري» ضمن مبادرة أطلقوا عليها اسم «التكية المتنقلة»، لتوصيل الطعام إلى كبار السن والمرضى وذوي الإعاقة وغيرهم من الفئات الأشد ضعفاً وسط اللاجئين السودانيين.
وتجسد المبادرة شكلاً من أشكال التكافل الشعبي الذي نما وسط السودانيين منذ اندلاع الحرب، حيث تولت غرف الطوارئ والتكايا والمبادرات المجتمعية مسؤولية توفير الطعام والدواء والمياه في مناطق عجزت المؤسسات الرسمية والمنظمات الإنسانية عن تغطية جميع احتياجاتها.
وفي مخيم كرياري، جاءت الفكرة استجابة لمشكلة بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تكون فاصلة بين الجوع والحصول على الطعام: بعض سكان المخيم لا يستطيعون الوصول إلى التكية الثابتة بسبب المرض أو التقدم في العمر أو الإعاقة أو بُعد خيامهم.
ومن هنا، قرر المتطوعون أن يذهب الطعام إلى المحتاجين بدلاً من انتظار وصولهم إليه.
وجبات تصل إلى أبواب الخيام
توفر التكية المتنقلة يومياً ما بين 50 و80 وجبة ساخنة، يوزعها المتطوعون مباشرة على المستفيدين داخل خيامهم أو أماكن إقامتهم.
وتُحدد الحالات المستفيدة وفق بيانات وسجلات ميدانية تتضمن أسماء الأشخاص ومواقع خيامهم وأوضاعهم الصحية والاجتماعية، بما يساعد الفريق على الوصول إلى الفئات التي لا تستطيع الحركة.
وتشمل القائمة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم أو مع أسر لا تستطيع إعالتهم، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى، والحوامل، وبعض الحالات التي تعاني سوء التغذية أو أمراضاً مزمنة.
ويحرص المتطوعون على تحديث البيانات باستمرار، لأن أوضاع سكان المخيم تتغير، وقد يصل لاجئون جدد أو تتدهور الحالة الصحية لأحد السكان، فيصبح عاجزاً عن الذهاب إلى نقاط التوزيع.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على قيمة الوجبة نفسها؛ إذ يشعر المستفيدون بأن هناك من يتابع أوضاعهم ويتفقدهم. وقد يتمكن المتطوع خلال الجولة من اكتشاف حالة مرضية تحتاج إلى علاج، أو أسرة لم تحصل على المياه، أو شخص انقطعت عنه المساعدة.
فكرة خرجت من قلب الحاجة
بدأت «التكية المتنقلة» بعدما لاحظ متطوعو غرفة الطوارئ أن المطابخ الثابتة، رغم أهميتها، لا تستطيع خدمة جميع سكان المخيم.
فالمسافات داخل كرياري قد تكون طويلة بالنسبة إلى مسن ضعيف الحركة أو شخص يستخدم عكازاً، كما أن الوقوف في صفوف الانتظار يمثل مشقة إضافية للمرضى.
وقد يضطر أحد أفراد الأسرة إلى ترك مريض بمفرده والذهاب للحصول على الطعام، أو قد تعجز الأسرة كلها عن الوصول، فتمر ساعات طويلة من دون وجبة.
لهذا استخدمت غرفة الطوارئ سيارة صغيرة لنقل الطعام من موقع الإعداد إلى أطراف المخيم، ثم بدأ المتطوعون بناء قوائم للحالات التي تحتاج إلى التوصيل المباشر.
وتحولت الفكرة خلال وقت قصير إلى خدمة يومية ينتظرها المستفيدون، خصوصاً مع تراجع حجم المساعدات الغذائية المقدمة للاجئين.
تقليص المساعدات يوسع الفجوة
جاء إطلاق المبادرة في وقت يواجه فيه اللاجئون السودانيون بشرق تشاد أزمة غذائية متفاقمة، بعد اضطرار برنامج الأغذية العالمي إلى خفض المساعدات الغذائية المقدمة لغالبية اللاجئين إلى النصف بسبب نقص التمويل.
وانعكس التقليص مباشرة على مخيم كرياري، الذي لم يتلق خلال الأشهر الأخيرة مساعدات تكفي لتلبية احتياجات جميع سكانه.
ولا يعني خفض الحصة الغذائية أن الأسرة ستتوقف عن الجوع عند مستوى معين؛ بل يعني أنها ستضطر إلى تقليل عدد الوجبات أو حجمها، أو الاستغناء عن مواد أساسية، أو الدخول في الديون لشراء الطعام.
وتكون التداعيات أكثر خطورة على الأطفال والحوامل والمرضعات وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، لأن أجسادهم تحتاج إلى غذاء منتظم ومتوازن.
وفي ظل ضعف فرص العمل وانعدام مصادر الدخل، لا تملك معظم الأسر وسيلة لتعويض الجزء المفقود من المساعدات. لذلك أصبحت التكايا والمطابخ المجتمعية خط الدفاع الأخير أمام الجوع.
آلاف اللاجئين وإمكانات محدودة
يؤوي مخيم كرياري نحو سبعة آلاف لاجئ سوداني، بينما يعمل في غرفة الطوارئ عدد محدود من المتطوعين لا يتجاوز بضع عشرات.
وهؤلاء المتطوعون أنفسهم لاجئون أو متضررون من الحرب، لكنهم اختاروا تنظيم الجهود المتاحة لتوفير الطعام والمياه والخدمات الصحية الأولية.
ويواجه المخيم نقصاً في المياه والمأوى والرعاية الصحية والغذاء، إلى جانب انتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية وتردي البيئة.
كما أن موارد غرفة الطوارئ محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على مساهمات السودانيين والمبادرات الخيرية والدعم الذي يصل بصورة غير منتظمة.
وفي ظل هذه الظروف، فإن تقديم 50 أو 80 وجبة يومياً يمثل إنجازاً مهماً، لكنه يظل أقل كثيراً من حجم الاحتياجات الفعلية.
ويجد المتطوعون أنفسهم يومياً أمام قرارات قاسية: من يحصل على الوجبة؟ ومن ينتظر إلى اليوم التالي؟ وكيف يمكن تقسيم كمية محدودة من الطعام بين أعداد متزايدة من المحتاجين؟
المسنون في مقدمة المستفيدين
يمثل كبار السن إحدى أكثر الفئات اعتماداً على التكية المتنقلة. فقد وصل بعضهم إلى تشاد بعد رحلات نزوح طويلة، وفقدوا أبناءهم أو انفصلوا عن أسرهم أثناء الهروب من مناطق القتال في دارفور.
ويعاني عدد منهم أمراض الضغط والسكري والقلب، لكنهم لا يحصلون دائماً على الأدوية أو الغذاء المناسب لحالاتهم.
وقد يؤدي انقطاع الطعام إلى تدهور حالتهم بسرعة، خصوصاً إذا تناولوا الأدوية على معدة فارغة أو لم يحصلوا على كمية كافية من المياه.
وعندما تصل الوجبة إلى الخيمة، فإنها توفر للمسن غذاءً ساخناً، وتتيح للمتطوعين فرصة للاطمئنان عليه ومعرفة ما إذا كان يحتاج إلى مساعدة طبية إضافية.
ذوو الإعاقة خارج صفوف الانتظار
يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة صعوبات مضاعفة داخل المخيمات، حيث الطرق غير الممهدة ووسائل النقل المحدودة ودورات المياه غير الملائمة.
كما قد لا يستطيع الشخص استخدام كرسي متحرك وسط الرمال أو الطين، خصوصاً خلال موسم الأمطار، ما يجعله محاصراً داخل خيمته.
وتمنحه التكية المتنقلة قدراً من الاستقلال والكرامة، لأنها تعفيه من الاعتماد الكامل على الآخرين للحصول على الطعام.
كما تقلل من مخاطر سقوطه أو تعرضه للإصابة أثناء محاولة قطع المسافة إلى مواقع التوزيع.
الوجبة الساخنة أكثر من طعام
في بيئة اللجوء، لا تمثل الوجبة الساخنة مجرد كمية من السعرات الحرارية؛ بل تحمل معنى اجتماعياً ونفسياً.
فالأسر التي فقدت منازلها وأراضيها تجد في الطعام المطهو بالطريقة السودانية جزءاً من الحياة التي تركتها خلفها، وشعوراً مؤقتاً بالألفة والانتماء.
كما أن وصول المتطوعين إلى الخيام يكسر العزلة التي يعيشها المرضى والمسنون، ويخلق علاقة مباشرة بين المبادرة والمستفيدين.
ويحاول القائمون على التكية إعداد وجبات بسيطة قابلة للتوزيع، وفق المواد المتوافرة والتبرعات التي تصل إليهم. لكن ارتفاع الأسعار وصعوبة نقل السلع إلى شرق تشاد يجعلان استمرار العمل تحدياً يومياً.
سيارة صغيرة في مواجهة مخيم واسع
تعتمد المبادرة على سيارة صغيرة تجوب أطراف المخيم، وهو ما يسمح للفريق بتغطية مساحات أكبر خلال وقت محدود.
لكن تعطل السيارة أو نقص الوقود يمكن أن يوقف الخدمة، لأن حمل عشرات الوجبات سيراً على الأقدام لمسافات طويلة ليس أمراً عملياً.
كما تحتاج عملية النقل إلى أوعية تحفظ الطعام وتحميه من الغبار والحرارة والتلوث، إلى جانب الوقود والصيانة ووسائل النظافة.
ويعني ذلك أن استدامة المشروع لا تتعلق بتوفير المواد الغذائية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى دعم لوجستي يضمن وصول الوجبات بصورة آمنة ومنتظمة.
قاعدة بيانات لضمان العدالة
تحاول غرفة الطوارئ تنظيم التوزيع من خلال قاعدة بيانات تتضمن الحالات الأكثر حاجة ومواقعها.
وتساعد هذه الطريقة على منع تكرار الأسماء وضمان وصول الطعام إلى المستهدفين، كما تسمح للمتطوعين بتعديل المسارات اليومية حسب الحالات الجديدة.
لكن البيانات تحتاج إلى تحديث متواصل، لأن أعداد اللاجئين وأماكن إقامتهم تتغير، وقد تنتقل الأسرة من خيمة إلى أخرى أو تغادر المخيم أو تصل إليه حديثاً.
كما ينبغي حماية معلومات المرضى وذوي الإعاقة وعدم استخدامها في غير الأغراض الإنسانية.
ومن المهم كذلك توفير آلية واضحة لتلقي طلبات الأسر التي ترى أنها تحتاج إلى الخدمة، حتى لا تبقى القوائم مغلقة أمام الحالات الجديدة.
غرف الطوارئ تعبر الحدود
نشأت غرف الطوارئ داخل المدن والأحياء السودانية لتوفير الغذاء والدواء والإسعافات خلال الحرب، ثم انتقلت تجربتها مع اللاجئين إلى دول الجوار.
وفي كرياري، أعاد المتطوعون بناء النموذج نفسه وفق ظروف المخيم، فأنشأوا التكايا ونظموا السجلات ووزعوا المهام وجمعوا التبرعات.
وتكشف التجربة قدرة المجتمعات المتضررة على تنظيم نفسها، لكنها لا تعفي المنظمات الدولية والحكومات من مسؤولياتها.
فالمبادرات الشعبية يمكنها سد بعض الفجوات والوصول إلى حالات قد تغيب عن المؤسسات الكبرى، لكنها لا تستطيع بمفردها إطعام آلاف الأشخاص أو توفير المستشفيات والمياه والمأوى.
ولا يجوز أن يتحول نجاح المتطوعين إلى مبرر لتقليص التمويل الدولي أو ترك مسؤولية الأزمة على أكتاف اللاجئين أنفسهم.
الجوع يتسع في تشاد
لا تقتصر أزمة الغذاء على اللاجئين السودانيين؛ إذ تواجه تشاد نفسها مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي وسط السكان المحليين والمجتمعات المضيفة.
وتشير التقديرات إلى أن ملايين الأشخاص في تشاد يواجهون مستويات حادة من الجوع خلال موسم الشح الممتد بين يونيو وأغسطس 2026.
ويعني ذلك أن المجتمعات التشادية المحيطة بالمخيمات لا تملك فائضاً كبيراً يمكن أن تقدمه للاجئين، بل تتنافس هي الأخرى على المياه والغذاء وفرص العمل المحدودة.
ومع استمرار تدفق السودانيين الفارين من القتال، تتزايد الضغوط على شرق تشاد، بينما لا يواكب التمويل الإنساني سرعة اتساع الاحتياجات.
الاستمرار مرهون بالتبرعات
تعتمد التكية المتنقلة على دعم المتبرعين والمبادرات المجتمعية، لكن التمويل غير المنتظم يجعل التخطيط صعباً.
فقد تتوافر المواد لإعداد الوجبات عدة أيام، ثم يضطر الفريق إلى تقليل الكميات أو تعليق التوزيع بسبب نفاد المخزون.
وتحتاج المبادرة إلى موارد ثابتة لشراء الحبوب والزيت والخضروات والوقود وأوعية حفظ الطعام، إضافة إلى صيانة السيارة.
كما تحتاج إلى معدات طبخ أفضل ومساحة آمنة لإعداد الوجبات، مع توفير المياه النظيفة ومواد التعقيم لضمان سلامة الغذاء.
دعم المبادرة لا يعني فقط زيادة عدد الوجبات؛ بل يسمح بإعداد خطة أسبوعية أو شهرية بدلاً من العمل يوماً بيوم وسط القلق من نفاد المواد.
كرامة المستفيد قبل كل شيء
تحرص المبادرات الإنسانية الناجحة على ألا يتحول تقديم الطعام إلى مشهد ينتقص من كرامة المحتاجين.
ولهذا يوفر التوصيل المباشر إلى الخيام حماية خاصة للمرضى وكبار السن وذوي الإعاقة، ويجنبهم الوقوف في طوابير طويلة أو شرح أوضاعهم أمام الآخرين.
كما ينبغي عدم تصوير المستفيدين أو نشر أسمائهم من دون موافقتهم، وعدم استخدام حاجتهم إلى الغذاء لأغراض سياسية أو دعائية.
فالأشخاص الذين يعيشون في المخيم لم يختاروا أن يصبحوا لاجئين، ولا يجب أن تكون المساعدة مناسبة لاستعراض معاناتهم.
مبادرة صغيرة أمام كارثة كبيرة
لا تستطيع 80 وجبة يومياً إنهاء الجوع داخل مخيم يضم آلاف الأشخاص، لكنها تستطيع إنقاذ مسن من قضاء يوم كامل من دون طعام، أو مساعدة مريض على تناول دوائه، أو منح شخص ذي إعاقة شعوراً بأنه لم يُترك وحيداً.
وتكمن قيمة «التكية المتنقلة» في أنها لا تنتظر وصول المحتاج إليها، بل تبحث عنه داخل المخيم، وتطرق خيمته، وتسلمه وجبته بيده.
لكن استمرار المبادرة وتوسيعها يتطلبان دعماً عاجلاً من المنظمات الإنسانية والمانحين والسودانيين في الخارج، إلى جانب توفير الغذاء والوقود ووسائل النقل والتخزين.
كما يحتاج مخيم كرياري إلى استجابة أوسع تشمل المياه والصحة والمأوى وحماية الأطفال والنساء، لأن الوجبة الساخنة، على أهميتها، لا تعالج وحدها جميع أبعاد الأزمة.
في مخيم كرياري، تحمل السيارة الصغيرة وجبات محدودة، لكنها تحمل أيضاً رسالة أكبر: حين تتراجع المساعدات وتبتعد المؤسسات، يتحرك المتطوعون نحو الذين لا يستطيعون الحركة.
وبين خيمة وأخرى، تواصل «التكية المتنقلة» رحلتها اليومية، محاولة أن تمنع الجوع من الوصول إلى أشخاص أنهكتهم الحرب والمرض واللجوء.
عين ترصد الحدث.. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات