الخميس، 3 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

الجنيه لا يساوي الجنيه.. داخل السوق الخفية للسيولة في السودان

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

الجنيه لا يساوي الجنيه.. داخل السوق الخفية للسيولة في السودان
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13
لقطة AI
3 سبتمبر 2026

في الاقتصاد الطبيعي، يفترض أن يكون الجنيه الموجود في الحساب المصرفي هو الجنيه نفسه الموجود في الجيب. قد تختلف وسيلة الدفع، لكن القيمة واحدة تقريبًا.

في السودان الذي صنعته الحرب، لم تعد المعادلة بهذه البساطة.

يمكن أن يملك المواطن مئة ألف جنيه في حسابه، ثم يكتشف أن تحويلها إلى مئة ألف جنيه نقدًا يحتاج إلى دفع ثمن إضافي. وفي بعض مناطق دارفور وصلت عمولات الحصول على النقد مقابل التحويل المصرفي إلى 25%، وارتفعت في طويلة خلال اضطراب «بنكك» الأخير إلى 30% لدى بعض المتعاملين. وفي الضعين كانت العمولة قد وصلت سابقًا إلى نحو 40% قبل تدخل السلطات المحلية لفرض سقف عند 15%. 

هذه ليست مجرد أزمة سيولة.

إنها سوق جديدة نشأت داخل الاقتصاد السوداني، وأصبح فيها للنقد نفسه سعر.

عندما يصبح الجنيه أغلى من الجنيه

لنأخذ مثالًا بسيطًا.

شخص يملك 100 ألف جنيه في تطبيق مصرفي ويحتاج إلى أوراق نقدية. يجد تاجرًا أو وسيطًا مستعدًا لإعطائه 80 ألف جنيه نقدًا مقابل تحويل 100 ألف إلى حسابه.

على الورق، الطرفان يتعاملان بالجنيه السوداني.

لكن اقتصاديًا، 80 ألف جنيه ورقية أصبحت تساوي 100 ألف جنيه إلكترونية.

وهنا تحدث المفارقة التي يلخصها عنوان هذا التحقيق: الجنيه لم يعد يساوي الجنيه.

صندوق النقد الدولي وثق هذه الظاهرة في دراسة عن أنظمة الدفع في الدول المتأثرة بالصراعات، وقال إن وكلاء السحب في السودان يفرضون على المستخدمين في بعض الحالات رسومًا تصل إلى 20% لتحويل الرصيد الرقمي إلى نقد. 

لكن النسبة ليست ثابتة، وهذا هو الأخطر.

كلما ندرت الأوراق النقدية في منطقة ما ارتفع ثمن الحصول عليها.

في طويلة بشمال دارفور، على سبيل المثال، أدى تعطل «بنكك» في 2 سبتمبر، بالتزامن مع شح الكاش، إلى شلل شبه كامل في بعض الأسواق، وقال نازحون إن بعض المحال رفعت عمولات التحويل إلى 30%. 

أي أننا لم نعد أمام رسوم مصرفية تحددها مؤسسة مالية، بل أمام سعر سوق يتغير وفق العرض والطلب على الأوراق النقدية.

من أين يأتي الكاش؟

لفهم هذه السوق، يجب ألا ننظر إلى البنوك وحدها.

الأوراق النقدية تتحرك عبر سلسلة طويلة: متجر يبيع طوال اليوم ويجمع الكاش، تاجر يحتاج إلى تحويل الأموال إلى مدينة أخرى، موظف يحصل على راتب نقدي، منظمة إنسانية تحتاج إلى دفع مبالغ في منطقة لا تعمل فيها البنوك بصورة طبيعية، ثم وسطاء يعرفون من يمتلك السيولة ومن يحتاج إليها.

وهكذا ظهرت وظيفة اقتصادية لم تكن بهذا الحجم قبل الحرب: تاجر الكاش.

هو لا يبيع السكر أو الوقود أو الدولار.

إنه يبيع القدرة على الوصول إلى المال نفسه.

يستلم تحويلًا مصرفيًا ويعطي مقابله أوراقًا نقدية، ويأخذ الفرق لنفسه.

وكلما زادت ندرة الكاش زادت قوة الوسيط.

في الضعين وصل الأمر إلى درجة إصدار قرار في أبريل 2026 يحدد عمولة تحويل «بنكك» إلى أوراق نقدية عند 15% بعدما كانت تصل إلى 40%. لكن النتيجة كشفت طبيعة السوق بصورة أوضح: عندما انخفضت العمولة المفروضة، توقف بعض التجار عن تقديم الخدمة، فعادت أزمة الحصول على النقد. 

هذه الواقعة شديدة الدلالة.

فالسلطة استطاعت تحديد السعر، لكنها لم تستطع بقرار إداري خلق الأوراق النقدية المفقودة.

«بنكك».. البنك الذي أصبح سوقًا

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 دمرت أو عطلت أجزاء كبيرة من الجهاز المصرفي السوداني.

تعرضت فروع للنهب والتخريب، وتعطلت شبكات الدفع، وتوقفت أجهزة صراف آلي، وانقطعت الاتصالات في مناطق واسعة.

لكن الاقتصاد لم يتوقف.

بدلًا من ذلك انتقل جزء هائل منه إلى الهاتف.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن عمليات تفعيل «بنكك» كادت تتضاعف بعد اندلاع الحرب، مع انتقال الناس إلى وسائل الدفع والتحويل عن بعد عندما أصبح الوصول إلى البنوك والنقد أكثر صعوبة. 

وهكذا أصبح «بنكك» بالنسبة إلى كثير من السودانيين أكثر من تطبيق تابع لبنك الخرطوم.

راتب، حوالة من قريب، مساعدة من الخارج، ثمن دواء، شراء طعام، أجرة نقل، إيجار منزل، تحويل بين تاجرين؛ كلها يمكن أن تمر عبر الهاتف.

لكن النجاح الهائل للدفع الإلكتروني ولد مشكلة أخرى.

الاقتصاد أصبح أكثر اعتمادًا على منظومة رقمية لا يملك بديلًا جاهزًا عنها.

وعندما تتوقف هذه المنظومة، لا يتعطل التطبيق فقط.

يتعطل السوق.

وهذا بالضبط ما ظهر مجددًا في 2 سبتمبر، عندما أدى تذبذب «بنكك» إلى مشكلات في المعاملات بالتزامن مع أزمة الكاش. وفي طويلة قال نازحون إن بعضهم عاد من السوق من دون شراء احتياجاته رغم امتلاكه المال إلكترونيًا. واعتذر بنك الخرطوم عن تذبذب الخدمة لدى بعض المستخدمين وقال إن فرقه الفنية تعمل على معالجة المشكلات. 

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

ما قيمة المال إذا كنت تملكه لكنك لا تستطيع استخدامه؟

السودان أصبح يملك أكثر من سوق للنقود

السوق الموازية في السودان ارتبطت تاريخيًا بالدولار.

اليوم أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا.

هناك سوق للعملات الأجنبية، وسوق للذهب باعتباره مخزنًا للقيمة، وسوق أخرى للسيولة النقدية نفسها.

والأسواق الثلاث مترابطة.

فمع تراجع الجنيه، يحاول أصحاب المدخرات الانتقال إلى الدولار أو الذهب. ومع نقص الأوراق النقدية، يصبح الكاش أكثر قيمة. وعندما تتعطل التطبيقات، يرتفع الطلب على النقد بصورة مفاجئة.

وفي 2 سبتمبر وصل الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7 آلاف جنيه للمرة الأولى، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع واضطراب التطبيقات المصرفية. 

وهكذا تتغذى الأزمات بعضها من بعض.

هبوط الجنيه يدفع الناس نحو الدولار.

الخوف من النظام المصرفي يدفع بعضهم إلى الاحتفاظ بالنقد.

نقص النقد يرفع عمولة الحصول عليه.

ثم تنتقل كل هذه التكاليف في النهاية إلى المستهلك.

دارفور تكشف الوجه الأكثر تطرفًا للأزمة

ما يحدث في دارفور يوضح إلى أين يمكن أن تصل المشكلة عندما يلتقي نقص الكاش بانقسام السيطرة السياسية والعسكرية.

في يونيو كشفت رويترز ظهور أوراق جنيه سوداني جديدة في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، في تطور أثار تساؤلات بشأن مصدر العملة وعمّق المخاوف من تشكل منظومتين نقديتين داخل بلد واحد. وفي الوقت نفسه ظهر نظام تحويل منافس مرتبط بـ«بنك المستقبل» في بعض مناطق سيطرة الدعم السريع. 

المسألة هنا تتجاوز شكل الورقة النقدية.

العملة في أي دولة ليست مجرد ورقة.

هي إعلان عن سلطة اقتصادية واحدة، وبنك مركزي واحد، وقواعد واحدة، وسوق مالية واحدة.

وعندما تبدأ مناطق مختلفة في الاعتماد على شبكات دفع مختلفة وأوراق متداولة بصورة مختلفة ومؤسسات مالية متنافسة، فإن الانقسام العسكري يبدأ في التحول إلى انقسام نقدي.

وهذا أحد أخطر الآثار الاقتصادية بعيدة المدى للحرب.

حتى المساعدات دخلت اقتصاد ما وراء النقد

المفارقة أن الأزمة لم تؤثر على التجارة فقط.

حتى المنظمات الإنسانية اضطرت إلى البحث عن طرق مالية بديلة للوصول إلى المستفيدين.

ويقول صندوق النقد الدولي إن برامج إنسانية ممولة من مانحين اعتمدت بصورة متزايدة على منصات قسائم إلكترونية تستضيف بنيتها خارج السودان، في المناطق التي يصبح فيها النظام المصرفي المحلي أو توزيع النقد غير موثوق أو غير متاح. 

وهذا يعني أن جزءًا من المال الذي يمول حياة السودانيين أصبح يستطيع المرور عبر أنظمة تقع تقنيًا خارج البنية المصرفية الوطنية.

قد يكون ذلك ضروريًا لإيصال المساعدات في زمن الحرب.

لكنه يكشف في الوقت نفسه مدى تفكك النظام المالي التقليدي.

هل يستطيع البنك المركزي استعادة السيطرة؟

هناك محاولات لإعادة بناء المنظومة.

في أغسطس أعاد بنك السودان تشغيل المحول القومي للمدفوعات الإلكترونية بعد أكثر من ثلاث سنوات من التعطل المرتبط بالحرب، وبدأت عملية إعادة ربط البنوك بالشبكة الوطنية، بما يسمح تدريجيًا بالتحويلات بين المصارف وتشغيل نقاط البيع والصرافات. 

كما أعلن بنك السودان خلال 2026 مراحل لاستبدال بعض الطبعات القديمة من فئتي 500 وألف جنيه عبر الإيداع في الحسابات المصرفية، مؤكدًا أن الولايات غير المشمولة في بعض المراحل ستتاح لها ترتيبات لاحقة لحماية مدخرات المواطنين. 

وفي اتجاه آخر، أعلنت وزارة التحول الرقمي والاتصالات إدخال خدمات مصرفية عبر تقنية USSD، بما يسمح بإجراء بعض العمليات عبر الهاتف من دون الحاجة إلى الإنترنت التقليدي، في محاولة لتقليل أثر ضعف الاتصال على الخدمات المالية. 

هذه خطوات مهمة.

لكن إعادة تشغيل الشبكات ليست هي نفسها إعادة بناء الثقة.

المواطن يريد أن يعرف أن الجنيه الموجود في حسابه يستطيع الحصول عليه عندما يحتاج إليه.

والتاجر يريد أن يتأكد أن التحويل الذي استلمه يستطيع استخدامه لشراء بضاعة جديدة.

والأسرة التي تعتمد على تحويل من أحد أبنائها في الخارج تريد أن تعرف أنها تستطيع تحويل الرقم الظاهر على الشاشة إلى طعام ودواء.

إذا لم تتحقق هذه الشروط، ستظل السوق الخفية موجودة مهما تطورت التطبيقات.

هناك تضخم لا يظهر في سعر السلعة

وهذه ربما النقطة الأقل ظهورًا في الأزمة.

إذا كان المواطن يدفع 20% للحصول على الكاش ثم يشتري السلعة، فإن التكلفة الحقيقية للسلعة ليست السعر المكتوب عليها فقط.

وإذا كان التاجر نفسه دفع عمولة للحصول على النقد لشراء مخزونه الجديد، فمن الطبيعي أن ينقل جزءًا من التكلفة إلى المستهلك.

وبذلك تتحول عمولة السيولة إلى نوع من التضخم الخفي.

لا تظهر بالضرورة كبند مستقل في الإحصاءات، لكنها موجودة في السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن يشعر الناس بأن تكلفة الحياة ترتفع أسرع مما توحي به بعض المؤشرات التقليدية.

الاقتصاد الذي لا تراه الدولة

أخطر ما في الظاهرة أنها تخلق اقتصادًا يتحرك خارج مجال الرؤية.

وسيط كاش.

تاجر يحتفظ بالسيولة.

حوالة عائلية.

دولار في السوق الموازية.

ذهب يُشترى لحفظ القيمة.

تحويل إلكتروني مقابل نقد.

وشبكات مالية مختلفة بين مناطق السيطرة.

كل ذلك يمثل نشاطًا اقتصاديًا حقيقيًا، لكنه لا يمر بالضرورة عبر القنوات التي تستطيع الدولة قياسها أو فرض السياسة النقدية عليها.

وهنا تصل الأزمة إلى جوهرها.

المشكلة ليست أن السودان يعاني نقصًا في الأوراق النقدية فحسب.

المشكلة أن الحرب بدأت تغير معنى النقود نفسها.

الجنيه الذي كان يفترض أن يحمل قيمة واحدة أصبح يمكن أن يحمل قيمة مختلفة حسب مكان وجوده: في الهاتف، في البنك، في يد التاجر، أو في جيب المواطن.

ولذلك فإن السؤال الاقتصادي في السودان لم يعد فقط:

كم يساوي الدولار؟

هناك سؤال ربما يكون أكثر دلالة على حياة الناس اليومية:

إذا كان الجنيه نفسه لا يساوي الجنيه، فمن الذي يحدد قيمته الحقيقية الآن: بنك السودان، أم السوق، أم الشخص الذي يملك الكاش؟

هذه هي السوق الخفية للسيولة في السودان.

سوق لا توجد لها بورصة، ولا شاشة تعرض أسعارها، ولا نشرة رسمية تحدد عمولتها.

لكن ملايين السودانيين يعرفون سعرها كلما حاولوا تحويل المال الموجود في هواتفهم إلى أوراق يستطيعون حملها في أيديهم.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً