×

الحركة الإسلامية السودانية بين الحرب والانقسام.. هل دخل التنظيم مرحلة ما بعد المركزية؟

الحركة الإسلامية السودانية بين الحرب والانقسام.. هل دخل التنظيم مرحلة ما بعد المركزية؟

فريق لقطة AI

تبدو الحركة الإسلامية السودانية اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989. فالحرب الدائرة في السودان لم تضع الدولة وحدها أمام اختبار وجودي، بل وضعت التنظيم نفسه أمام أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبله السياسي والتنظيمي ودوره في المشهد السوداني المقبل.

ولعقود طويلة، عُرفت الحركة الإسلامية بقدرتها على إدارة خلافاتها داخلياً والحفاظ على قدر كبير من الانضباط التنظيمي، حتى في أصعب المراحل التي مرت بها. لكن المشهد الحالي يبدو مختلفاً بصورة غير مسبوقة.

فالمؤشرات المتزايدة القادمة من داخل التيارات الإسلامية توحي بأن التنظيم لم يعد تلك الكتلة المتماسكة التي عرفها السودانيون طوال العقود الماضية، بل أصبح يواجه انقسامات متشابكة تتعلق بالقيادة، والموارد، والموقف من الحرب، وطبيعة العلاقة مع الإقليم والعالم الخارجي.

صراع الأجيال يخرج إلى العلن

للمرة الأولى منذ سنوات، بدأت أصوات شبابية ووسطية داخل التيار الإسلامي توجه انتقادات مباشرة إلى القيادات التاريخية التي أدارت التنظيم خلال العقود الماضية.

وتتمحور هذه الانتقادات حول تحميل القيادات التقليدية مسؤولية المساهمة في وصول السودان إلى حالة الانهيار الراهنة، فضلاً عن ربط مستقبل التنظيم بخيارات عسكرية وسياسية يرى منتقدوها أنها أدخلت البلاد في حرب مفتوحة يصعب احتواؤها.

وفي المقابل، لا تزال القيادات التقليدية تتمسك بخطاب يقوم على الحفاظ على وحدة التنظيم ورفض أي تغييرات جذرية قد تؤدي إلى تفكيك بنيته الداخلية.

الحرب أعادت توزيع مراكز النفوذ

لم تعد معركة النفوذ داخل الحركة مرتبطة بالمواقع التنظيمية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالموارد الاقتصادية والمؤسسات التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر قوتها ونفوذها.

وتشير تقديرات ومتابعات سياسية إلى ظهور مراكز نفوذ محلية باتت تتحرك بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، وهو ما يعكس تراجع قدرة القيادة المركزية على إدارة التنظيم بالصورة التي كانت سائدة في السابق.

خلاف متزايد حول مستقبل الحرب

ربما يكون هذا الملف هو الأكثر حساسية داخل التيار الإسلامي حالياً.

فهناك تيار يرى أن استمرار الحرب يمثل فرصة لإعادة ترتيب النفوذ السياسي عبر المؤسسة العسكرية.

وفي المقابل، بدأت تظهر أصوات أخرى تعتبر أن استمرار الحرب يهدد بإنهاء ما تبقى من حضور التنظيم داخل المجتمع السوداني، وتدعو إلى البحث عن تسوية سياسية تضمن مستقبلاً سياسياً أقل كلفة.

وهنا يبرز سؤال مهم:

هل أصبح البقاء السياسي أهم من تحقيق الانتصار العسكري؟

الضغوط الإقليمية تعيد تشكيل الحسابات

تغيرت أيضاً البيئة الإقليمية المحيطة بالحركة الإسلامية.

فالعديد من الدول التي كانت تحتفظ بعلاقات أو قنوات تواصل مع بعض التيارات الإسلامية باتت تتعامل بحذر أكبر مع القيادات التقليدية، وتبحث عن شركاء أكثر اعتدالاً وأقل ارتباطاً بإرث الصراعات السابقة.

ودفع هذا التحول بعض الأجنحة إلى محاولة إعادة تقديم نفسها بصورة مختلفة، الأمر الذي عمّق بدوره حالة الانقسام الداخلي.

نهاية مرحلة وبداية أخرى

لأكثر من أربعة عقود، استندت قوة الحركة الإسلامية إلى قدرتها على الحفاظ على مركزية تنظيمية عالية، وإدارة التباينات الداخلية بعيداً عن المجال العام.

لكن التطورات الأخيرة توحي بأن هذه المرحلة قد تكون وصلت إلى نهايتها.

فالتيارات المختلفة لم تعد تتحرك تحت سقف سياسي واحد كما كان يحدث سابقاً، بل بدأت تتصرف وفق حساباتها الخاصة ومصالحها المختلفة.

وهذا لا يعني بالضرورة نهاية الحركة الإسلامية كتيار اجتماعي وسياسي، لكنه قد يعني نهاية النموذج التنظيمي الذي حكمها لعقود طويلة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل السودان؟

تكمن المفارقة في أن ضعف تماسك الحركة الإسلامية قد يحمل نتيجتين متناقضتين في الوقت نفسه.

فمن جهة، قد يقلل من قدرتها على العودة إلى المشهد بالطريقة التي عرفها السودانيون سابقاً.

ومن جهة أخرى، قد يعقد أي عملية سلام مستقبلية، لأن تعدد مراكز القرار يعني غياب جهة واحدة قادرة على إلزام جميع التيارات بخيارات سياسية موحدة.

وربما يكون هذا أحد أهم التحولات التي تصنع السودان الجديد؛ فالتغيير لا يطال شكل الدولة وحدها، بل يطال أيضاً شكل القوى التي حكمتها لعقود طويلة.

وقد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: هل ستعود الحركة الإسلامية إلى المشهد؟

بل: بأي صورة ستعود، إذا كانت قد دخلت بالفعل مرحلة ما بعد المركزية التي شكلت مصدر قوتها لعقود

إرسال التعليق

You May Have Missed