الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

السودان.. انهيار اقتصادي غير مسبوق ومستقبل قاتم

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

السودان.. انهيار اقتصادي غير مسبوق ومستقبل قاتم
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19
12 أغسطس 2026

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد تراجع في قيمة العملة أو موجة عابرة من ارتفاع الأسعار، بل تحولت إلى انهيار شامل أصاب مؤسسات الدولة وقواعد الإنتاج ومصادر دخل الأسر، وأعاد مستويات المعيشة عقوداً إلى الوراء.

وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في أبريل 2023، بات الاقتصاد السوداني يعمل تحت ضغط مزدوج: آلة حرب تستهلك الموارد المتبقية، ودولة فقدت جانباً كبيراً من قدرتها على تحصيل الإيرادات وتقديم الخدمات ومراقبة الأسواق.

وتتسارع مؤشرات التدهور مع تجاوز سعر الدولار حاجز ستة آلاف جنيه في السوق الموازية، وارتفاع أسعار الذهب والوقود والغذاء، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، واتساع رقعة الفقر والبطالة والنزوح.

ورغم تحركات بنك السودان المركزي لزيادة تدفقات النقد الأجنبي ومنح المصارف مرونة في شراء حصائل الصادر، فإن الأزمة تبدو أعمق من أن تعالجها إجراءات نقدية منفردة، لأنها في جوهرها أزمة حرب وانقسام مؤسسات وانهيار إنتاج.

الجنيه يفقد وظيفته الاقتصادية

يمثل الانهيار المتواصل للجنيه السوداني العلامة الأكثر وضوحاً على حجم الأزمة، لكنه ليس سببها الوحيد، بل نتيجة مباشرة لتقلص الإنتاج والصادرات وتراجع الإيرادات العامة واتساع الإنفاق العسكري.

ومع فقدان العملة جانباً كبيراً من قيمتها، أصبحت أسعار السلع تتغير خلال فترات قصيرة، بينما بات التجار يحددون أسعار منتجاتهم استناداً إلى توقعات سعر الدولار وليس إلى تكلفتها الفعلية عند الشراء.

وأدى ذلك إلى تحويل الاقتصاد إلى دائرة متصلة من التضخم؛ فارتفاع الدولار يزيد تكلفة الاستيراد، وارتفاع تكلفة الاستيراد يدفع الأسعار إلى الصعود، ثم ترتفع الحاجة إلى السيولة المحلية، فتتراجع قيمة الجنيه مجدداً.

كما أدى تعدد أسعار الصرف بين المصارف والسوق الموازية وبعض المعاملات الحكومية إلى تعقيد حركة التجارة، وتشجيع المضاربة، ودفع المصدرين والمستوردين إلى البحث عن القنوات التي تحقق لهم أكبر عائد وأقل قيود.

ولم يعد ضعف الجنيه يؤثر فقط في السلع المستوردة، إذ انتقلت موجة الغلاء إلى المنتجات المحلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود والنقل وقطع الغيار والأسمدة والتعبئة والتخزين.

تضخم يلتهم الأجور والمدخرات

تراجعت القوة الشرائية للأسر بصورة حادة، وأصبحت الرواتب، حتى عند انتظام دفعها، عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

وتشير تقديرات بنك التنمية الأفريقي إلى أن التضخم قد يظل عند مستويات مرتفعة للغاية، رغم توقع تباطؤه إلى نحو 78.3 في المئة خلال عام 2026. وهذه النسبة، حتى إذا تحققت، تعني استمرار الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.

ولا تعكس المؤشرات الرسمية دائماً الحجم الكامل للأزمة، لأن أجزاء واسعة من البلاد خرجت عن أنظمة جمع البيانات، كما تختلف الأسعار بصورة كبيرة بين الولايات والمدن ومناطق سيطرة الأطراف المتحاربة.

وتدفع الأسر الثمن عبر تقليص عدد الوجبات، والاستغناء عن العلاج والتعليم، وبيع الممتلكات، والاعتماد على تحويلات الأقارب في الخارج أو المساعدات الإنسانية.

أما المدخرات بالجنيه فقد فقدت جانباً كبيراً من قيمتها، بينما أصبح شراء الذهب والعملات الأجنبية وسيلة لحماية ما تبقى من الأموال، وهو ما يزيد الطلب على الدولار ويعمق الضغط على العملة الوطنية.

الحرب تلتهم قواعد الإنتاج

لم تبدأ اختلالات الاقتصاد السوداني في أبريل 2023، لكن الحرب حولتها إلى انهيار مفتوح يصعب احتواؤه.

فقد تعرضت المصانع والأسواق والمخازن والمصارف في الخرطوم ومدن أخرى للتدمير والنهب، وتوقفت آلاف المنشآت عن العمل، بينما غادر أصحاب الأعمال والعمال والفنيون مناطق الإنتاج أو البلاد بأكملها.

كما أدت المواجهات إلى قطع طرق النقل بين مناطق الإنتاج والأسواق وموانئ التصدير، وارتفعت تكاليف التأمين والترحيل، وانتشرت الرسوم غير الرسمية ونقاط الجباية على الطرق.

وتضرر القطاع الزراعي، الذي يمثل المصدر الرئيسي للدخل والغذاء لملايين السودانيين، بسبب النزوح ونقص التمويل والوقود والبذور والأسمدة، إلى جانب انعدام الأمن في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والجزيرة وسنار والنيل الأزرق.

وفقد مربو الماشية أعداداً كبيرة من حيواناتهم نتيجة النهب والعطش وتقلص المراعي وصعوبة الوصول إلى الأسواق، بينما تعطلت أجزاء من سلاسل تصدير الثروة الحيوانية والمحاصيل.

وبذلك انتقلت البلاد من أزمة نقص في الإيرادات إلى أزمة في القدرة على إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل والمحافظة على دورة اقتصادية طبيعية.

اقتصاد الحرب يحل مكان الدولة

مع استمرار القتال، نشأ اقتصاد موازٍ تحكمه القوة العسكرية وشبكات التهريب والجبايات غير القانونية.

وتسيطر جماعات مسلحة وتجار مرتبطون بالحرب على أجزاء من تجارة الذهب والوقود والسلع والمحاصيل وحركة النقل، بينما أصبحت السيطرة على الأسواق والطرق ومناطق الإنتاج مصدراً للتمويل والنفوذ.

وفي هذا النوع من الاقتصاد، لا تنتقل الموارد نحو الاستثمار والإنتاج، بل إلى شراء السلاح وتمويل المقاتلين وتأمين الإمدادات العسكرية وتحقيق أرباح سريعة من الندرة والاحتكار.

وتتضرر الدولة مرتين: أولاً بخروج الموارد من النظام المالي، وثانياً بتحملها تكلفة الحرب والخدمات الأساسية من قاعدة إيرادات تتقلص باستمرار.

كما يشجع اقتصاد الحرب على استمرار النزاع، لأن شبكات واسعة من المصالح تصبح مرتبطة ببقائه، وتجد في غياب الدولة وتعدد السلطات فرصة لتوسيع نفوذها وثرواتها.

الذهب.. ثروة لا توقف الانهيار

يمتلك السودان موارد ضخمة من الذهب، وأعلنت الجهات الرسمية أن صادرات النصف الأول من عام 2026 عادلت ما تحقق طوال عام 2025.

ومع ذلك، لم يؤد ارتفاع إنتاج الذهب وصادراته إلى استقرار الجنيه أو تحسين مستوى معيشة المواطنين، لأن جانباً كبيراً من الإنتاج لا يمر عبر القنوات الرسمية.

ففي عام 2025 بلغ الإنتاج المعلن أكثر من 70 طناً، بينما تراوحت الصادرات الرسمية حول 14 طناً فقط، ما يعكس وجود فجوة واسعة بين الإنتاج والتصدير المسجل.

وتشير هذه الفجوة إلى استمرار التهريب والتجارة الموازية، ووجود مسارات مالية لا تدخل عائداتها إلى الجهاز المصرفي أو الخزانة العامة.

وحتى حصائل الذهب التي تدخل رسمياً لا تكفي وحدها لتغطية الطلب المتزايد على النقد الأجنبي، في ظل اعتماد البلاد على استيراد الوقود والدواء والقمح ومدخلات الإنتاج والعديد من السلع الأساسية.

ويكشف ذلك عن مفارقة الاقتصاد السوداني: بلد غني بالذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، لكنه عاجز عن تحويل موارده إلى استقرار نقدي وغذاء وخدمات للمواطنين.

الجوع نتيجة لانهيار القدرة الشرائية

لا تعني الأزمة الغذائية في السودان دائماً اختفاء السلع من الأسواق. ففي مناطق كثيرة قد تتوافر الذرة والدقيق والزيت، لكن غالبية السكان لا يملكون المال الكافي لشرائها.

وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 40 في المئة من السكان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود مناطق معرضة للانزلاق إلى ظروف كارثية إذا استمرت الحرب وتعطلت المساعدات.

وأصبح الجوع انعكاساً مباشراً لانهيار الدخل وفقدان الوظائف وارتفاع الأسعار، إلى جانب تدمير الزراعة وعرقلة وصول الغذاء إلى مناطق النزاع.

ويواجه الأطفال الخطر الأكبر، مع توقع إصابة مئات الآلاف منهم بسوء التغذية الحاد خلال عام 2026، في وقت تراجعت فيه قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على تقديم العلاج.

وهنا يتحول الانهيار الاقتصادي إلى أزمة بقاء؛ فالأسر لا تختار بين سلع مختلفة، بل بين شراء الطعام أو الدواء أو دفع تكاليف النزوح والسكن.

الفقر يعيد السودان عقوداً إلى الوراء

حذرت دراسة أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 من أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني أكثر من 30 عاماً إلى الوراء.

وقدرت الدراسة أن السودان خسر نحو 6.4 مليارات دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، وأن متوسط الدخل تراجع إلى مستويات لم يشهدها منذ عام 1992.

كما دفعت الحرب نحو سبعة ملايين شخص إضافي إلى الفقر المدقع خلال عامها الأول، فيما يهدد استمرارها حتى عام 2030 برفع نسبة الفقر المدقع إلى أكثر من 60 في المئة.

وتحذر التقديرات من أن كلفة الحرب لن تتوقف بمجرد إسكات المدافع، لأن تدمير رأس المال والمؤسسات والبنية التحتية وفقدان التعليم والنزوح الطويل ستظل آثارها ممتدة لعقود.

فالأطفال الذين انقطعوا عن المدارس، والعمال الذين فقدوا مهاراتهم ووظائفهم، والأسر التي استنفدت مدخراتها، والمزارعون الذين فقدوا أراضيهم ومعداتهم، لن يستعيدوا أوضاعهم تلقائياً بمجرد توقيع اتفاق سياسي.

قرارات نقدية أمام أزمة أكبر

اتخذ بنك السودان المركزي خطوات لزيادة مرونة سوق النقد الأجنبي، من بينها إلغاء القيد السعري السابق والسماح للمصارف بشراء حصائل الصادر وفق أسعارها المعلنة، مع إلغاء شرط التنسيق المسبق قبل استخدامها في تمويل الواردات.

وقد تساعد هذه القرارات على جذب العملات الأجنبية إلى المصارف وتقليل الفارق مع السوق الموازية، إذا تمكنت البنوك من تقديم أسعار تنافسية وضمان سهولة الإجراءات.

لكن السياسة النقدية لا تستطيع وحدها إنقاذ اقتصاد تتراجع فيه الصادرات ويتوقف فيه الإنتاج وتتعدد فيه السلطات ومراكز الجباية.

كما أن رفع أسعار شراء الدولار داخل المصارف قد يؤدي إلى الاقتراب من السعر الموازي، لكنه لا يخلق موارد جديدة ما لم ترتفع الصادرات ويعود المستثمرون ويُوقف التهريب.

ولهذا يظل نجاح القرارات مرتبطاً باستعادة الأمن وتوحيد المؤسسات المالية والسيطرة على الموارد العامة، وهي شروط سياسية وعسكرية قبل أن تكون نقدية.

هل يحمل المستقبل فرصة للتعافي؟

يمتلك السودان عناصر حقيقية يمكن أن تدعم التعافي، تشمل الأراضي الزراعية الواسعة والمياه والثروة الحيوانية والذهب والموقع الجغرافي والكوادر البشرية المنتشرة داخل البلاد وخارجها.

لكن هذه الإمكانات لا تعمل في الفراغ، ولن تتحول إلى نمو اقتصادي في ظل الحرب وتعدد الجيوش وانعدام الثقة وضعف القانون.

ويحتاج التعافي إلى وقف شامل ومستدام للقتال، وتوحيد البنك المركزي ووزارة المالية ونظام الإيرادات، واستعادة استقلال المؤسسات العامة، وإنشاء آلية شفافة لإدارة الذهب والموارد الطبيعية.

كما يتطلب إعادة تأهيل الزراعة والصناعة والمصارف والكهرباء والاتصالات وطرق النقل، ووضع برنامج لحماية الفئات الفقيرة، وإعادة النازحين، واستعادة التعليم والرعاية الصحية.

وستحتاج البلاد كذلك إلى دعم دولي واسع وإعفاءات من الديون وتمويل لإعادة الإعمار، لكن المانحين والمستثمرين لن يضخوا الأموال في بيئة لا توفر الأمن والشفافية والاستقرار السياسي.

المستقبل القاتم ليس قدراً محتوماً

تبدو صورة الاقتصاد السوداني قاتمة، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، بل لأن الحرب ما تزال تضيف إليها كل يوم مصانع جديدة متوقفة، وأراضي غير مزروعة، وأطفالاً خارج المدارس، وأسرًا جديدة تدخل دائرة الفقر.

وكل عام إضافي من القتال لا يعني تأجيل التعافي لعام واحد فقط، بل مضاعفة كلفته وإطالة الزمن المطلوب لاستعادة مؤسسات الدولة وثقة المواطنين والمستثمرين.

ومع ذلك، فإن المستقبل القاتم ليس قدراً محتوماً. فالسودان لا يفتقر إلى الموارد، لكنه يفتقر إلى السلام والدولة القادرة على إدارتها لمصلحة المجتمع.

وسيظل أي حديث عن إنقاذ الجنيه أو كبح التضخم أو زيادة صادرات الذهب محدود الأثر ما لم يُعالج أصل الأزمة: الحرب التي دمرت الإنتاج، وقسمت المؤسسات، وحولت ثروات البلاد من وسيلة للتنمية إلى وقود للصراع.

إنقاذ الاقتصاد السوداني يبدأ بوقف الحرب، لكنه لا ينتهي عندها؛ إذ يتطلب إعادة بناء الدولة نفسها، ووضع نظام اقتصادي جديد يقوم على الإنتاج والشفافية والعدالة، لا على الاحتكار والتهريب واقتصاد السلاح.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً