محررو لقطة AI – 9
3 أكتوبر 2026
لم يعد السؤال حول رحلة «فلاي دبي» FZ1073، التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب قبل هبوطها اضطراريًا في تبوك السعودية، مقتصرًا على ما إذا كان شجار قد وقع داخل قمرة القيادة. فكلما ظهرت تفاصيل جديدة، اتسعت دائرة الأسئلة حول ما حدث خلال الدقائق التي فقدت فيها الطائرة آلاف الأقدام، وتبدلت رموز الطوارئ، قبل أن يستعيد أشخاص آخرون السيطرة عليها.
لكن هناك فارقًا ضروريًا منذ البداية: لا توجد، وفق المصادر المهنية المتاحة حتى الآن، حالة «شبه إجماع» بين خبراء الطيران على أن الحادث برمته كان مفبركًا أو مصطنعًا. ما يوجد بالفعل هو اهتمام واسع من المختصين بعدد من التفاصيل الفنية التي لا يمكن تفسيرها نهائيًا من الروايات الشفوية أو بيانات التتبع وحدها. وفي الوقت نفسه، فتحت الإمارات رسميًا باب التحقيق في احتمال أن يكون ما وقع مخططًا له مسبقًا أو جرى بتوجيه من جهة أخرى، إلى جانب التحقيق في احتمال وجود دافع إرهابي.
وهنا تحديدًا تبدأ القصة الأكثر تعقيدًا.
الرواية التي ظهرت في الساعات الأولى تقول إن مساعد الطيار هاجم قائد الطائرة داخل قمرة القيادة، وإن القائد أُصيب لكنه تمكن من فتح الباب، قبل أن يدخل ركاب وأفراد من الطاقم ويساعدوا في السيطرة على المهاجم. وبعد ذلك تولى طياران آخران من «فلاي دبي» كانا على متن الرحلة قيادة الطائرة حتى هبوطها في تبوك. «فلاي دبي» أكدت وقوع «مشاجرة» داخل قمرة القيادة وتدخل أفراد من طاقمها المسافرين على متن الطائرة، لكنها قالت إن الأسباب والدوافع لا تزال محل تحقيق.
هذه الرواية ممكنة من الناحية العملية، لكنها تركت سلسلة من الأسئلة التي أصبح خبراء ومتابعو الطيران يحاولون تفكيكها.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالهبوط العنيف للطائرة.
بيانات Flightradar24 أظهرت أن الطائرة، وهي من طراز Boeing 737 MAX 8، بدأت هبوطًا حادًا وهي على ارتفاع يقارب 34 ألف قدم. وسجلت إحدى مراحل الهبوط انتقالها من نحو 30,875 قدمًا إلى 16,750 قدمًا خلال 29 ثانية فقط، أي فقدان أكثر من 14 ألف قدم في أقل من نصف دقيقة. وبعد ذلك ارتفعت الطائرة مجددًا، ثم هبطت مرة أخرى واستقرت قرب 15 ألف قدم.
هذه ليست حركة عادية لطائرة ركاب.
لكنها أيضًا لا تثبت وحدها أن الرواية الرسمية خاطئة. فبيانات ADS-B التي تصل إلى مواقع تتبع الرحلات تكشف الارتفاع والموقع والسرعة وبعض المؤشرات، لكنها لا تخبرنا من كان يمسك بمقود الطائرة، ولا ما إذا كان الطيار الآلي يعمل، ولا الزاوية التي تحركت بها أسطح التحكم، ولا مقدار القوة المستخدمة على أدوات القيادة. ولذلك يحذر المختصون من إعادة بناء ما حدث داخل قمرة القيادة اعتمادًا على خط الرحلة وحده.
السؤال الثاني يتعلق بتسلسل رموز الطوارئ.
ففي الساعة 05:28 بتوقيت غرينتش تقريبًا أرسلت الطائرة الرمز 7700، وهو رمز الطوارئ العامة. وبعد سبع دقائق تقريبًا تغير الرمز إلى 7500، الذي يستخدم عالميًا للإشارة إلى تدخل غير مشروع أو محاولة اختطاف. وظل هذا الرمز ظاهرًا لفترة طويلة قبل أن تعود الطائرة إلى 7700 أثناء توجهها إلى تبوك.
بحد ذاته، هذا التسلسل لا يناقض الرواية. بل قد يتوافق معها: أزمة تبدأ كحالة طوارئ ثم يتضح أنها تدخل غير مشروع داخل قمرة القيادة. لكن السؤال الذي يحتاج إجابة دقيقة هو: من أدخل رمز 7500؟ ومتى حدث ذلك بالنسبة للحظة الاعتداء والسيطرة على الطائرة؟
هذا التفصيل لا يستطيع موقع تتبع الرحلات حسمه.
ثم تأتي واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل: كيف فُتح باب قمرة القيادة؟
بعد أحداث 11 سبتمبر أصبحت أبواب قمرة القيادة في الطائرات التجارية مصممة للحماية من الاقتحام. الرواية المنقولة عن مسؤولين إسرائيليين تقول إن قائد الطائرة المصاب استطاع تشغيل آلية فتح الباب، ما سمح بدخول الآخرين إلى القمرة. ولا يوجد حتى الآن دليل فني منشور ينفي إمكانية حدوث ذلك، لكن تحديد اللحظة والطريقة التي فتح بها الباب سيكون عنصرًا مركزيًا في التحقيق.
هناك سؤال آخر أثار انتباه المتابعين: وجود طيارين إضافيين تابعين لـ«فلاي دبي» على متن الرحلة.
الروايات المتداولة تشير إلى أن طاقمًا آخر كان مسافرًا ضمن الرحلة وتمكن لاحقًا من تولي القيادة. وجود طيارين يسافرون كركاب ليس أمرًا استثنائيًا في شركات الطيران؛ إذ تنتقل الأطقم بين المدن لأسباب تشغيلية. وبالتالي فإن وجودهما لا يمثل دليلًا على التخطيط المسبق. لكن التحقيق سيحتاج بطبيعة الحال إلى تحديد سبب وجودهما على الرحلة، ومكان جلوسهما، واللحظة التي وصلا فيها إلى قمرة القيادة.
والأكثر غرابة جاء من شهادة أحد الركاب، يانيف حيون، الذي قال إنه دخل القمرة وأمسك لفترة قصيرة بأداة القيادة وسحبها إلى الخلف أثناء هبوط الطائرة قبل وصول طيار مؤهل. وقد أثارت هذه الرواية نقاشًا كبيرًا، لأن طائرة تجارية حديثة لا يمكن قيادتها بصورة طبيعية بواسطة راكب غير مدرب. لكن ما نقل عنه لا يعني أنه «قاد الطائرة» طوال الأزمة؛ الاحتمال المطروح هو أنه قام بحركة مؤقتة على المقود أثناء الفوضى، قبل أن يتولى طيار محترف المهمة. وما إذا كانت هذه الحركة قد أثرت بالفعل في مسار الطائرة لا يمكن إثباته دون بيانات مسجل الرحلة.
وتوجد كذلك مسألة جنسية مساعد الطيار.
مسؤولون إسرائيليون قالوا إنه عماني الجنسية، بينما لم تكن هويته قد أعلنت رسميًا من «فلاي دبي» أو السلطات الإماراتية عند نشر أحدث البيانات التي راجعتها «لقطة AI». بنيامين نتنياهو قال إن إسرائيل تفرض قيودًا على وجود طيارين من دول لا تقيم علاقات دبلوماسية معها على الرحلات المتجهة إليها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن كيفية إسناد الرحلة إليه إن صحت المعلومات المتعلقة بجنسيته. لكن هذه رواية إسرائيلية حتى الآن، وليست نتيجة تحقيق إماراتي أو سعودي منشورة.
وهنا يجب الفصل بين حقيقتين مختلفتين تمامًا.
الأولى هي احتمال أن يكون الهجوم نفسه مدبرًا. وهذا احتمال رسمي مطروح في التحقيق. فالنيابة العامة الإماراتية أعلنت أنها ستتحقق مما إذا كان الحادث مرتبطًا بنشاط إرهابي أو كان نتيجة تخطيط مسبق أو توجيه. وفي المقابل تقول السلطات السعودية إن النتائج الأولية تشير إلى أن مساعد الطيار اعتدى على القائد، ما أدى إلى إصابتهما واضطرار الطائرة للهبوط.
أما الحقيقة الثانية، وهي أن الحادث بأكمله مختلق أو أن الرواية صُنعت مسبقًا لأغراض سياسية أو أمنية، فلا توجد حتى الآن أدلة منشورة تكفي لإثباتها.
بل إن جانبًا كبيرًا من الجدل الذي يدور بين المتابعين نابع من محاولة ملء فراغ المعلومات قبل ظهور البيانات التقنية الكاملة.
حتى الادعاء الإسرائيلي بأن مساعد الطيار كان قد تعرض لـ«تطرف ديني» وأنه كان انتحاريًا لا يزال جزءًا من تقييم أمني إسرائيلي أولي، وليس نتيجة نهائية للتحقيق. نتنياهو نفسه قال إن الاستنتاجات ليست نهائية، بينما نقلت رويترز عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين اعتقادهم الأولي بأنه ربما تصرف بمفرده. كما لم تظهر حتى الآن أدلة رسمية تربطه بإيران أو بجهة خارجية أخرى.
ولهذا فإن الحسم لن يأتي من مقاطع الفيديو ولا من تصريحات السياسيين ولا حتى من خط الرحلة الظاهر على الإنترنت.
هناك أدلة أكثر قوة لم تُنشر بعد: مسجل بيانات الرحلة FDR الذي يستطيع إظهار وضع المقود والموازن والدفة والسرعة الحقيقية وزاوية الطائرة وتشغيل الطيار الآلي والمحركات؛ ومسجل أصوات قمرة القيادة CVR الذي يمكن أن يكشف تسلسل الحوار والصراع داخل القمرة؛ إضافة إلى اتصالات الطائرة مع المراقبة الجوية، وسجل فتح باب قمرة القيادة، والتحقيق الجنائي في الإصابات والأداة المستخدمة في الاعتداء. خبراء الطيران الذين تناولوا الواقعة يشيرون تحديدًا إلى أن هذه البيانات هي التي ستحدد حقيقة ما جرى خلال الثواني الحرجة، وليس بيانات التتبع العامة وحدها.
إذن لماذا تبدو الرواية الحالية غير مكتملة؟
لأننا نملك حتى الآن النتيجة أكثر مما نملك التسلسل الكامل للأحداث. نعرف أن الطائرة فقدت ارتفاعًا هائلًا، وأن رمز الطوارئ تغير إلى رمز التدخل غير المشروع، وأن اشتباكًا وقع داخل القمرة، وأن الطائرة هبطت في تبوك، وأن كلا الطيارين أصيب. لكن ما الذي وقع بالضبط ثانية بثانية داخل القمرة؟ ومن حرك أدوات القيادة في كل مرحلة؟ وكيف فُتح الباب؟ ومتى تولى الطاقم البديل السيطرة؟ هذه أسئلة لم تجب عنها أي رواية بصورة نهائية حتى الآن.
لهذا ربما لا يكون السؤال الصحفي الصحيح في هذه المرحلة: هل الحادث مفبرك؟
السؤال الأدق هو: هل تخفي الرواية الأولية أجزاءً لم يكشفها التحقيق بعد؟
الإجابة، استنادًا إلى ما هو منشور حتى الآن، نعم. هناك أجزاء أساسية ما زالت مجهولة، ولهذا وسعت الإمارات نفسها التحقيق ليشمل التخطيط المسبق والتوجيه المحتمل، وفتحت السعودية تحقيقًا مستقلًا في جوانب السلامة الجوية.
الطائرة هبطت، ونجا ركابها، لكن القصة لم تهبط بعد إلى أرض اليقين.
وعندما تتحدث الطائرة نفسها عبر مسجلاتها السوداء، قد يتبين أن الرواية الأولية كانت صحيحة في جوهرها، أو ناقصة في تفاصيلها، أو أن وراء الدقائق التي عاشها ركاب FZ1073 قصة أكبر مما قيل حتى الآن.
محررو لقطة AI – 9
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات