محررو لقطة AI – 9
7 أكتوبر 2026
بعد أقل من يوم على بروز لقاء نادر جمع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأميركي مسعد بولس باعتباره إشارة إلى إعادة فتح قناة سياسية يمكن أن تقود نحو وقف الحرب، خرج البرهان الثلاثاء برسالة مختلفة تمامًا: لا تفاوض في الوقت الراهن، والحسم سيستمر على الأرض.
وقال البرهان خلال زيارة إلى منطقة أمري الجديدة بمحلية مروي في الولاية الشمالية إنه لا توجد مفاوضات أو تفاهمات تجري خارج مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن الحكومة ستواصل العمل لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
ونقلت عدة وسائل سودانية مستقلة تصريح البرهان بالنص تقريبًا: «ما عندنا تفاوض ولا كلام مع زول»، قبل أن يضيف أن السودان دولة لديها مؤسسات قائمة، وأن هذه المؤسسات هي التي تقرر بشأن «المفاوضات والسلام والحرب».
في الظروف العادية، يمكن قراءة التصريحات باعتبارها تكرارًا لموقف سبق أن أعلنه قائد الجيش أكثر من مرة.
لكن توقيتها يجعلها مختلفة.
بعد بولس مباشرة
قبل ساعات فقط، كان المشهد السياسي يوحي باتجاه معاكس.
فالمبعوث الأميركي مسعد بولس أكد لقاءه البرهان في مصر خلال فعالية استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في اتصال مباشر نادر بين واشنطن وقائد الجيش السوداني.
وقال بولس عقب اللقاء إن الولايات المتحدة تعمل من أجل إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان، وإنها تدعم مسارًا يقود في النهاية إلى حكومة مدنية من خلال حوار سوداني.
اللقاء كان مهمًا لأن العلاقة بين الخرطوم وواشنطن مرت قبل ذلك بأزمة واضحة مرتبطة بتأشيرة البرهان ومقترح أميركي لهدنة مدتها 90 يومًا.
وبالتالي كان مجرد جلوس بولس والبرهان في مكان واحد كافيًا لإثارة السؤال:
هل بدأت العقدة السياسية تتحرك؟
تصريحات أمري الجديدة تجعل الإجابة أكثر تعقيدًا.
هل أغلق البرهان باب بولس؟
ليس بالضرورة.
فالبرهان لم يعلن قطع الاتصالات مع الولايات المتحدة، ولم يهاجم بولس أو المبادرة الأميركية بالاسم.
بل ركز على نقطتين مختلفتين: نفي وجود مفاوضات جارية خارج الدولة، والتأكيد أن مؤسسات السودان الرسمية هي التي تملك قرار الحرب والسلام.
وهذا التفريق مهم.
يمكن أن تستمر الاتصالات السياسية والوساطات وتبادل المقترحات من دون أن تعتبرها الخرطوم «مفاوضات» رسمية مع الدعم السريع.
لكن لغة البرهان لا تترك مجالًا كبيرًا للاعتقاد بأن لقاء مصر أنتج اتفاقًا قريبًا على بدء تفاوض مباشر.
بل تبدو الرسالة أقرب إلى محاولة ضبط التوقعات التي نشأت بعد اللقاء.
واشنطن تريد هدنة.. والخرطوم تريد شروطًا
الخلاف الأساسي معروف.
تدفع الولايات المتحدة باتجاه هدنة إنسانية تمهد لوقف إطلاق النار ثم عملية سياسية أوسع.
أما البرهان فيربط أي تسوية بشروط تتعلق بتجريد قوات الدعم السريع من السلاح وانسحابها من المناطق التي تسيطر عليها وعدم عودتها إلى المشهد العسكري والسياسي بالصورة السابقة.
وفي سبتمبر قال البرهان إنه يرفض الدخول في مفاوضات قبل «الحسم الميداني الكامل» وتفكيك الدعم السريع وتجريده من السلاح.
وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين الطرفين.
واشنطن تريد استخدام وقف النار لفتح الطريق إلى السياسة.
أما موقف قيادة الجيش المعلن فيضع تغييرات عسكرية جوهرية قبل الانتقال إلى التسوية السياسية.
وهذه ليست مشكلة صياغة.
إنها اختلاف في ترتيب خطوات إنهاء الحرب نفسها.
لماذا قالها الآن؟
هناك أيضًا جمهور داخلي يستمع إلى البرهان.
فلقاؤه بالمبعوث الأميركي جاء بعد أسابيع من التوتر مع واشنطن، ولذلك يمكن لأي إشارة إلى تنازل سريع أن تثير اعتراضات داخل المعسكر المؤيد لاستمرار العمليات العسكرية.
والبرهان نفسه يواجه مكونات عسكرية وسياسية وحركات مسلحة تختلف في درجة استعدادها لقبول هدنة مع الدعم السريع.
لذلك يمكن قراءة حديث أمري الجديدة أيضًا باعتباره رسالة للداخل:
اللقاء مع الأميركيين لا يعني أن الجيش ذهب إلى التفاوض.
وهذه الرسالة ربما تكون في هذه اللحظة أهم من الرسالة الموجهة إلى واشنطن.
الميدان يدخل غرفة التفاوض
البرهان أكد أيضًا أن القوات الحكومية ستواصل العمل لاستعادة «كل شبر» من الأراضي التي فقدتها خلال الحرب.
وهذا يربط مباشرة بين المسار السياسي والوضع العسكري.
ففي دارفور وكردفان والنيل الأزرق تستمر العمليات، بينما تحاول الأطراف المختلفة تحسين مواقعها قبل أي تسوية محتملة.
كل طرف يريد أن يصل إلى الطاولة — إذا وصلت الحرب إليها — وهو يحمل أكبر قدر ممكن من الأوراق.
ولهذا فإن الدعوات الدولية لوقف النار تصطدم دائمًا بالسؤال نفسه:
لماذا يتوقف الطرف الذي يعتقد أنه يستطيع تحقيق مكاسب إضافية بالقوة؟
لكن الحرب نفسها تفرض ضغطًا مضادًا
في الجهة الأخرى، الكلفة الإنسانية لم تعد تسمح بقراءة المسألة باعتبارها سباقًا عسكريًا فقط.
الحرب التي بدأت في أبريل 2023 خلقت واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم، فيما تتسع الجبهات حاليًا في كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
وفي النيل الأزرق وحده أعلنت المنظمة الدولية للهجرة الثلاثاء نزوح 1,770 شخصًا إضافيًا من 354 أسرة، لترتفع حصيلة النزوح من قرى ود الماحي خلال ثلاثة أيام إلى نحو 5,525 شخصًا.
أي أن كل يوم يمر قبل التسوية له ثمن مباشر يدفعه المدنيون.
التناقض الظاهري بين القاهرة وأمري
صورة الساعات الأخيرة تبدو متناقضة:
في القاهرة، مبعوث أميركي يلتقي قائد الجيش ويتحدث عن إنهاء الحرب.
وفي أمري، قائد الجيش يقول إنه لا توجد مفاوضات وإن المعركة مستمرة.
لكن هاتين الصورتين قد تكونان في الواقع جزءًا من المرحلة نفسها.
في الحروب الطويلة، تبدأ الاتصالات عادة قبل أن يعترف الأطراف بوجود مفاوضات.
وتستخدم التصريحات العلنية في الوقت نفسه لرفع سقف الشروط وحماية الموقف الداخلي.
لذلك لا يمكن اعتبار تصريحات البرهان دليلًا نهائيًا على موت المسار الأميركي.
لكنها بالتأكيد تقلل التوقعات بأن اللقاء الأخير أحدث اختراقًا سريعًا.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
المؤشر الحقيقي لن يكون خطابًا جديدًا.
سيكون ما يحدث في الأيام المقبلة بين واشنطن والخرطوم.
هل يقدم بولس مقترحًا معدلًا للهدنة؟
هل تستمر الاتصالات المباشرة مع قيادة الجيش؟
هل يظهر تحرك سعودي أو مصري جديد؟
وهل يصدر موقف رسمي من الدعم السريع تجاه المسار الأميركي؟
إذا استمرت الاتصالات رغم خطاب البرهان، فسيكون حديث أمري جزءًا من تفاوض على الشروط لا إعلانًا لنهاية المسار.
أما إذا توقفت القناة التي فُتحت في مصر وعادت الأطراف بالكامل إلى خطاب الحسم العسكري، فسيتبين أن لقاء بولس لم يكن بداية تفاوض، وإنما محاولة لم تنجح في تجاوز العقدة القديمة.
ولهذا فإن التطور المهم اليوم ليس أن البرهان قال للمرة الأولى «لا تفاوض».
قال ذلك من قبل.
الجديد أنه قالها مباشرة بعد أن بدا للعالم أن باب التفاوض بدأ يُفتح.
وهذه المسافة بين الصورة الدبلوماسية في القاهرة والخطاب العسكري في أمري هي المكان الذي ستُختبر فيه المبادرة الأميركية المقبلة.
محررو لقطة AI – 9
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات