بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
2026/7/18
يخيم على السودان اليوم صمتٌ يسبق العاصفة الفكرية. فبينما تتهاوى هياكل الدولة تحت وطأة الحرب وأزمات البنيان، تبدو الأزمة الحقيقية أعمق من مجرد “اختلال في الإدارة” أو صراع على السلطة؛ إنها أزمة “العقل” الذي يُنتج السياسة ويعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. فما نشهده اليوم ليس فقط انهيار مؤسسات أو تعثر مشروع وطني، بل هو انكشاف لمنظومة فكرية ظلت لعقود عاجزة عن مراجعة نفسها، رغم تكرار الإخفاقات.
نحن نعيش لحظة تاريخية فارقة تدفعنا قسراً للسؤال الجوهري: هل ما نمر به هو مجرد تعثر سياسي عابر، أم أنه “انفجار” لخطاب فكري استنفد أغراضه التاريخية، وبات يمثل عائقاً أمام أي محاولة لاستعادة الدولة؟ وهل يمكن إصلاح السياسة دون مراجعة الأدوات الفكرية التي أنتجتها أصلاً؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالحرب وحدها، بل بمستقبل السودان كله، لأن الأمم لا تنهار عندما تخسر معركة عسكرية فحسب، وإنما عندما تعجز عن مراجعة الأفكار التي قادتها إلى تلك المعركة.
أسطورة “الاستثناء” وحصون العزلة
ظل الخطاب الفكري السوداني لسنوات حبيس فكرة “الاستثناء السوداني”، تلك السردية التي حاولت تفسير تعقيداتنا الديموغرافية والقبلية والثقافية بوصفها حالة فريدة لا تشبه محيطها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة -بفعل التكرار- إلى “مخدر” فكري، منح النخب مبرراً دائماً للهروب من المقارنة مع تجارب الآخرين.
لم يعد السؤال المطروح: كيف نجحت دول أخرى في تجاوز الانقسامات وبناء مؤسسات مستقرة؟ بل أصبح: لماذا لا تصلح تلك التجارب للسودان؟
وهكذا، بدلاً من الاستفادة من خبرات الشعوب التي مرت بحروب أهلية أو انتقالات ديمقراطية معقدة، جرى التعامل مع السودان وكأنه حالة استثنائية لا تنطبق عليها قواعد التاريخ أو السياسة أو الاقتصاد.
إن الإيمان المفرط بالخصوصية قد يتحول أحياناً إلى شكل من أشكال العزلة الفكرية. فالخصوصية الثقافية لا تعني الانغلاق، كما أن اختلاف السياقات لا يلغي إمكانية التعلم. والتاريخ الإنساني في جوهره ليس سوى تراكم لتجارب تتشابه في الأسئلة وإن اختلفت في التفاصيل.
لقد أدى هذا الخطاب، بصورة غير مباشرة، إلى تحويل التنوع السوداني من فرصة لبناء دولة متعددة ومتوازنة إلى ذريعة دائمة لتبرير الفشل، حتى أصبح الاختلاف نفسه يُقدَّم بوصفه سبباً لاستحالة بناء الدولة، لا أحد مصادر ثرائها.
النخبة… حين يصبح الماضي “قيداً”
عند النظر في مآلات العلاقة بين الفكر والسياسة، نجد أن الخطاب السوداني ظل طويلاً رهينة للأيديولوجيا التي تفرض إجابات جاهزة، بدلاً من أن يكون فضاءً للأسئلة الجريئة.
فكثير من المدارس الفكرية والسياسية تعاملت مع تراثها باعتباره حقيقة نهائية، لا تجربة بشرية قابلة للمراجعة. ومع مرور الزمن، تحولت أفكار كان يفترض أن تكون أدوات لفهم الواقع إلى قيود تمنع قراءة الواقع نفسه.
لقد عانت النخبة السودانية من “إدمان الماضي”، ليس بمعنى احترام التاريخ، وإنما بمعنى الارتهان له. فأصبحت المرجعيات القديمة أكثر حضوراً من الوقائع الجديدة، وغدا الدفاع عن الإرث الفكري أولوية تتقدم أحياناً على البحث عن حلول للمجتمع.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تخص تياراً بعينه؛ فهي تكاد تمتد بدرجات مختلفة إلى معظم التيارات السياسية والفكرية، حيث تتشابه في تقديس الرموز، وإن اختلفت في أسماء تلك الرموز.
إن الفكر الحي لا يقاس بقدرته على تكرار الإجابات، وإنما بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة.
ولهذا فإن الانتقال من “خطاب التلقين” إلى “خطاب التفكيك” لم يعد ترفاً فلسفياً، بل ضرورة وطنية. فالمجتمعات التي تخشى مساءلة مسلماتها غالباً ما تجد نفسها مضطرة إلى دفع أثمان أكبر عندما يفرض الواقع تلك المراجعة بالقوة.
قداسة الموروث… بين الاحترام والتقديس
المشكلة ليست في احترام التراث، فكل أمة تحتاج إلى ذاكرتها التاريخية، وإنما في تحويل هذا التراث إلى سلطة فوق النقد.
فالموروث، مهما بلغت قيمته، هو نتاج ظرف تاريخي معين، ولهذا ينبغي أن يبقى قابلاً للفحص وإعادة القراءة.
إن الفرق كبير بين أن نستفيد من التاريخ، وبين أن نعيش داخله.
ولعل أحد أسباب تعثر المشروع الوطني السوداني أن كثيراً من النقاشات السياسية لا تزال تُدار بالأدوات نفسها التي كانت سائدة قبل نصف قرن، رغم أن العالم تغير بصورة جذرية، وتغيرت معه طبيعة الدولة، والاقتصاد، والإعلام، والمجتمع، وحتى مفهوم السلطة نفسه.
إن احترام الماضي لا يعني تجميد الحاضر، كما أن الوفاء للهوية لا يعني رفض التحديث.
شجاعة القطيعة… ليست هدماً بل إعادة بناء
إن الدعوة إلى “القطيعة” لا تعني التنكر للهوية أو القطيعة مع التاريخ، بل هي دعوة صريحة للقطيعة مع “آليات التفكير” التي أنتجت الهزيمة المتكررة.
فالقطيعة المقصودة هنا ليست مع الوطن، وإنما مع الذهنية التي جعلت الانتماء القبلي أو الأيديولوجي يتقدم على الانتماء للدولة، ومع الثقافة التي تقيس الولاء قبل الكفاءة، ومع السياسة التي تنظر إلى السلطة باعتبارها غاية لا وسيلة.
إن المجتمعات لا تتقدم لأنها تمتلك تاريخاً عظيماً، وإنما لأنها تمتلك القدرة على مراجعة ذلك التاريخ واستخلاص دروسه.
ولهذا فإن السودان بحاجة إلى مراجعة شجاعة لمفاهيم ظل يتعامل معها بوصفها بديهيات، بينما أثبت الواقع أنها تحتاج إلى إعادة تعريف كامل.
فالقطيعة تعني بوضوح: الانتقال من منطق “القبيلة والأيديولوجيا” إلى رحاب “المواطنة والمساواة”، ومن دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق، ومن الولاءات الضيقة إلى عقد اجتماعي يقوم على سيادة القانون وتكافؤ الفرص.
هل تستطيع الحرب أن تفتح باب المراجعة؟
على قسوة الحروب، إلا أنها كثيراً ما تتحول إلى لحظات مراجعة تاريخية.
لقد أجبرت الحرب الحالية السودانيين على إعادة التفكير في أسئلة كانت مؤجلة لعقود: ما الدولة التي نريدها؟ وما معنى المواطنة؟ ولماذا فشلت النخب في إدارة التنوع؟ وهل كانت الأزمة في الأشخاص، أم في الأفكار التي تحكمهم؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تضيع بمجرد توقف القتال، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو العودة إلى إنتاج الخطاب القديم بالأدوات القديمة.
فإذا انتهت الحرب دون مراجعة فكرية حقيقية، فإن أسبابها ستظل قائمة، حتى وإن تغيرت الوجوه.
جيل ما بعد الحرب… رهان المستقبل
تكمن بارقة الأمل في بروز جيل جديد، جيل ما بعد الحرب، الذي يمارس اليوم “قطيعة صامتة” مع خطاب الآباء والأجداد.
هذا الجيل لا يكترث كثيراً للصراعات الأيديولوجية التي استهلكت السودان لعقود، ولا يرى في الزعامات التاريخية مرجعيات فوق النقد، بل يتعامل معها باعتبارها جزءاً من التجربة الوطنية، لها ما لها وعليها ما عليها.
إنه جيل تشكل وعيه في فضاء رقمي مفتوح، يتواصل مع العالم بصورة مختلفة، ويقارن أوضاع بلده بتجارب أمم أخرى دون عقدة نقص أو شعور بالاستثناء.
ولذلك فإن هذا الجيل يبحث عن الكفاءة أكثر من الشعارات، وعن الدولة أكثر من الزعامة، وعن المستقبل أكثر من اجترار الماضي.
غير أن هذا التحول لن يؤتي ثماره ما لم يجد بيئة سياسية تسمح له بالمشاركة، وتمنحه فرصة تحويل هذا الوعي الجديد إلى مشروع وطني، لا مجرد موقف احتجاجي عابر.
التجديد… بوصفه شرطاً للبقاء
إن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على تجديد أفكارها.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي ترفض مراجعة نفسها غالباً ما تدخل في دوائر متكررة من الأزمات، بينما تنجح الأمم الأخرى لأنها تتعامل مع الفكر بوصفه مشروعاً مفتوحاً لا كتاباً مغلقاً.
ولذلك فإن معركة السودان المقبلة لن تكون معركة السلاح وحده، بل معركة العقل أيضاً.
إنها معركة بين من يرى المستقبل امتداداً للماضي، ومن يؤمن بأن المستقبل يبدأ عندما نمتلك شجاعة مراجعة الماضي دون خوف.
ختاماً
لا يمكن بناء “سودان جديد” بعقلية تصر على العيش في دهاليز “سودان قديم”. إن التجديد ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً نخبويّاً، بل شرطاً من شروط البقاء الوطني.
والمطلوب اليوم ليس إعلان الحرب على التاريخ، ولا التنكر للموروث، وإنما التحرر من قداسة الأفكار عندما تتحول إلى عائق أمام تطور المجتمع. فالأمم التي تتقدم هي تلك التي تحترم ذاكرتها، لكنها لا تسمح لها بأن تقود حاضرها أو تصادر مستقبلها.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحتاج إلى التغيير؟ بل أصبح: هل نملك الشجاعة الفكرية التي تجعلنا نغيّر أنفسنا قبل أن يفرض التاريخ علينا ذلك مرة أخرى؟
لقطة … عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات