محررو لقطة AI – 13
22 سبتمبر 2026
لم تعد خريطة الحرب السودانية تُرسم فقط بمواقع الجيش وقوات الدعم السريع، ولا بالمدن والطرق والمعابر التي يسيطر عليها كل طرف. فهناك خريطة أخرى تتشكل بصمت داخل الأسواق والمصارف وجيوب المواطنين: خريطة الجنيه السوداني نفسه.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، بات السؤال يتجاوز مقدار ما فقده الجنيه من قيمته أمام الدولار إلى سؤال أخطر: هل يظل السودان، رغم انقسام مناطق السيطرة، تحت مظلة نقدية واحدة؟ أم أن استمرار الحرب يدفع البلاد نحو منطقتين نقديتين تستخدمان الاسم نفسه للعملة، لكن بقواعد مختلفة؟
عندما دخلت العملة إلى ساحة الحرب
بدأ التحول بصورة أكثر وضوحًا مع عمليات استبدال العملة التي نفذها بنك السودان المركزي. وفي أبريل 2026 أعلن البنك بدء المرحلة الثانية لاستبدال الطبعات القديمة من فئتي 500 و1000 جنيه في الخرطوم والجزيرة وأجزاء من النيل الأبيض، وانتهت العملية في 15 مايو. وأكد البنك أن الفئات القديمة المستهدفة أصبحت بعد ذلك غير مبرئة للذمة في الولايات التي اكتملت فيها عملية الاستبدال، بينما ظلت صالحة في الولايات التي لم تشملها العملية إلى حين إشعار آخر. (CBOS)
وهنا ظهرت مفارقة غير معتادة: الورقة النقدية نفسها قد تكون مقبولة قانونيًا في منطقة وغير مقبولة في منطقة أخرى داخل الدولة ذاتها.
الأمر لم يعد مجرد إجراء فني لتغيير أوراق نقدية تالفة أو إدخال طبعات أكثر أمانًا. ففي بلد قسمت الحرب مؤسساته وشبكاته المصرفية، اكتسب قرار استبدال العملة بُعدًا سياسيًا وسياديًا واقتصاديًا في الوقت نفسه.
دارفور ومسار نقدي مختلف
في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، أخذ الوضع مسارًا آخر.
ففي يونيو ظهرت تقارير عن تداول أوراق من فئتي 500 و1000 جنيه تحمل توقيع حسين يحيى جنقول، المحافظ السابق لبنك السودان، الذي عُيّن لاحقًا على رأس مؤسسة مصرفية موازية مرتبطة بسلطات «تأسيس». ولم يُحسم بصورة مستقلة حتى الآن مصدر الأوراق التي ظهرت في تلك المناطق؛ إذ طُرحت تفسيرات مختلفة بشأن ما إذا كانت أوراقًا مطبوعة حديثًا أم مخزونًا سابقًا من العملة. (Reuters)
وهذه نقطة مهمة، لأن الحديث عن وجود عملة سودانية جديدة مستقلة بالكامل في مناطق الدعم السريع سيكون سابقًا لما تثبته المعلومات المتاحة.
لكن المؤكد أن السودان يشهد بالفعل مظاهر انقسام نقدي بحكم الأمر الواقع.
جنيه الخرطوم وجنيه دارفور؟
الاسم لا يزال واحدًا: الجنيه السوداني.
لكن القيمة الحقيقية للعملة لا تحددها الكتابة المطبوعة عليها وحدها، وإنما المؤسسة التي تعترف بها، والمصرف الذي يقبلها، والتاجر الذي يستطيع استخدامها، والمنطقة التي يمكن نقلها إليها.
ولهذا فإن أخطر سيناريو ليس بالضرورة إعلان «جنيه دارفور» أو إصدار عملة تحمل اسمًا جديدًا.
يمكن أن يحدث الانقسام بينما تظل العملتان تحملان الاسم نفسه.
إذا أصبحت طبعة معينة مقبولة في مناطق سيطرة الجيش وغير قابلة للتداول في مناطق أخرى، بينما تنتشر أوراق أو وسائل دفع مختلفة في مناطق الدعم السريع، فإن السودان يكون أمام نظامين نقديين فعليين داخل حدود دولة واحدة.
العملات الأجنبية تدخل الفراغ
المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا في المناطق الحدودية.
فقد أفادت تقارير في يونيو بأن معاملات في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع بدأت تستخدم عملات أخرى، بينها الدولار والجنيه الجنوب سوداني وعملات دول الجوار، في ظل اضطراب تداول الجنيه السوداني وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي الرسمي. (Sudan Tribune)
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الانقسام النقدي.
فالعملة الوطنية ليست مجرد وسيلة لشراء الخبز والوقود؛ إنها إحدى أدوات سيادة الدولة. ومن يسيطر على إصدار النقد وتحديد ما هو صالح للتداول وتنظيم المصارف والتحويلات يمتلك جزءًا أساسيًا من أدوات الحكم.
لذلك يصبح الصراع حول الجنيه امتدادًا للصراع حول الدولة نفسها.
المواطن يدفع الثمن مرتين
بالنسبة للسوداني العادي، تبدو هذه المعركة أقل تجريدًا بكثير.
المواطن الذي يحتفظ بمدخراته نقدًا قد يجد أن أوراقه تحتاج إلى الاستبدال. والتاجر الذي ينقل البضائع بين منطقتين قد يواجه اختلافًا في وسائل الدفع. والأسرة التي تتلقى تحويلًا ماليًا قد تحتاج إلى شبكة مصرفية أو إلكترونية لا تعمل بالطريقة نفسها في الجهة الأخرى.
وفوق كل ذلك يأتي انهيار قيمة الجنيه.
ففي مطلع سبتمبر وصل سعر الدولار في السوق الموازية، وفق تجار عملة نقلت عنهم «سودان تربيون»، إلى نحو 7 آلاف جنيه، في مستوى قياسي جديد، بالتزامن مع اضطرابات في خدمات الدفع المصرفي الإلكتروني وارتفاع أسعار السلع الأساسية. (Sudan Tribune)
وبذلك يواجه السوداني خطرين في وقت واحد: عملة تفقد قوتها الشرائية، ونظام نقدي يفقد وحدته الجغرافية والمؤسسية.
هل ينقسم الجنيه رسميًا؟
حتى الآن، الأدق القول إن السودان يشهد انقسامًا نقديًا فعليًا متزايدًا، وليس عملتين وطنيتين معلنتين رسميًا.
بنك السودان المركزي ما زال يصدر قراراته بشأن الجنيه، ونفذ عمليات الاستبدال على مراحل، كما أعلن لاحقًا سحب الفئات الصغيرة من 1 إلى 50 جنيهًا من التداول ضمن إعادة تنظيم التركيبة الفئوية للعملة. (CBOS)
وفي المقابل، أدى ظهور مؤسسات مالية موازية وتداول أوراق مختلفة في مناطق الدعم السريع إلى خلق واقع اقتصادي منفصل جزئيًا عن النظام المصرفي الذي يديره البنك المركزي.
وكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة إعادة دمج هذين المسارين.
فالانقسام النقدي، إذا ترسخ، لا يحتاج إلى حدود مرسومة بالأسلاك الشائكة. يكفي أن يصبح الجنيه الذي يحمله المواطن في نيالا مختلفًا في قبوله واستخدامه عن الجنيه الذي يحمله مواطن في الخرطوم.
عندها تصبح السوق هي التي ترسم الحدود.
المعركة الأخطر قد تكون بلا رصاص
الحروب تبدأ عادة بالسيطرة على الأرض، لكنها حين تطول تنتقل إلى المؤسسات: الضرائب، الجمارك، البنوك، الرواتب، التجارة، ثم العملة.
والسودان يقترب من هذه المرحلة الخطرة.
فالانقسام العسكري يمكن أن ينتهي باتفاق سياسي، لكن إعادة توحيد اقتصاد انقسم لسنوات قد تكون أكثر تعقيدًا. إذ سيتعين عندها تحديد حجم الكتلة النقدية المتداولة، ومصادر الأوراق الموجودة في الأسواق، والالتزامات المصرفية، وأوضاع الحسابات والتحويلات، وكيفية إعادة نظام مصرفي موحد إلى مناطق ظلت تعمل خارج إدارته.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: كم يساوي الجنيه السوداني؟
السؤال الأعمق هو: من يملك سلطة تحديد أي جنيه سوداني هو الجنيه المعترف به؟
وإذا استمرت الحرب في إنتاج مؤسسات مالية متوازية وأسواق منفصلة ووسائل دفع مختلفة، فقد يجد السودان نفسه أمام انقسام اقتصادي يسبق أي إعلان سياسي عن الانقسام.
حينها لن تكون العملة مجرد ضحية للحرب.
ستصبح واحدة من أدواتها.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات