محررو لقطة AI – 4
8 أغسطس 2026
قد يولد شخصان في اليوم نفسه، ويحمل كل منهما جواز سفر صالحًا، لكن أحدهما يستطيع حجز تذكرته والانطلاق إلى معظم العالم، بينما يحتاج الآخر إلى شهور من الإجراءات والمقابلات والضمانات، وقد تنتهي رحلته قبل أن تبدأ بقرار رفض التأشيرة.
هذه الفجوة هي ما يكشفه التحديث الأخير لمؤشر هينلي لجوازات السفر لعام 2026، الذي أبقى سنغافورة في صدارة أقوى جوازات العالم، بينما حققت الإمارات قفزة جديدة وضعتها في المركز الثاني إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية.
وفي الجهة المقابلة، بقيت جوازات الدول التي تعاني الحروب والاضطرابات والعزلة الدبلوماسية في قاع التصنيف، تتقدمها أفغانستان وسوريا والعراق، بينما ظل جواز السفر السوداني ضمن الفئة الأضعف عالميًا.
ولا يقيس المؤشر لون غلاف الجواز أو تكلفة إصداره، بل عدد الوجهات التي يستطيع حامله دخولها من دون الحصول على تأشيرة مسبقة.
سنغافورة تحافظ على العرش
احتفظ جواز السفر السنغافوري بالمركز الأول عالميًا، إذ يستطيع حامله دخول 192 وجهة من دون تأشيرة مسبقة، أو بالحصول على تأشيرة عند الوصول، أو وفق ترتيبات دخول لا تتطلب تقديم طلب تقليدي قبل السفر.
ويعكس استمرار سنغافورة في الصدارة شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية واتفاقات الإعفاء المتبادل، إلى جانب الاستقرار السياسي والاقتصادي والثقة الدولية في أنظمة وثائق السفر والهجرة الخاصة بها.
ولا يعني ذلك أن المواطن السنغافوري يستطيع دخول كل دولة بلا أي إجراء؛ فقد تفرض بعض الوجهات تصريح سفر إلكترونيًا أو شروطًا صحية أو مدة إقامة محددة. لكن العنصر الحاسم في المؤشر هو عدم الحاجة إلى استخراج تأشيرة تقليدية قبل المغادرة.
الإمارات تصعد إلى المركز الثاني
أبرز تحولات تحديث يوليو 2026 كان صعود جواز السفر الإماراتي إلى المركز الثاني عالميًا، متعادلًا مع اليابان وكوريا الجنوبية، بإمكانية دخول 188 وجهة.
وكان جواز الإمارات يحتل المركز الخامس في إصدار يناير 2026، مع إتاحة الوصول إلى 184 وجهة، قبل أن يكسب مزيدًا من الإعفاءات ويتقدم ثلاث مراتب خلال أشهر.
ويمثل الصعود الإماراتي أكبر تحول يسجله المؤشر خلال عشرين عامًا؛ فقد أضاف الجواز الإماراتي 153 وجهة إلى نطاق دخوله من دون تأشيرة مسبقة منذ 2006، وانتقل من موقع متوسط إلى صفوف أقوى جوازات العالم.
ويربط تقرير هينلي هذا التحول باتباع الإمارات سياسة دبلوماسية نشطة، وتوسيع علاقاتها الاقتصادية، وعقد اتفاقات للإعفاء من التأشيرات، وتعزيز موقعها مركزًا عالميًا للتجارة والطيران والاستثمار.
وبهذا أصبحت الإمارات أول دولة عربية تصل إلى المركز الثاني في المؤشر، متقدمة على جميع الجوازات الأوروبية تقريبًا.
ترتيب أقوى خمسة مراكز
وفق تحديث يوليو 2026، جاءت المراكز الخمسة الأولى على النحو التالي:
المركز الأول:
- سنغافورة: 192 وجهة.
المركز الثاني:
- الإمارات العربية المتحدة: 188 وجهة.
- اليابان: 188 وجهة.
- كوريا الجنوبية: 188 وجهة.
المركز الثالث:
- السويد: 187 وجهة.
المركز الرابع:
- بلجيكا: 186 وجهة.
- الدنمارك: 186 وجهة.
- فنلندا: 186 وجهة.
- فرنسا: 186 وجهة.
- ألمانيا: 186 وجهة.
- أيرلندا: 186 وجهة.
- إيطاليا: 186 وجهة.
- لوكسمبورغ: 186 وجهة.
- هولندا: 186 وجهة.
- النرويج: 186 وجهة.
- إسبانيا: 186 وجهة.
المركز الخامس:
- النمسا: 185 وجهة.
- اليونان: 185 وجهة.
- مالطا: 185 وجهة.
- البرتغال: 185 وجهة.
- سويسرا: 185 وجهة.
وتظهر القائمة سيطرة أوروبية واضحة على المراكز العليا، رغم احتفاظ آسيا بالصدارة ونجاح الإمارات في اختراق القمة.
لماذا تتشارك دول كثيرة المركز نفسه؟
لا يمنح مؤشر هينلي كل دولة رقمًا تسلسليًا منفصلًا، بل يسمح بتقاسم المركز عندما تتساوى عدة جوازات في عدد الوجهات المتاحة.
ولهذا قد يضم المركز الرابع 11 دولة، ثم يأتي المركز الخامس مباشرة، من دون احتساب الدول المتعادلة بوصفها مراتب مستقلة.
ويؤدي هذا النظام أحيانًا إلى سوء فهم القوائم المنشورة؛ فوجود دولة في المركز العاشر لا يعني بالضرورة أن تسعة جوازات فقط تتقدم عليها، لأن عشرات الدول قد تتقاسم المراكز السابقة.
كما تتغير الأرقام خلال العام مع توقيع اتفاقات جديدة أو فرض قيود أو إلغائها، ولذلك قد تختلف قائمة يناير عن تحديث يوليو، رغم أنهما تحملان اسم تصنيف 2026.
بريطانيا تتقدم وأميركا تبقى عاشرة
ارتفع جواز السفر البريطاني مرتبة واحدة منذ بداية العام، ليصل إلى المركز السادس، بعد حصول مواطنيه على إعفاءات جديدة تشمل الصين ومالاوي.
كما تقدمت كندا إلى المركز السابع عقب مكاسب مماثلة في نطاق حرية السفر.
أما الولايات المتحدة فبقيت في المركز العاشر، مع إمكانية دخول نحو 180 وجهة من دون تأشيرة مسبقة وفق تحديث يوليو.
ورغم استمرار الجواز الأميركي ضمن المراكز المتقدمة، فإن موقعه يعكس تراجعًا طويل الأمد؛ إذ كان جوازا الولايات المتحدة وبريطانيا يتقاسمان المركز الأول عالميًا في 2014.
ويربط خبراء هذا التراجع بخسارة بعض ترتيبات الدخول، وتباطؤ اتفاقات الإعفاء المتبادل، والتفاوت بين الامتيازات التي يحصل عليها المواطن الأميركي في الخارج وعدد الجنسيات التي تسمح لها الولايات المتحدة بالدخول دون تأشيرة.
ما الذي يجعل جوازًا قويًا؟
قوة الجواز ليست قرارًا منفصلًا تصدره مؤسسة واحدة، بل حصيلة شبكة كبيرة من العلاقات.
فعندما تقرر دولة إعفاء جنسية معينة من التأشيرة، تضع في حساباتها الاستقرار السياسي والأمني، ومستوى الدخل، واحتمال بقاء الزائر بصورة غير قانونية، وموثوقية وثائق السفر، والعلاقات الدبلوماسية، وحجم التجارة والسياحة بين البلدين.
كما تلعب المعاملة بالمثل دورًا مهمًا؛ فالدول تميل إلى منح تسهيلات لمواطني الدول التي تقدم امتيازات مشابهة لمواطنيها.
ولهذا لا تعكس قوة الجواز ثراء المواطن الفردي أو قدراته الشخصية، بل مقدار الثقة التي يمنحها النظام الدولي للدولة التي أصدرت وثيقته.
أفغانستان في ذيل القائمة
في الطرف الآخر من التصنيف، ظل جواز السفر الأفغاني الأضعف عالميًا، مع إمكانية دخول نحو 22 وجهة فقط دون تأشيرة مسبقة وفق أحدث القوائم المنشورة في يوليو.
ويأتي الجواز السوري في المرتبة التالية من القاع، مع الوصول إلى نحو 25 وجهة، ثم العراق بنحو 28 وجهة.
ويشترك جوازا باكستان واليمن في موقع متأخر مع إتاحة الدخول إلى نحو 30 وجهة، ثم تأتي الصومال ضمن مجموعة الجوازات شديدة المحدودية.
وتتغير الأعداد نقطة أو نقطتين بين تحديث وآخر، لكن ترتيب القاع يظل مستقرًا نسبيًا، حيث تتركز فيه دول تعاني الحروب والانهيار المؤسسي والعقوبات وضعف العلاقات الدبلوماسية.
أين يقف جواز السودان؟
ظل جواز السفر السوداني ضمن أضعف جوازات العالم في تصنيفات 2026، مع إمكانية الوصول إلى قرابة 41 وجهة من دون تأشيرة مسبقة أو بتأشيرة عند الوصول، وفق القوائم المقارنة المتاحة.
ويضع ذلك السودان في مرتبة متأخرة، بالقرب من جنوب السودان ودول أخرى تواجه نزاعات واضطرابات سياسية واقتصادية.
ويبلغ الفارق بين جوازي سنغافورة والسودان نحو 151 وجهة. وبمعنى آخر، يستطيع حامل الجواز السنغافوري الوصول بسهولة إلى عدد من الوجهات يزيد بأكثر من أربعة أضعاف ما يتاح لحامل الجواز السوداني.
لكن الرقم لا يروي المعاناة كاملة؛ فالحصول على تأشيرة لا يعتمد على الجواز وحده، بل قد يتطلب إثباتات مالية وحجوزات وتأمينًا طبيًا وخطاب عمل أو دعوة، إلى جانب القدرة على الوصول إلى سفارة تعمل وتقدم خدماتها للسودانيين.
ومع إغلاق بعثات دبلوماسية أو انتقالها خارج السودان خلال الحرب، أصبحت إجراءات السفر أكثر تكلفة وتعقيدًا، حتى بالنسبة إلى من يستوفون شروط التأشيرة.
الجواز بوصفه خريطة لعدم المساواة
يكشف المؤشر تفاوتًا عالميًا يتجاوز السياحة. فقوة جواز السفر تؤثر في فرص التعليم والعمل والعلاج والاستثمار وحضور المؤتمرات ولمّ شمل الأسر والوصول إلى ملاذ آمن عند وقوع الأزمات.
ويستطيع حامل الجواز القوي اتخاذ قرار السفر خلال أيام، بينما يتحمل صاحب الجواز الضعيف رسومًا مرتفعة ويجمع ملفات طويلة، وقد يسافر إلى دولة ثالثة لإجراء مقابلة، من دون ضمان الحصول على التأشيرة.
ولا يختار الإنسان جوازه عند الولادة، لكنه قد يجد فرصه المستقبلية محكومة بالحدود التي يسمح له ذلك الجواز بعبورها.
وتزداد المفارقة حين يكون صاحب الجواز الضعيف بحاجة أكبر إلى السفر بسبب الحرب أو تراجع التعليم والعلاج، في الوقت الذي تواجه فيه جنسيته قيودًا أشد بسبب الظروف نفسها التي تدفعه إلى المغادرة.
ماذا يقيس مؤشر هينلي؟
يصنف المؤشر 199 جواز سفر مقابل 227 وجهة، اعتمادًا على بيانات «تيماتيك» التابعة للاتحاد الدولي للنقل الجوي، وهي قاعدة تستخدمها شركات الطيران للتحقق من متطلبات السفر.
ويحصل الجواز على نقطة عندما يستطيع حامله دخول الوجهة من دون تأشيرة مسبقة، أو الحصول على تأشيرة عند الوصول، أو استخدام ترتيب دخول لا يتطلب موافقة قنصلية قبل الرحلة.
أما إذا كان المسافر مضطرًا إلى تقديم طلب والحصول على تأشيرة قبل المغادرة، فلا يحصل الجواز على نقطة لتلك الوجهة.
ولا يقيس المؤشر جودة الحياة أو الحقوق المدنية أو الضرائب أو إمكانية حمل جنسية مزدوجة، ولذلك قد تختلف نتائجه عن مؤشرات أخرى تستخدم معايير أوسع للحكم على قيمة الجنسية.
الخاتمة
يبدو تصنيف الجوازات في ظاهره قائمة للسفر، لكنه في جوهره خريطة لتوزيع الثقة والفرص في العالم.
تتصدر سنغافورة لأنها بنت شبكة تفتح لمواطنيها 192 بابًا، بينما وصلت الإمارات إلى المركز الثاني بعد مسار دبلوماسي طويل وسريع. وفي المقابل، يبقى مواطنو الدول الغارقة في الحروب مطالبين بإثبات أهليتهم لعبور كل باب تقريبًا.
الجواز لا يقول من هو الإنسان، لكنه يحدد إلى حد بعيد الأماكن التي يستطيع الوصول إليها قبل أن تتاح له فرصة تعريف نفسه.
وبين سنغافورة وأفغانستان فجوة تبلغ نحو 170 وجهة، تختصر عالمًا يُقال إن حدوده أصبحت أكثر انفتاحًا، بينما تظل حرية الحركة فيه امتيازًا تحدده صدفة مكان الميلاد.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات