الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

حرب الذهب على الحدود المصرية.. قرارات سودانية تطارد «الذهّابة» وتعيد شبكة حميدتي إلى الواجهة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

حرب الذهب على الحدود المصرية.. قرارات سودانية تطارد «الذهّابة» وتعيد شبكة حميدتي إلى الواجهة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19

5 أغسطس 2026

لم تعد مناطق تعدين الذهب في السودان مجرد مواقع اقتصادية بعيدة عن جبهات القتال، بل تحولت إلى ساحات تتقاطع فيها الأسلحة والتهريب وتمويل الحرب وحركة الجماعات المسلحة عبر الحدود. وفي أحدث محاولة لإعادة السيطرة على هذا القطاع، أصدر مجلس الأمن والدفاع السوداني حزمة قرارات تستهدف الوجود المسلح داخل مناطق التعدين وشبكات تهريب الذهب، بالتزامن مع تحركات أمنية على الحدود السودانية المصرية لملاحقة التعدين غير القانوني.

وتأتي الإجراءات بعد أسابيع من توقيف السلطات المصرية مئات الأشخاص قرب الحدود مع السودان بتهم تتعلق بالتعدين غير المشروع والتهريب، بينهم أجانب لم تكشف القاهرة جنسياتهم جميعاً. كما أعلنت مصادرة كميات كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة في التنقيب، بينما حذرت من أنها ستستخدم الوسائل المتاحة للتعامل مع أي تهديدات حدودية. 

قرارات لإخراج السلاح من مناطق التعدين

قرر مجلس الأمن والدفاع، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، حظر وجود منسوبي القوات النظامية والقوات المساندة في مناطق التعدين، مع مصادرة الأسلحة والمركبات العسكرية التي توجد داخل هذه المناطق بالمخالفة للقرار.

كما وجّه المجلس بتشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم تهريب الذهب والأسلحة والاتجار بالبشر والمخدرات، ضمن خطة أوسع لمواجهة شبكات الجريمة المنظمة التي توسعت خلال سنوات الحرب واستفادت من ضعف الرقابة على الحدود وانهيار عدد من مؤسسات الدولة. 

ولا يقتصر القرار على قوات الدعم السريع أو المجموعات المرتبطة بها، بل يشمل منسوبي الجيش والقوات الأمنية والتشكيلات المساندة كافة. ويكشف ذلك اعترافاً رسمياً بأن مشكلة الذهب المسلح لا تتعلق بطرف واحد فقط، وأن بعض مناطق الإنتاج أصبحت تضم مجموعات ترتدي الزي العسكري أو تستخدم المركبات والأسلحة النظامية لحماية المناجم وفرض الرسوم وتأمين مسارات التهريب.

من هم «الذهّابة»؟

يُستخدم مصطلح «الذهّابة» محلياً لوصف العاملين في التعدين الأهلي والتنقيب التقليدي عن الذهب. لكن الحرب غيّرت طبيعة جزء من هذا النشاط، إذ ظهرت مجموعات مسلحة تتنقل بين مناطق التعدين والحدود، وتحوز أجهزة تنقيب ومركبات دفع رباعي وأسلحة، وتعمل أحياناً ضمن شبكات تهريب تتجاوز الحدود الوطنية.

ولا يعني ذلك أن جميع المعدّنين التقليديين ينتمون إلى قوات الدعم السريع أو إلى جماعات إجرامية، فالتعدين الأهلي يوفر مصدر دخل لمئات الآلاف من السودانيين. غير أن غياب الدولة في مناطق واسعة سمح بتداخل المعدّنين المدنيين مع عناصر مسلحة وتجار حرب ووسطاء يعملون في شراء الذهب ونقله خارج القنوات الرسمية.

وفي يونيو الماضي، أعلنت السلطات المصرية توقيف 223 شخصاً، بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، في حملة قرب الحدود السودانية استهدفت التعدين والتهريب غير القانونيين. وفي أعقاب الحملة، دعا البرهان المواطنين السودانيين إلى عدم التحرك نحو الحدود بما قد يسبب مشكلات مع دول الجوار، وأكد أن حكومته تعمل على مكافحة التعدين غير المشروع والتهريب. 

الذهب في صعود حميدتي

تعيد هذه التطورات إلى الواجهة العلاقة القديمة بين الذهب وقوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي».

وكانت صحيفة «الغارديان» البريطانية قد ذكرت في تقرير نشرته عام 2020 أن استيلاء قوات الدعم السريع على منجم جبل عامر في دارفور عام 2017 جعل حميدتي واحداً من أغنى رجال السودان، كما أشارت إلى سيطرة القوات وشركات مرتبطة بعائلة دقلو على مواقع أخرى لإنتاج الذهب. 

وأصبح جبل عامر نقطة تحول في بناء الاستقلال المالي لقوات الدعم السريع، إذ لم تعد تعتمد بصورة كاملة على مخصصات الدولة، بل امتلكت مورداً اقتصادياً يمكّنها من تمويل قواتها وشراء المركبات والأسلحة وتوسيع شبكاتها التجارية داخل السودان وخارجه.

كما برزت شركة «الجنيد للأنشطة المتعددة» بوصفها الواجهة التجارية الأهم لعائلة دقلو. وتعمل الشركة عبر قطاعات عدة، من بينها التعدين وتجارة الذهب.

العقوبات الأميركية بدأت في 2023

على خلاف بعض التقارير التي تربط العقوبات بعام 2024، فرضت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات الأساسية على شركة «الجنيد» في يونيو 2023، بعد أقل من شهرين على اندلاع الحرب.

وقالت الوزارة إن الشركة تخضع لسيطرة حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، وإن تعدين الذهب وتصديره أصبحا مصدراً حيوياً لإيرادات عائلة دقلو وقوات الدعم السريع منذ السيطرة على جبل عامر. وشملت العقوبات في اليوم نفسه شركات مرتبطة بالجيش السوداني أيضاً، في إطار استهداف الموارد التي تمكّن الطرفين من مواصلة القتال. 

ويؤكد هذا التوازن في العقوبات أن اقتصاد الذهب لا يمول قوات الدعم السريع وحدها، بل يمثل جزءاً مركزياً من اقتصاد الحرب لدى المعسكرين، مع اختلاف مناطق السيطرة ومسارات التصدير والشركات والوسطاء.

1,273 كيلوغراماً من مصفاة الخرطوم

في فبراير 2024، اتهم وزير المعادن السوداني قوات الدعم السريع بالاستيلاء على 1,273 كيلوغراماً من الذهب ونحو 15 طناً من الفضة من مصفاة السودان للذهب في الخرطوم خلال الأيام الأولى للحرب.

وتبقى هذه الأرقام اتهامات صادرة عن الحكومة السودانية ولم تخضع لتحقيق مستقل معلن، لكنها تكشف حجم المخزون الذي كان موجوداً داخل مؤسسات الدولة، ومدى أهمية السيطرة على المصافي والمخازن في تمويل العمليات العسكرية. 

كما اتهم مصدر حكومي في نوفمبر 2025 قوات الدعم السريع بنقل ذهب من دارفور وكردفان تتجاوز قيمته 850 مليون دولار خلال عام 2024 وبداية 2025. ونفت جهة سياسية متحالفة مع الدعم السريع هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها محاولة لتشويه القوات، ما يجعل الرقم موضع نزاع سياسي ويصعب التحقق منه بصورة مستقلة. 

الذهب ينتقل من ملف اقتصادي إلى تهديد أمني

المشكلة التي تواجه الحكومة ليست فقط خروج الذهب من البلاد دون دفع الرسوم، بل تحوله إلى عملة لشراء السلاح وتمويل المقاتلين وبناء تحالفات عابرة للحدود.

ويُباع جزء من الذهب بعيداً عن بنك السودان والقنوات الرسمية، ثم يُنقل عبر مسارات برية أو جوية إلى أسواق خارجية. وفي المقابل، تعود العائدات في صورة نقد أو وقود أو مركبات أو أسلحة أو خدمات لوجستية.

ولهذا لم يعد التعامل مع التعدين غير القانوني من اختصاص وزارة المعادن وحدها، بل أصبح ملفاً يضم الجيش والمخابرات والشرطة والجمارك والقضاء وإدارات الحدود.

وتشير تقديرات أوردتها تقارير دولية إلى أن أكثر من نصف الذهب المنتج في السودان يخرج عبر التهريب، وهو ما يحرم الخزينة العامة من مليارات الدولارات ويمنح شبكات الحرب مصادر تمويل يصعب تعقبها. 

أوروبا تستهدف اقتصاد الحرب

وفي يوليو 2026، وسّع الاتحاد الأوروبي عقوباته على السودان لتشمل حظر شراء الذهب السوداني أو استيراده أو نقله، إلى جانب تقييد تصدير الزئبق والسيانيد المستخدمين في عمليات التعدين.

وبرر الاتحاد الأوروبي الإجراءات بأن الذهب أصبح مصدراً رئيسياً للإيرادات التي تساهم في استمرار الحرب، وأن استهداف تجارته يهدف إلى تقليص الموارد المتاحة للأطراف التي تغذي القتال. 

غير أن حظر الذهب السوداني بصورة واسعة قد يدفع مزيداً من التجارة إلى السوق السوداء إذا لم تُنشأ قنوات قانونية شفافة تسمح بتصدير إنتاج المعدّنين المدنيين، وتمنع في الوقت نفسه وصول العائدات إلى الجماعات المسلحة.

اختبار التنفيذ

تكمن أهمية قرارات مجلس الأمن والدفاع في أنها للمرة الأولى تضع القوات النظامية والمساندة تحت حظر واحد داخل مناطق التعدين. لكن نجاحها لن يُقاس بإعلانها، بل بقدرة الدولة على إخراج المسلحين فعلياً، وضبط المطارات والطرق والأسواق، ومراقبة شركات الشراء والتصدير.

كما يتطلب التنفيذ حماية المعدّنين المدنيين من الابتزاز، وإنشاء أسواق رسمية تدفع أسعاراً منافسة، ومنع احتكار الذهب بواسطة شركات أو جهات عسكرية جديدة تحل مكان الشبكات القديمة.

فمن دون إصلاح منظومة الإنتاج والشراء والتصدير، قد تؤدي ملاحقة «الذهّابة» إلى تغيير أسماء المسيطرين فقط، بينما يبقى الذهب خارج الخزينة العامة ويواصل تمويل الحرب.

وما يجري على الحدود المصرية ليس حادثاً منفصلاً، بل جزء من صراع أكبر على المعدن الذي صنع ثروات ونفوذاً عسكرياً، وأصبح أحد أهم الأسباب التي تمنح الحرب السودانية القدرة على الاستمرار.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً