محررو لقطة 13
الخرطوم – 22 أكتوبر 2026
في أكتوبر من كل عام، تتجه حملات التوعية بسرطان الثدي إلى الفحص المبكر، لكن الحرب غيّرت معنى الشهر بالنسبة إلى نساء سودانيات يواجهن المرض والنزوح معاً. لم تعد المشكلة في الوصول إلى معلومة عن الفحص وحدها؛ فالمريضة قد تحتاج إلى مالٍ للسفر، ومركزٍ يعمل، ودواءٍ متاح، وطريقٍ آمن يتيح لها استكمال العلاج.
في كسلا، حيث استقبلت المدينة نازحين من مناطق مختلفة، تتحدث إسراء عن تبدّل يومياتها منذ اندلاع الحرب. كان القلق من المرض حاضراً، ثم انضم إليه قلق من اتساع القتال والضغط على الخدمات. وبالنسبة إلى مريضة تحتاج إلى متابعة منتظمة، لا يعني النزوح تغيير مكان الإقامة فقط؛ بل قد يعني الانقطاع عن الطبيب، وفقدان القدرة على دفع كلفة التنقل، أو تأجيل جرعة علاجية. ونقلت «سودان تمورو» شهادتها ضمن تقرير عن نساء يواجهن المرض في ظل الحرب.
وتتضاعف الصعوبات أمام النساء اللواتي اضطررن إلى مغادرة بيوتهن من دون موارد كافية. فالمسافة إلى مركز العلاج، التي قد تكون مرهقة في الظروف العادية، تصبح أكثر قسوة حين ترتبط بنقاط التفتيش وتكاليف المواصلات وعدم اليقين بشأن مكان الإقامة. كما أن فقدان الدخل يضع الأسرة أمام خيارات مؤلمة بين احتياجات يومية عاجلة وكلفة الفحوص أو العلاج.
وتقول نساء عاملات في مبادرات توعية إن لقاءاتهن في الأحياء ومراكز الإيواء لا تقتصر على الحديث عن سرطان الثدي. فالحاجة تشمل أيضاً توفير الخصوصية، والإجابة عن الأسئلة الصحية، وربط النساء بالخدمات المتاحة. وبحسب التقرير، توسعت مبادرة «لها» إلى مناطق الإيواء، حيث صار الوصول إلى النساء النازحات جزءاً أساسياً من العمل التوعوي.
لكن الحرب لا تبدأ الأزمة الصحية من الصفر. فقد رصدت دراسة نُشرت عام 2025، واستندت إلى بيانات 250 مريضة في مستشفى الخرطوم للأورام جُمعت قبل اندلاع القتال، عوامل مرتبطة بالتأخر في طلب الرعاية، بينها ضعف المعرفة، والضائقة المالية، والخوف من التشخيص أو الجراحة، واللجوء إلى علاجات بديلة. وتوضح الدراسة أن هذه العوامل كانت قائمة قبل الحرب؛ أما النزاع فقد أضاف إليها تعطّل الخدمات والنزوح وصعوبة الوصول إلى المرافق الطبية.
وفي المقابل، عادت بعض المبادرات إلى العمل رغم الظروف الصعبة. ففي أكتوبر الجاري، استأنف مستشفى الخرطوم لعلاج الأورام، المعروف بمستشفى الذرة، فعاليات توعية وفحوصاً مبكرة مجانية. وقالت مسؤولة بالمستشفى إن المركز يستقبل نحو 16 إلى 17 حالة يومياً، تشمل مراجعات وفحوصاً للكشف المبكر، بينما واجهت مريضات أخريات صعوبة في استكمال مسارات علاجهن بعد توقف الخدمات وفقدان بعضهن سجلات المتابعة. هذه العودة تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تعني أن الخدمات باتت متاحة بسهولة لكل النساء في السودان.
وتبرز الحاجة إلى استعادة خدمات الأورام ضمن أزمة أوسع أصابت النظام الصحي. ففي تقييمها للوضع الصحي في السودان، قالت منظمة الصحة العالمية إن مرافق كثيرة تعرضت للتدمير أو النهب، أو تعمل بنقص حاد في العاملين والأدوية والمعدات والإمدادات. كما أشارت إلى أن انعدام الأمن والنزوح وضعف الوصول إلى المنتجات الصحية ما زالت تعرقل تقديم الرعاية في البلاد.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول التوعية إلى مطالبة النساء بتحمّل مسؤولية النجاة وحدهن. فالفحص المبكر مهم، لكن أثره يظل محدوداً إذا لم تتوافر جهة طبية تستقبل المريضة، وفحوص تشخيصية، وعلاج يمكن استكماله، ومعلومات واضحة عن أماكن تقديم الخدمة. كذلك فإن ملاحظة تغيّر في الثدي تستدعي مراجعة مختص صحي؛ والتوعية الذاتية لا تغني عن التقييم الطبي.
أكتوبر هذا العام يحمل لوناً وردياً في حملات التوعية، لكنه يكشف أيضاً عن واقع أكثر تعقيداً: نساء يحاولن حماية صحتهن وسط النزوح، وتراجع الدخل، وتقطع العلاج. وما تحتاجه المريضات ليس يوماً توعوياً عابراً، بل رعاية مستمرة تصل إليهن حيثما كنّ، وتضمن ألا تصبح الحرب سبباً إضافياً لتأخر التشخيص أو انقطاع العلاج.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
المصادر خارج المتن: «سودان تمورو»؛ وكالة JINHA؛ دراسة منشورة في Breast Cancer: Targets and Therapy؛ منظمة الصحة العالمية.
التعليقات
0 تعليقات