محررو لقطة AI
31 أكتوبر 2026
حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» من تزايد احتمالات تفشي حمى الوادي المتصدع في مناطق واسعة من شرق أفريقيا خلال الأشهر المقبلة، نتيجة التغيرات المناخية المرتبطة بظاهرة «النينيو»، وما يصاحبها من أمطار غزيرة وفيضانات تساعد على تكاثر البعوض الناقل للمرض.
وجاء التحذير في بيان رسمي صدر الجمعة 30 أكتوبر 2026، استنادًا إلى أحدث نتائج أنظمة الإنذار المبكر التي تستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية والتوقعات المناخية والمعلومات الوبائية لتحديد المناطق المعرضة لانتشار الأمراض الحيوانية التي يمكن أن تنتقل إلى الإنسان.
وكشفت التوقعات عن ارتفاع الظروف الملائمة لانتقال الفيروس في عدد من دول شرق أفريقيا، خصوصًا إثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2026 إلى يناير 2027.
كما أظهرت النماذج المناخية وجود مناطق في جنوب السودان، داخل الحدود السودانية، أصبحت ظروفها البيئية أكثر ملاءمة لانتشار البعوض الناقل للمرض، رغم أن السودان لم يُدرج ضمن الدول الست التي تواجه أعلى مستويات الخطر الإقليمي.
ويمثل هذا التفصيل أهمية خاصة، لأنه يشير إلى احتمال تعرض بعض المناطق السودانية لمخاطر صحية وبيطرية إضافية، في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار أجزاء واسعة من النظام الصحي، وتعطل خدمات الرقابة البيطرية، واستمرار النزوح السكاني بسبب الحرب.
لكن المنظمتين لم تعلنا تسجيل تفشٍ جديد مؤكد لحمى الوادي المتصدع داخل السودان نتيجة الظروف المناخية الحالية، ولذلك فإن التحذير يمثل تقييمًا استباقيًا للمخاطر، وليس إعلانًا عن انتشار وبائي قائم.
لماذا تثير ظاهرة النينيو مخاوف صحية؟
ترتبط حمى الوادي المتصدع ارتباطًا وثيقًا بالتغيرات المناخية، خصوصًا الأمطار الغزيرة والفيضانات التي تؤدي إلى تجمع المياه وتهيئة بيئة مناسبة لتكاثر أنواع من البعوض القادر على نقل الفيروس.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الظروف المناخية المتوقعة خلال الأشهر المقبلة تشبه بعض جوانب الظروف التي شهدتها المنطقة بين عامي 1997 و1998، عندما تعرض شرق أفريقيا لواحدة من أكبر موجات انتشار حمى الوادي المتصدع المسجلة.
وتوضح التوقعات الجديدة أن أجزاء من إثيوبيا وكينيا والصومال قد تشهد هطول أمطار كثيفة، مع احتمال يتجاوز 90% لتلقي أكثر من 400 مليمتر من الأمطار في بعض المناطق.
وفي المقابل، تتوقع النماذج استمرار ظروف أكثر جفافًا في مناطق من السودان، رغم تسجيل تحسن نسبي في الأمطار خلال الأسابيع الأخيرة في أجزاء من جنوب البلاد.
ويكشف هذا التباين عن الطبيعة المعقدة لتأثيرات النينيو، التي يمكن أن تتسبب في الجفاف الشديد في منطقة، بينما تؤدي إلى فيضانات واسعة في منطقة أخرى.
وبالنسبة إلى السودان، فإن هذه التطورات تعني احتمال مواجهة تحديين متزامنين: تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني بسبب نقص الأمطار في بعض الولايات، وارتفاع المخاطر المرتبطة بالأمراض المنقولة بواسطة البعوض في مناطق أخرى.
ما حمى الوادي المتصدع؟
حمى الوادي المتصدع مرض فيروسي يصيب بصورة أساسية الحيوانات، خصوصًا الأبقار والأغنام والماعز والإبل، ويمكن أن ينتقل إلى الإنسان.
ويحدث انتقال العدوى عادة عبر لدغات البعوض المصاب، أو من خلال ملامسة دماء الحيوانات المصابة وأنسجتها وسوائلها أثناء الذبح أو التعامل البيطري.
ويتعرض الرعاة والمزارعون والعاملون في المسالخ والأطباء البيطريون لمخاطر أعلى نتيجة طبيعة أعمالهم واتصالهم المباشر بالحيوانات.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن معظم الإصابات البشرية تكون خفيفة أو لا تظهر عليها أعراض واضحة، لكن نسبة صغيرة من المصابين قد تتعرض لمضاعفات خطيرة تشمل النزيف واضطرابات الجهاز العصبي ومشكلات البصر.
ولم توثق المنظمة حتى الآن انتقال المرض مباشرة من إنسان إلى آخر.
أما في الحيوانات، فقد يؤدي المرض إلى نفوق أعداد كبيرة من المواليد الصغيرة وحدوث حالات إجهاض واسعة بين الإناث الحوامل، ما يتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة للمربين.
وتزداد أهمية هذه المخاطر في المجتمعات الريفية التي تعتمد على الثروة الحيوانية مصدرًا رئيسيًا للغذاء والدخل.
السودان بين الجفاف ومخاطر الأمراض الحيوانية
تأتي التحذيرات الجديدة في وقت يواجه فيه السودان أزمة مناخية وإنسانية متفاقمة.
فقد حذرت الأمم المتحدة خلال أكتوبر من أن نقص الأمطار في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان يهدد الإنتاج الزراعي والمراعي، ويزيد احتمالات تدهور الأمن الغذائي.
كما أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو يؤثر في نحو نصف البلاد، ما يزيد الضغوط على المجتمعات التي تعاني أصلًا من النزوح وانقطاع الخدمات.
وتواجه الثروة الحيوانية السودانية تحديات متعددة تشمل نقص الأعلاف والمياه، وصعوبة نقل الحيوانات بين مناطق الرعي والأسواق، وتعطل الخدمات البيطرية في المناطق المتأثرة بالقتال.
ومن شأن ظهور أي تفشٍ واسع لحمى الوادي المتصدع أن يضيف ضغوطًا جديدة على المربين، خصوصًا إذا أدى إلى نفوق الحيوانات أو فرض قيود على حركتها وتجارتها.
لكن حجم الخطر الاقتصادي الفعلي لا يمكن تقديره قبل معرفة ما إذا كانت الظروف البيئية الملائمة ستتحول إلى إصابات مؤكدة، ومدى قدرة الجهات المختصة على اكتشاف الحالات مبكرًا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الاستعداد المبكر يمثل خيارًا أقل تكلفة من انتظار ظهور إصابات واسعة ثم محاولة احتوائها.
كيف يمكن اكتشاف الخطر قبل ظهور الوباء؟
تعتمد منظمة الأغذية والزراعة على أداة متخصصة للإنذار المبكر تستخدم صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الأمطار ودرجات الحرارة والغطاء النباتي، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالأمراض الحيوانية.
وتسمح هذه الأداة بتحديد المناطق التي قد تصبح مناسبة لانتشار البعوض والفيروس قبل أشهر من احتمال حدوث التفشي.
لكن التوقعات لا تعني أن الإصابة ستحدث بالضرورة، لأنها تحدد الظروف البيئية التي تسمح بانتقال المرض، وليس وجود الفيروس بصورة مؤكدة في كل منطقة مصنفة عالية الخطورة.
ولهذا دعت «فاو» و«إيغاد» الحكومات إلى تعزيز أنظمة المراقبة الصحية والبيطرية، وتوفير اللقاحات البيطرية والمعدات الأساسية في المناطق المعرضة للخطر، وتطوير التنسيق بين السلطات الصحية والبيطرية والبيئية.
ويستند هذا النهج إلى مفهوم «الصحة الواحدة»، الذي يقوم على أن صحة الإنسان والحيوان والبيئة مترابطة، وأن مكافحة الأمراض المشتركة تتطلب تعاون المؤسسات المعنية بهذه المجالات.
وتبرز أهمية هذا النهج في المناطق الحدودية، حيث تتحرك قطعان الماشية والسكان بين الدول بحثًا عن المراعي والمياه والأسواق.
هل يمتد الخطر إلى البحر الأحمر والجزيرة العربية؟
لم تقتصر التوقعات الجديدة على دول القرن الأفريقي.
فقد أشارت المنظمتان إلى ارتفاع محدود لكنه متزايد في المخاطر ببعض مناطق جنوب غرب السعودية وغرب اليمن، إلى جانب مناطق أخرى في المحيط الهندي.
ويعكس ذلك اتساع النطاق الجغرافي للظروف المناخية التي قد تساعد على انتشار المرض.
لكن هذا لا يعني تسجيل إصابات جديدة في جميع هذه المناطق، وإنما يشير إلى الحاجة إلى تعزيز المراقبة والاستعداد.
كما أن انتقال المرض عبر الحدود قد يرتبط بحركة الحيوانات المصابة أو الناقلات الحشرية، وهو ما يجعل التعاون الإقليمي ضروريًا لحماية الثروة الحيوانية والصحة العامة.
ما الذي ينبغي متابعته في السودان؟
تتمثل الأولوية في معرفة ما إذا كانت السلطات السودانية ستصدر تقييمًا وطنيًا للمخاطر استنادًا إلى التحذير الجديد، خصوصًا في الولايات الجنوبية والمناطق الحدودية مع جنوب السودان وإثيوبيا.
كما ينبغي متابعة جاهزية المختبرات البيطرية، ومدى توافر وسائل التشخيص والمراقبة، وقدرة السلطات على رصد حالات النفوق غير المعتادة والإجهاض الجماعي بين الحيوانات.
ومن المهم أيضًا توفير معلومات واضحة للمربين بشأن طرق الوقاية، وتشجيع الإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بها، وتجنب التعامل غير الآمن مع الحيوانات المريضة أو النافقة.
وسيكون التنسيق بين وزارات الصحة والثروة الحيوانية والجهات الإقليمية ضروريًا لتبادل المعلومات وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر.
إن التحذير الجديد من حمى الوادي المتصدع لا يعني أن السودان يواجه وباءً مؤكدًا، لكنه يكشف عن خطر محتمل يستحق الاستعداد قبل تحوله إلى أزمة صحية واقتصادية.
وفي بلد تتداخل فيه الحرب والجفاف والنزوح وتدهور الخدمات الأساسية، قد يصبح الاكتشاف المبكر للأمراض الحيوانية والبشرية أحد أهم وسائل حماية المجتمعات الريفية ومصادر معيشتها.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في تغير المناخ وحده، وإنما في ضعف القدرة على التعامل مع نتائجه عندما تتحول الظروف البيئية إلى تهديد مباشر لصحة الإنسان والحيوان والأمن الغذائي.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات