محررو لقطة AI – 13
16 أغسطس 2026
لم تعد الشكاوى التي يرددها بعض المتعافين من فيروس كورونا، مثل فقدان الحافز، وضعف الذاكرة، وبطء التفكير والحركة، مجرد أعراض غامضة يصعب تفسيرها طبياً. فقد كشفت دراسة علمية حديثة عن تغيرات قابلة للقياس في النظام المسؤول عن إفراز الدوبامين داخل الدماغ لدى أشخاص يعانون من «كوفيد طويل الأمد».
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة eBioMedicine، أن المصابين بأعراض عصبية ونفسية مستمرة بعد عدوى كورونا سجلوا انخفاضاً في مؤشر يرتبط بسلامة النهايات العصبية المفرزة للدوبامين داخل منطقة الجسم المخطط في الدماغ.
ويُعد الدوبامين ناقلاً عصبياً يؤدي دوراً أساسياً في تنظيم الدافعية والشعور بالمكافأة والحركة والذاكرة وبعض الوظائف الإدراكية. وعلى الرغم من شيوع وصفه بـ«هرمون السعادة»، فإن هذا التعبير لا يعكس وظائفه العصبية المعقدة والمتعددة.
ماذا وجد الباحثون؟
أجرى فريق من مركز تصوير صحة الدماغ وجامعة تورنتو في كندا دراسة مقارنة شملت 24 شخصاً بالغاً يعانون من كوفيد طويل الأمد وأعراض عصبية ونفسية مستمرة، مقابل 24 شخصاً من الأصحاء مماثلين لهم في العمر. كما توسعت بعض التحليلات الاستكشافية لتشمل 43 شخصاً من المجموعة الضابطة.
وخضع المشاركون لتصوير الدماغ بتقنية التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني «PET»، بهدف قياس بروتين يُعرف باسم الناقل الحويصلي للأمينات الأحادية من النوع الثاني «VMAT2»، الذي يستخدمه العلماء مؤشراً إلى كثافة وسلامة النهايات العصبية المفرزة للدوبامين.
وأظهرت النتائج انخفاضاً يتراوح بين 16 و20% في مستويات هذا المؤشر لدى مجموعة كوفيد طويل الأمد، عبر ثلاث مناطق رئيسية من الجسم المخطط، مقارنة بالمشاركين الأصحاء. وظهرت أكبر الفروق في منطقتي البطامة الظهرية والنواة المذنبة الظهرية، المرتبطتين بالحركة والذاكرة، بينما كان الانخفاض أقل في الجسم المخطط البطني المرتبط بالدافعية والمكافأة. الدراسة المنشورة في eBioMedicine عبر PubMed
أعراض استمرت أكثر من أربع سنوات
اكتسبت النتائج أهمية إضافية لأن بعض المشاركين ظلوا يعانون من أعراض ما بعد كورونا لفترات طويلة وصلت إلى نحو 4.6 سنوات، ما يشير إلى أن الاضطرابات المصاحبة لكوفيد طويل الأمد قد لا تكون مجرد استجابة نفسية عابرة بعد المرض.
وربط الباحثون انخفاض مؤشر سلامة النهايات العصبية الدوبامينية بعدد من الأعراض التي ظهرت على المشاركين. فقد ارتبط انخفاضه في الجسم المخطط البطني بزيادة اللامبالاة وفقدان الدافعية، بينما ارتبط التراجع في البطامة الظهرية ببطء الحركة، وفي النواة المذنبة بتدهور الذاكرة.
وتنسجم هذه النتائج مع شكاوى واسعة النطاق سجلت منذ بداية الجائحة، من بينها «ضباب الدماغ»، وصعوبة التركيز، وبطء معالجة المعلومات، وفقدان الكلمات أثناء الحديث، والإرهاق الذهني، وتراجع القدرة على بدء المهام أو الاستمرار فيها.
هل أثبتت الدراسة أن كورونا يدمر خلايا الدوبامين؟
تقدم النتائج دليلاً قوياً على وجود خلل بيولوجي في نظام الدوبامين لدى المجموعة التي خضعت للدراسة، لكنها لا تثبت بصورة قاطعة أن الفيروس تسبب مباشرة في تدمير الخلايا العصبية.
فالدراسة من نوع «الحالات والشواهد»، ولذلك تكشف وجود ارتباط بين كوفيد طويل الأمد وانخفاض مؤشر سلامة النهايات العصبية، لكنها لا تستطيع بمفردها تحديد ما إذا كان الفيروس هو السبب المباشر أو ما إذا كانت عوامل أخرى، مثل الالتهاب العصبي أو الاستجابة المناعية أو تغيرات الأوعية الدموية، أسهمت في حدوث هذا التراجع.
كما أن قياس «VMAT2» لا يعني قياس كمية الدوبامين نفسها بصورة مباشرة، وإنما يقدم مؤشراً إلى كثافة وسلامة النهايات العصبية القادرة على تخزينه وإطلاقه.
ويشير الباحثون إلى أن الخلايا الدوبامينية قد تكون حساسة للالتهاب والدبق العصبي، وهو تفاعل تنشيطي يحدث في الخلايا الداعمة للجهاز العصبي، لكن الآلية الدقيقة التي تربط عدوى كورونا بهذه التغيرات ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
تفسير محتمل لفقدان الحافز والاكتئاب
يمكن لاضطراب مسارات الدوبامين أن يساعد في تفسير سبب شعور بعض المصابين بكوفيد طويل الأمد بفقدان المتعة والحافز، حتى عندما يرغبون ذهنياً في العودة إلى حياتهم الطبيعية.
فالدوبامين لا يصنع السعادة بصورة مباشرة، لكنه يشارك في تقدير المكافأة، وتوجيه الانتباه، وتحفيز الإنسان على بذل الجهد، وبدء الحركة، وتعلم السلوكيات المرتبطة بالنتائج الإيجابية.
وعندما تضعف هذه المنظومة، قد تبدو المهام اليومية أكثر صعوبة، ويصبح بدء النشاط أو الحفاظ عليه مرهقاً. وقد تتداخل هذه الحالة مع أعراض الاكتئاب، لكنها لا تعني أن كل مصاب بالاكتئاب بعد كورونا يعاني بالضرورة من تلف في الأعصاب الدوبامينية.
وتوفر النتائج أساساً بيولوجياً قد يفسر بعض الأعراض، من دون إلغاء الدور المحتمل للعوامل النفسية والاجتماعية والصحية الأخرى.
ضباب الدماغ ليس وهماً
لعل أبرز ما تقدمه الدراسة هو دعمها لشكاوى المرضى الذين ظل بعضهم يواجه تشكيكاً في حقيقة الأعراض التي يعانون منها.
فوجود تغيرات يمكن رصدها بواسطة تصوير الدماغ يعزز الاعتراف بأن ضباب الدماغ واللامبالاة وبطء الحركة وتراجع الذاكرة قد تكون لها جذور عصبية قابلة للقياس، وليست مجرد أوهام أو مبالغة نفسية.
ووصف باحثون الدراسة بأنها تنقل النقاش من مجرد تسجيل الأعراض إلى محاولة تصنيف المرضى وفق الآليات البيولوجية الكامنة وراءها، وهو ما قد يساعد مستقبلاً في تطوير علاجات أكثر دقة. مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا
هل تفتح النتائج باباً لعلاجات جديدة؟
يرى الباحثون أن تحسين كفاءة التشابكات العصبية الدوبامينية قد يمثل اتجاهاً علاجياً واعداً، بما في ذلك دراسة أدوية موجودة بالفعل تعمل على تعزيز وظيفة الدوبامين أو تقليل سرعة تحلله.
لكن النتائج لا تعني أن أدوية الدوبامين أصبحت علاجاً معتمداً لكوفيد طويل الأمد، كما لا تبرر تناولها من دون إشراف طبي. فهذه العقاقير قد تسبب آثاراً جانبية وتفاعلات خطرة، كما أن كوفيد طويل الأمد حالة متعددة الأنماط، وقد تختلف آلياتها من مريض إلى آخر.
وسيكون على التجارب السريرية المقبلة تحديد ما إذا كانت الأدوية المحفزة للدوبامين قادرة بالفعل على تحسين الذاكرة والدافعية والحركة، وأي المرضى يمكن أن يستفيدوا منها، وما الجرعات الآمنة والمدة المناسبة للعلاج.
نتائج مهمة بحجم عينة محدود
رغم أهمية الاكتشاف، دعا العلماء إلى التعامل معه بحذر بسبب صغر حجم الدراسة وتركيزها على مرضى لديهم أعراض عصبية ونفسية واضحة. ولذلك لا يمكن تعميم النتائج تلقائياً على جميع المصابين بكوفيد طويل الأمد.
كما لا تجيب الدراسة حتى الآن عن سؤال مهم: هل التغيرات المكتشفة دائمة، أم يمكن للنهايات العصبية أن تستعيد جزءاً من وظائفها مع مرور الوقت أو بعد العلاج؟
ويتطلب حسم ذلك إجراء دراسات أكبر، تشمل مجموعات مختلفة من المرضى، إلى جانب متابعة المشاركين عبر فحوصات متكررة لمعرفة مسار التغيرات داخل الدماغ.
ومع ذلك، تمثل الدراسة خطوة مهمة في فهم أحد أكثر جوانب كوفيد طويل الأمد غموضاً. فهي تمنح المرضى دليلاً جديداً على أن معاناتهم قد ترتبط بتغيرات حقيقية داخل الدماغ، وتمنح الأطباء والباحثين هدفاً بيولوجياً يمكن اختباره بدلاً من الاكتفاء بعلاج كل عرض بصورة منفصلة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات