محررو لقطة AI – 4
5 أغسطس 2026
أعاد الزلزال الذي ضرب منطقة قريبة من مدينة السويس فجر الاثنين اسم الباحث الهولندي فرانك هوغربيتس إلى واجهة منصات التواصل الاجتماعي، بعدما ربط مستخدمون بين الهزة الأرضية ومنشورات سابقة تحدث فيها عن احتمال تصاعد النشاط الزلزالي خلال الأيام الأولى من أغسطس.
لكن الجدل الذي أعقب الزلزال كشف مرة أخرى الفارق الكبير بين تحديد خطر زلزالي محتمل على نطاق واسع وبين التنبؤ العلمي الدقيق بزلزال معين من حيث موقعه وموعده وقوته.
هزة بقوة 5.5 درجة قرب السويس
أعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة عند الساعة 3:00:36 صباحاً، بقوة بلغت 5.5 درجة وعلى عمق نحو عشرة كيلومترات، وكان مركزها على مسافة تقارب 38 كيلومتراً من مدينة السويس.
وشعر بالهزة سكان القاهرة وعدد من المحافظات المصرية، بينما أكد المعهد عدم تلقيه بلاغات عن وقوع خسائر في الأرواح أو الممتلكات. وأوردت تقديرات دولية أولية قوة قريبة بلغت نحو 5.6 درجة، وهو اختلاف معتاد أحياناً بين شبكات الرصد بسبب تفاوت مواقع المحطات وطرق حساب القوة ومراجعة البيانات لاحقاً.
وأثارت قوة الهزة واتساع نطاق الشعور بها موجة من القلق، خاصة أنها وقعت قبل الفجر، حين كان معظم السكان داخل منازلهم.
ماذا قال هوغربيتس قبل الزلزال؟
كان هوغربيتس قد نشر تحذيراً تحدث فيه عن «تقارب حرج» في الهندسة الكوكبية والقمرية خلال الفترة من 2 إلى 4 أغسطس، ورجح إمكانية حدوث نشاط زلزالي أقوى خلال تلك النافذة الزمنية.
وعقب هزة السويس، نشر تعليقاً قال فيه إن قوة الزلزال عُدّلت في بعض التقديرات إلى نحو 5.2 درجة، وربط الحدث مجدداً بالنموذج الذي يعتمد عليه في قراءة مواقع الكواكب والقمر.
وسارع متابعون إلى اعتبار ما حدث دليلاً على نجاحه في توقع الزلزال، إلا أن منشوره لم يحدد بصورة دقيقة مدينة السويس أو إحداثيات مركز الهزة أو توقيتها المحدد، كما تناول نطاقاً جغرافياً وزمنياً واسعاً يمكن أن يشهد بطبيعته عدة زلازل متفاوتة القوة.
لماذا لا يعد ذلك تنبؤاً علمياً دقيقاً؟
وفقاً للمعايير العلمية، لا يكفي القول إن زلزالاً قد يقع خلال عدة أيام في منطقة واسعة حتى يُعد ذلك تنبؤاً ناجحاً.
وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن التنبؤ الدقيق بالزلازل يجب أن يحدد ثلاثة عناصر أساسية: الموعد، والموقع، والقوة. وتؤكد الهيئة أنه لا توجد حتى الآن وسيلة علمية تستطيع تحديد هذه العناصر الثلاثة مسبقاً لزلزال بعينه.
ويمكن للعلماء إعداد خرائط للمخاطر الزلزالية، وتقدير احتمالات وقوع هزات في مناطق معينة خلال سنوات أو عقود، ومتابعة النشاط على الصدوع، لكن ذلك يختلف جذرياً عن إعلان أن زلزالاً بقوة محددة سيقع في مدينة معينة وفي يوم أو ساعة محددة.
هل تؤثر الكواكب في الزلازل؟
تعتمد نظرية هوغربيتس على ما يسميه «الهندسة الكوكبية»، إذ يفترض أن اصطفاف الأرض مع بعض الكواكب والقمر قد يرتبط بزيادة النشاط الزلزالي.
غير أن هذه الفرضية لا تحظى بقبول المجتمع العلمي بوصفها وسيلة موثوقة للتنبؤ بالزلازل. وتشير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن الدراسات التي بحثت علاقة مواقع الأجرام السماوية بمعدلات الزلازل لم تثبت وجود ارتباط يمكن استخدامه لتحديد موعد ومكان زلزال بعينه.
وقد تظهر في بعض الدراسات روابط محدودة بين المد والجزر الأرضي وبعض أنواع الزلازل الواقعة على صدوع معينة، لكن هذه الروابط الإحصائية لا تمنح العلماء أداة للتنبؤ الدقيق، ولا تعني أن اصطفاف الكواكب يتسبب مباشرة في هزة محددة.
لماذا تبدو بعض توقعاته صحيحة؟
تسجل شبكات الرصد حول العالم يومياً أعداداً كبيرة من الزلازل، ويقع كثير منها في أحزمة نشطة مثل البحر المتوسط والمحيط الهادئ وتركيا واليونان وإندونيسيا واليابان.
وعندما يُطرح تحذير يشمل عدة أيام ومساحة جغرافية واسعة ومدى كبيراً من القوة، ترتفع احتمالات وقوع زلزال يمكن ربطه بالتحذير بعد حدوثه. لكن الاختبار العلمي لا يقتصر على الحالات التي تبدو متطابقة؛ بل يتطلب أيضاً مراجعة جميع التحذيرات التي لم يعقبها زلزال، وجميع الزلازل التي وقعت من دون توقع سابق.
ولهذا يفرق العلماء بين المصادفة أو المطابقة اللاحقة وبين نموذج قابل للاختبار يحقق نتائج أفضل باستمرار من الاحتمال العشوائي.
هل أصبحت مصر داخل حزام زلزالي خطير؟
لا تُصنف مصر ضمن أكثر دول العالم تعرضاً للزلازل المدمرة، لكنها ليست بعيدة تماماً عن النشاط الزلزالي.
وتتأثر البلاد بعدة نطاقات جيولوجية، من بينها خليج السويس والبحر الأحمر وخليج العقبة، إضافة إلى الزلازل القادمة من شرق البحر المتوسط والجزر اليونانية والقوس الهيليني. وقد سبق تسجيل هزات شعر بها السكان في القاهرة والدلتا والسواحل المصرية رغم وقوع مراكزها على مسافات بعيدة.
لذلك فإن هزة السويس ليست دليلاً منفرداً على انتقال مصر فجأة إلى مرحلة زلزالية استثنائية، كما أن قوتها لا تسمح وحدها باستنتاج اقتراب زلزال أكبر.
الرصد والإنذار المبكر لا يعنيان التنبؤ
تستطيع شبكات الرصد الحديثة اكتشاف الزلزال فور بدايته وتحديد موقعه وقوته بسرعة، وقد ترسل أنظمة الإنذار المبكر تنبيهاً إلى بعض المناطق قبل وصول الموجات الأكثر تدميراً بثوانٍ.
لكن هذه الأنظمة تعمل بعد بدء الزلزال فعلياً، ولا تتنبأ به قبل أيام. أما قبل وقوعه، فيبقى دور العلم متمثلاً في تقييم المخاطر، وتعزيز سلامة المباني، ونشر إرشادات التصرف، والاستعداد للطوارئ.
وبين الجدل الرقمي والحقائق الجيولوجية، تظل هزة السويس حدثاً يستوجب المتابعة العلمية الهادئة، لا دليلاً على امتلاك أي شخص مفتاحاً مؤكداً لمعرفة موعد الزلزال المقبل.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات