محررو لقطة AI – 7
21 أكتوبر 2026
كشفت شهادات ميدانية جديدة جمعتها وكالة فرانس برس عن عودة بعض الناجين من الهجمات الجوية التي استهدفت مناطق تعدين الذهب قرب الحدود السودانية المصرية إلى مواقع عملهم، رغم الإصابات والخوف وفقدان زملائهم، في مشهد يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي تدفع آلاف السودانيين إلى المخاطرة بحياتهم بحثًا عن مصدر للدخل.
ونشرت الوكالة تحقيقها الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، مستندة إلى مقابلات مع ناجين وأسر ضحايا وعاملين في القطاع الصحي، بعد الهجمات التي وقعت خلال أكتوبر في منطقة جبل العُقيدات، ضمن منطقة حلايب المتنازع على السيادة عليها بين السودان ومصر.
ويضيف التحقيق شهادات مباشرة إلى القضية التي أثارت غضبًا واسعًا في السودان، بعدما اتهمت جهات حقوقية الطيران المصري بتنفيذ ضربات أوقعت عشرات القتلى بين المعدنين.
وكانت مجموعة «محامو الطوارئ» قد أعلنت حصيلة أولية لا تقل عن 72 قتيلًا، بينما تحدثت شهادات عن استمرار فقدان أشخاص آخرين.
وفي المقابل، أعلنت السلطات المصرية تنفيذ عمليات ضد أنشطة تعدين غير مشروعة داخل أراضٍ تعتبرها مصر تابعة لها.
ولا يثبت هذا الإعلان وحده المسؤولية عن كل حالة وفاة أوردتها الشهادات، كما أن الحصيلة النهائية للضحايا لم تُحسم بتحقيق مستقل معلن.
لكن التحقيق الميداني الجديد يكشف جانبًا إنسانيًا واقتصاديًا لم يكن حاضرًا بالقدر الكافي في التغطيات السابقة: لماذا يعود الناجون إلى المكان الذي كاد يودي بحياتهم؟
الذهب الذي لا يستطيعون تركه
من بين الذين تحدثت إليهم فرانس برس الشاب شرف الدين علي، البالغ من العمر 26 عامًا، الذي كان ينتظر وسيلة نقل تعيده إلى منطقة التعدين.
وأوضح أنه يريد العودة لاسترداد الذهب الذي جمعه خلال فترة عمله، قبل أن يغادر الموقع نهائيًا.
وكان الشاب قد اضطر إلى ترك دراسته بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، واتجه إلى التعدين الأهلي بحثًا عن مصدر رزق.
وتكشف قصته عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثتها الحرب.
فقد دفعت خسارة الوظائف وتعطل الجامعات والأسواق وتراجع النشاط الاقتصادي أعدادًا كبيرة من الشباب إلى أعمال شديدة الخطورة.
ويأتي التعدين الأهلي في مقدمة هذه الأنشطة، لأنه يوفر فرصة للحصول على دخل نقدي في ظل محدودية البدائل.
لكن العمل في المناجم الحدودية يحمل مخاطر متعددة، تشمل انهيار الحفر، والتعرض للمواد السامة، وغياب الرعاية الصحية، والنزاعات الأمنية المرتبطة بالسيادة والحدود.
وعندما تضاف الهجمات الجوية إلى هذه المخاطر، تصبح محاولة كسب الرزق مرتبطة باحتمال فقدان الحياة.
شهادات من يوم الهجوم
روى أحد الناجين، علي محمد حمدان، البالغ من العمر 29 عامًا، أنه كان يتناول الشاي مع زملائه عندما شاهد طائرة تحلق فوق المنطقة.
وبحسب شهادته، عادت الطائرة عدة مرات قبل أن تطلق مقذوفًا باتجاه الموقع.
وتحدث ناجون آخرون عن مشاهد الدمار، وصعوبة الوصول إلى المصابين، واضطرار بعضهم إلى السير مسافات طويلة لنقل الجرحى.
كما أفاد عامل صحي في عيادة حدودية بأن المرفق واجه أعدادًا كبيرة من المصابين، بينهم أشخاص تعرضوا لإصابات خطيرة في الرأس والأطراف والعينين.
وتؤكد هذه الشهادات حجم المعاناة التي أعقبت الهجوم، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد نوع الطائرة المستخدمة أو إثبات هوية الجهة المنفذة بصورة قاطعة.
فمثل هذه النتائج تحتاج إلى تحقيق يجمع شهادات الشهود مع الأدلة المادية والبيانات الفنية.
ومع ذلك، فإن الروايات المتعددة بشأن الإصابات وصعوبة الإجلاء تثير أسئلة جدية حول حماية المدنيين العاملين في المناطق الحدودية.
قرى تنتظر أبناءها
لم تقتصر تداعيات الهجمات على مواقع التعدين.
فقد امتدت إلى القرى التي ينتمي إليها العمال، حيث تنتظر أسر كثيرة أخبار أبنائها المفقودين.
وفي قرية ود الحليوة بولاية كسلا، تحدث سكان عن مقتل عدد من أبنائهم في الهجوم.
كما وثقت فرانس برس تجمعات للعزاء، وأسرًا تحاول معرفة مصير أقارب لم يعودوا من المناجم.
وتزيد صعوبة الاتصالات وبعد المواقع الحدودية من تعقيد عمليات البحث والتعرف على الضحايا.
كما أن نقل الجثامين والمصابين يحتاج إلى وسائل نقل قد لا تكون متاحة بسهولة.
وتشير شهادات إلى أن بعض الناجين اضطروا إلى دفن قتلى في مواقع قريبة من منطقة الهجوم، بسبب الظروف الأمنية واللوجستية.
وهذه الوقائع تجعل الحاجة إلى آلية رسمية لتوثيق أسماء القتلى والمفقودين أكثر إلحاحًا.
من المسؤول عن حماية المعدنين؟
تثير القضية أسئلة تتعلق بمسؤوليات السلطات السودانية والمصرية.
فالمناطق الحدودية المتنازع عليها تحتاج إلى ترتيبات واضحة للتعامل مع المدنيين والأنشطة الاقتصادية.
ولا يجوز أن تتحول الخلافات المتعلقة بالسيادة أو مكافحة التعدين غير المشروع إلى مبرر لاستخدام قوة غير متناسبة ضد أشخاص لا يشاركون في أعمال قتالية.
كما أن أي إجراءات أمنية ينبغي أن تراعي حماية الأرواح، وإتاحة وسائل الإنذار والإجلاء والمساعدة الطبية.
ومن الجانب السوداني، تبرز مسؤولية السلطات في توثيق الضحايا، ومتابعة التحقيقات، وتقديم المساعدة للأسر المتضررة.
وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قد أعلن تشكيل لجنة للتحقيق في مقتل المعدنين قرب الحدود.
لكن أهمية اللجنة لا تتوقف على إعلان تشكيلها، وإنما على طبيعة الأدلة التي تجمعها، وشفافية نتائجها، وقدرتها على تحديد المسؤوليات.
اقتصاد الحرب يدفع الشباب إلى المخاطر
تكشف عودة الناجين إلى المناجم عن مأزق اقتصادي عميق.
فبعض العمال يعرفون المخاطر التي يواجهونها، لكنهم لا يمتلكون بدائل واقعية للحصول على دخل.
كما أن استخراج الذهب يحتاج إلى أسابيع أو أشهر من العمل قبل الحصول على عائد مالي.
ولهذا فإن ترك الموقع بصورة مفاجئة قد يعني خسارة كل ما جمعه العامل خلال تلك الفترة.
وقد تحدث أحد الناجين عن صعوبة العثور على وسائل نقل، وارتفاع تكاليفها إلى نحو ضعف المعتاد.
وتعني هذه الظروف أن النجاة من الهجوم لا تنهي الأزمة.
فالعامل المصاب قد يواجه تكاليف علاج مرتفعة، وفقدان دخله، وصعوبة العودة إلى أسرته.
كما أن الأسر التي فقدت معيلها قد تصبح أكثر عرضة للفقر والنزوح.
ما الذي ينبغي متابعته؟
ستكون الأولوية للحصول على نتائج التحقيق السوداني، وأي معلومات رسمية مصرية إضافية بشأن طبيعة العمليات العسكرية وأهدافها.
كما ينبغي توثيق أسماء الضحايا والمفقودين، ومتابعة أوضاع المصابين الذين يحتاجون إلى علاج طويل الأمد.
وتبرز كذلك ضرورة دراسة البدائل الاقتصادية المتاحة للشباب العاملين في التعدين الأهلي، بدلًا من التعامل مع القضية بوصفها مشكلة أمن حدودي فقط.
إن التحقيق الميداني الجديد يكشف أن مأساة المعدنين لم تنتهِ بتوقف القصف.
فبعض الناجين يعودون إلى المواقع نفسها التي فقدوا فيها زملاءهم، لأن الحرب أغلقت أمامهم أبواب العمل والتعليم والاستقرار. ولهذا فإن حماية المعدنين لا تتحقق بالتحقيق في الهجمات وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى معالجة الظروف الاقتصادية التي تجعل المخاطرة بالحياة خيارًا اضطراريًا. وبين حق الدولة في تنظيم حدودها وحق الإنسان في الحياة والعمل، لا يجوز أن يصبح البحث عن الذهب سببًا للموت أو مدخلًا للإفلات من المساءلة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات