محررو لقطة AI – 7
17 سبتمبر 2026
وضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أزمة السودان أمام مستويين من المسؤولية في وقت واحد: مسؤولية سودانية داخلية عن استمرار القتال، ومسؤولية خارجية عن تغذية الحرب بالأسلحة والدعم الذي يوسع قدرة أطرافها على مهاجمة المدنيين.
وفي مؤتمر صحفي بنيويورك قبيل الأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف غوتيريش ما يحدث في السودان بأنه «مروع للغاية»، وقال إن الوضع الإنساني مدمر وإن مستوى معاناة السودانيين «لا يُحتمل».
لكن التصريح الذي يحمل دلالة سياسية أكبر جاء عندما تناول سؤال المسؤولية.
فبحسب التغطية السودانية للمؤتمر، قال غوتيريش إن السودانيين أنفسهم يتحملون مسؤولية لأنهم منقسمون ويقاتل بعضهم بعضًا، قبل أن ينتقل مباشرة إلى البعد الخارجي ويؤكد أن النزاع تؤججه عدة دول من الخارج.
وهذه الصياغة تجعل الرسالة الأممية مختلفة عن خطاب يحمّل طرفًا خارجيًا وحده مسؤولية استمرار الحرب.
غوتيريش يقول عمليًا إن جذور الحرب وقرار مواصلتها موجودان داخل السودان، لكن قدرة الأطراف على الاستمرار والتصعيد أصبحت مرتبطة أيضًا بشبكات دعم إقليمية ودولية.
14 مليون نازح.. والحرب مستمرة
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، نزح أكثر من 14 مليون شخص، وتحولت الحرب إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ولا تتوقف الكلفة عند النزوح.
برنامج الأغذية العالمي يقول إن قرابة 20 مليون شخص يواجهون الجوع، في وقت انهار فيه تمويل عملياته في السودان من نحو 645 مليون دولار في العام السابق إلى قرابة 206 ملايين دولار هذا العام، بينما يحتاج البرنامج إلى نحو 300 مليون دولار إضافية للمحافظة على عملياته الحالية.
وهنا تظهر المفارقة التي تحيط بالأزمة السودانية:
الأموال المتاحة لإطعام المدنيين تتراجع، بينما يستمر وصول الموارد التي تسمح بإدامة القتال.
غوتيريش ينتقل من «وقف الحرب» إلى «المساءلة»
الأهم في تصريحات الأمين العام ليس فقط اعترافه بوجود تدخل خارجي.
هذه ليست المرة الأولى التي تناقش فيها الأمم المتحدة الدعم الخارجي لأطراف الحرب.
الجديد في اللغة المستخدمة هو المطالبة بالمساءلة.
وقال غوتيريش إن الدول التي تقدم أسلحة لأطراف النزاع عندما تُستخدم تلك الأسلحة على نطاق واسع في مهاجمة المدنيين ينبغي أن تواجه المساءلة عن هذا النوع من التدخل.
وهذا يرفع سقف الخطاب.
فالفارق كبير بين مطالبة الدول بوقف تدفق السلاح وبين القول إن عليها تحمل مسؤولية ما ينتج عن ذلك السلاح عندما يُستخدم ضد المدنيين.
لكن غوتيريش لم يسمِّ دولة بعينها في تصريحه.
وهذه نقطة أساسية في قراءة كلامه.
«ليست لدينا أجهزة استخبارات»
عندما سُئل عن الجهات الخارجية، أشار غوتيريش إلى أن الأمم المتحدة ليست جهاز استخبارات، لكنه أحال إلى العمل الذي قام به فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن، وقال إن تحليلاته خلصت إلى نتائج واضحة بشأن التدخل الخارجي.
كما قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر في وقت سابق من سبتمبر إن الأسلحة الأجنبية والتكنولوجيا العسكرية والمقاتلين وشبكات الدعم اللوجستي تساعد على استمرار الحرب، ووسعت قدرة الأطراف المتحاربة على ضرب مناطق مدنية بعيدة باستخدام الطائرات المسيّرة.
وهذا تطور مهم في طبيعة الحرب نفسها.
فالسلاح الخارجي لم يعد يعني بالضرورة بندقية أو ذخيرة تصل إلى جبهة قريبة.
المسيّرات بعيدة المدى والتكنولوجيا المرتبطة بها تستطيع نقل الحرب مئات الكيلومترات وإيصالها إلى مدن ومنشآت وبنية تحتية لم تكن في نطاق المواجهات البرية المباشرة.
خريطة الدعم الخارجي أكثر تعقيدًا من اسم واحد
أوردت سودان تربيون، استنادًا إلى ما نسبته إلى فريق الخبراء، شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية المرتبطة بالحرب، وقالت إن مصر وإريتريا تتخذان مواقف متوافقة مع الجيش السوداني، بينما حافظت السعودية وإيران وقطر وتركيا على علاقات معه. كما أورد التقرير اتهامات بشأن دعم إماراتي لقوات الدعم السريع واستخدام مسارات إمداد عبر دول مجاورة.
وهنا يلزم التفريق بين العلاقات السياسية، والاتهامات بالدعم العسكري، والوقائع التي تثبتها جهات تحقيق مستقلة؛ فليست كلها مستوى واحدًا من الأدلة أو المسؤولية.
الحكومة السودانية تتهم الإمارات منذ فترة بتقديم أسلحة ومسيّرات ومرتزقة لقوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لأي من طرفي الحرب.
لذلك فإن مطالبة غوتيريش بالمساءلة لا تعني صدور حكم أممي نهائي بإدانة دولة محددة.
بل تعني أن ملف الدعم الخارجي أصبح، في رأيه، قضية ينبغي ألا تبقى بلا تبعات عندما يرتبط السلاح باستهداف المدنيين.
رسالة إلى السودانيين أيضًا
قد يكون الجزء الأكثر حساسية في تصريحات غوتيريش هو ذلك الذي يسبق الحديث عن الخارج.
إذ إن تحميل القوى الخارجية المسؤولية لا يلغي، وفق منطقه، مسؤولية الأطراف السودانية عن قرار الحرب.
وهذه نقطة سياسية مهمة.
السرديات المتنافسة داخل السودان تميل غالبًا إلى تفسير استمرار الحرب من خلال الطرف الآخر أو داعميه الخارجيين.
أما غوتيريش فيضع المستويين في جملة سياسية واحدة:
هناك سودانيون يقاتلون بعضهم بعضًا.
وهناك دول خارجية تساعد في إطالة قدرة هذا القتال على الاستمرار.
وبالتالي فإن وقف الدعم الخارجي وحده لا ينتج تلقائيًا تسوية سياسية، كما أن مطالبة السودانيين بوقف الحرب من دون معالجة خطوط السلاح والتمويل الخارجية قد لا تكون كافية.
لماذا يأتي التصريح الآن؟
التوقيت ليس عابرًا.
غوتيريش تحدث قبل أيام من وصول قادة العالم إلى نيويورك للمشاركة في الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة.
وهذا يعني أن السودان يدخل الاجتماعات الدولية المقبلة مع محاولة أممية لإعادة وضعه على جدول الاهتمام العالمي.
لكن التحدي أكبر من إصدار بيانات جديدة.
فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تعددت المبادرات والوساطات ومطالب وقف إطلاق النار، بينما استمرت الأطراف في الحصول على القدرة العسكرية اللازمة لمواصلة القتال.
ولهذا يصبح السؤال الذي يطرحه تصريح غوتيريش عمليًا:
هل تستطيع الأمم المتحدة الانتقال من وصف التدخل الخارجي إلى تحديد المسؤولية عنه؟
المساءلة تحتاج إلى آلية
قول الأمين العام إن الدول المؤججة للحرب ينبغي أن تخضع للمساءلة يفتح بابًا أصعب من التصريح نفسه.
من سيحدد الدولة المسؤولة؟
وما معيار الإثبات؟
وهل ستكون المساءلة عبر مجلس الأمن والعقوبات، أم لجان التحقيق، أم آليات قضائية دولية؟
حتى الآن لم يعلن غوتيريش في التصريحات التي راجعتها آلية محددة لتحقيق ذلك.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
فإذا بقيت «المساءلة» لغة سياسية من دون أدوات تنفيذ، يمكن أن تنضم إلى قائمة طويلة من التحذيرات الدولية بشأن السودان.
أما إذا تحولت إلى تحقيقات وتحديد لمسارات السلاح وشبكات التمويل ثم إجراءات ضد المسؤولين عنها، فسيكون ذلك تحولًا مهمًا في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الحرب.
المسؤولية تبدأ من الداخل ولا تنتهي عند الحدود
رسالة غوتيريش تحمل جانبًا قد لا يرضي أيًا من أطراف الحرب بالكامل.
فهي لا تمنح القوى السودانية فرصة إلقاء كل المسؤولية على الخارج.
وفي الوقت نفسه لا تسمح للدول الخارجية بالقول إن ما يحدث شأن سوداني داخلي لا علاقة لها به.
السودانيون مسؤولون عن الحرب التي يخوضونها، وفق طرحه، لكن من يسلح هذه الحرب ويساعدها على الاستمرار لا يقف خارج دائرة المسؤولية.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، ربما أصبح السؤال أكثر تحديدًا من مجرد: من بدأ الحرب؟
السؤال الآن:
من يملك القدرة على إيقافها، ومن لا يزال يمنحها القدرة على الاستمرار؟
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات