غارات إسرائيلية بعد زيارة وفد تركي تفتح الباب أمام مواجهة إقليمية مباشرة
محررو لقطة AI – 13
20 أغسطس 2026
لم يكن القصف الإسرائيلي لقاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب مجرد غارة جديدة على منشأة عسكرية سورية، بل حمل رسالة مباشرة إلى تركيا بأن توسع حضورها العسكري داخل سوريا يقترب من الخطوط الحمراء التي رسمتها تل أبيب لنفوذ القوى الإقليمية في البلاد.
واستهدفت ثماني غارات إسرائيلية، فجر الثلاثاء 18 أغسطس، مدرجات ومنشآت تخزين وحظائر داخل القاعدة الواقعة شمال غربي سوريا، على مسافة تقارب 70 كيلومتراً من الحدود التركية، ما أدى إلى أضرار مادية من دون تسجيل خسائر بشرية.
وجاء الهجوم بعد ساعات من زيارة وفد عسكري تركي للقاعدة لتقييم وضعها وإمكان إعادة تأهيلها، الأمر الذي رفع مستوى التوتر بين إسرائيل وتركيا وأثار مخاوف أميركية من انزلاق البلدين إلى مواجهة عسكرية داخل الأراضي السورية.
إسرائيل تعلن خطوطها الحمراء
أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية إسرائيل عن الهجوم، وقال إن دمشق كانت تقترب من خرق ما وصفه بـ«الوضع القائم» في الترتيبات الأمنية، عبر السماح بانتشار قوات تركية في قاعدة جوية سورية.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، سبق لتل أبيب أن وجهت تحذيرات إلى دمشق بشأن أي انتشار عسكري تركي دائم، معتبرة أن وجود قوات أو معدات قتالية تركية في القواعد السورية يمثل تهديداً لأمنها.
لكن هذه الرواية قوبلت بالرفض من سوريا وتركيا، اللتين اعتبرتا الضربة انتهاكاً للسيادة السورية ومحاولة لفرض إرادة إسرائيلية على شكل العلاقات الدفاعية التي تقيمها دمشق مع الدول الأخرى.
وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن دمشق أبلغت إسرائيل قبل الغارة بعدم وجود خطة لتحويل أبو الظهور إلى قاعدة تركية، وإن المنشأة ستظل تحت السيطرة السورية.
لماذا تخشى إسرائيل الوجود التركي؟
تتمثل الحساسية الإسرائيلية الأساسية في احتمال تحول الدور التركي داخل سوريا من التدريب والاستشارة والدعم اللوجستي إلى وجود عسكري ثابت يمتلك قدرات دفاع جوي واستطلاع ومراقبة متقدمة.
وتخشى إسرائيل أن يؤدي نشر رادارات تركية أو منظومات دفاع جوي وطائرات مسيّرة في القواعد السورية إلى تقليص حرية حركة سلاحها الجوي، الذي اعتاد تنفيذ عمليات داخل الأجواء السورية من دون مواجهة دفاعات قادرة على تشكيل تهديد جدي لطائراته.
ولا يشترط أن تكون هذه المنظومات موجهة مباشرة ضد إسرائيل حتى تثير قلقها؛ إذ إن مجرد قدرتها على اكتشاف الطائرات وتتبعها وتبادل المعلومات عنها قد يغيّر البيئة العملياتية التي استفادت منها تل أبيب لسنوات.
وتنظر إسرائيل كذلك إلى إعادة بناء الجيش السوري بمساعدة أنقرة باعتبارها تحولاً استراتيجياً، خصوصاً إذا شمل ذلك تطوير قواعد جوية ومنظومات رصد ودفاع واتصالات حديثة.
أبو الظهور أكثر من مجرد مطار
تمنح الجغرافيا قاعدة أبو الظهور أهمية تتجاوز وضعها الفني، فهي تقع في منطقة تتقاطع بالقرب منها محافظات إدلب وحلب وحماة، كما أنها قريبة نسبياً من الحدود التركية ومناطق النفوذ المباشر لأنقرة.
وظلت القاعدة خارج الخدمة الفعلية لفترات طويلة منذ عام 2013، وتبدلت السيطرة عليها أكثر من مرة خلال الحرب السورية، قبل أن تعود مسألة تأهيلها إلى الواجهة ضمن خطط إعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية.
لذلك، رأت إسرائيل في زيارة الوفد التركي مؤشراً على احتمال بدء مرحلة جديدة، لا تقتصر على تقديم التدريب والمعدات للجيش السوري، وإنما تشمل إعادة تشغيل منشآت عسكرية يمكن أن تستضيف مستقبلاً طائرات أو مسيّرات أو أنظمة دفاع جوي.
أنقرة ترفض المبررات
أدانت تركيا الغارات ووصفت المبررات الإسرائيلية بأنها غير مقبولة، معتبرة أن تل أبيب تستخدم ادعاءات أمنية لتبرير أعمال غير مشروعة داخل الأراضي السورية.
واتهمت أنقرة حكومة نتنياهو بانتهاج سياسة توسعية تهدد استقرار المنطقة، مؤكدة استمرار تعاونها مع دمشق للمساعدة في إعادة الاستقرار وبناء قدرات الدولة السورية.
ولم تؤكد تركيا وجود قوات لها داخل قاعدة أبو الظهور، كما لم تعلن تفاصيل مهمة الوفد العسكري الذي زار الموقع. لكن توقيت الضربة، بعد وقت قصير من انتهاء الزيارة، منح الهجوم معنى تحذيرياً واضحاً.
ويكشف عدم توجيه تحذير مسبق إلى أنقرة عن قصور خطير في قنوات منع الاحتكاك، رغم وجود اتصالات سابقة هدفها تجنب الصدام بين القوات الإسرائيلية والتركية داخل سوريا.
واشنطن تحذر من مواجهة مباشرة
وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك الغارة بأنها «تصعيد غير ضروري»، محذراً من أنها كانت تحمل خطراً حقيقياً بالتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا، وربما سوريا أيضاً.
وأشار باراك إلى أن تركيا لم تتلق إخطاراً مسبقاً بالهجوم، مؤكداً أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لتبادل المعلومات ومنع الاحتكاك تضم إسرائيل وتركيا وسوريا.
وتجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ تحاول الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه دعم الاستقرار في سوريا ومنع تحولها إلى ساحة صراع مباشر بين حلفاء واشنطن.
سوريا ساحة لتوازنات جديدة
تكشف غارة أبو الظهور أن الصراع على مستقبل سوريا لم يعد مرتبطاً فقط بمواجهة النفوذ الإيراني، بل انتقل إلى مرحلة يتصاعد فيها التنافس التركي الإسرائيلي حول شكل الدولة السورية وقدراتها العسكرية وتحالفاتها الإقليمية.
فتركيا ترى أن وجود دولة سورية مستقرة ومتعاونة معها يمنحها عمقاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً، بينما تخشى إسرائيل أن يؤدي الدعم التركي إلى بناء قوة عسكرية سورية جديدة تحد من تفوقها الجوي.
وتجد دمشق نفسها بين حاجتها إلى الدعم التركي لإعادة بناء مؤسساتها، وبين الضغوط الإسرائيلية التي تسعى إلى فرض قيود على نوع الأسلحة والشراكات العسكرية المسموح بها داخل سوريا.
ولهذا لا تبدو غارة أبو الظهور حادثاً عابراً، بل اختباراً مبكراً لقواعد الاشتباك الجديدة. فإذا استمرت تركيا في توسيع تعاونها العسكري مع دمشق، وواصلت إسرائيل استهداف مواقع مرتبطة بذلك التعاون، فقد تصبح احتمالات الاحتكاك المباشر أكبر من قدرة قنوات الوساطة على احتوائها.
عين ترصد الحدث.. وعقل يقرأ المشهد
للتدقيق: تفاصيل الغارات وردود إسرائيل وتركيا منشورة لدى رويترز، بينما نقلت أسوشيتد برس توقيت زيارة الوفد التركي وحجم الأضرار، ونشرت أكسيوس موقف دمشق من الادعاء بوجود خطة لقاعدة تركية.
التعليقات
0 تعليقات