الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

واشنطن ترسم شروط الحوار السوداني.. قيادة مدنية ومشاركة شاملة ومكان محايد

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

واشنطن ترسم شروط الحوار السوداني.. قيادة مدنية ومشاركة شاملة ومكان محايد
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19
٢١ أغسطس 2026

أعاد الموقف الأمريكي الأخير بشأن الأزمة السودانية طرح السؤال الأكثر تعقيداً في مسار البحث عن السلام: من يملك حق الدعوة إلى الحوار، ومن يقوده، وأين يُعقد، وما الأطراف التي ينبغي أن تشارك فيه؟

فبينما تتحرك قوى داخل السودان لتدشين حوار وطني من الخرطوم، أعلنت الولايات المتحدة استعدادها للعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لدعم عملية سياسية سودانية شاملة بقيادة مدنية. وشددت على أن نجاح أي حوار يظل مرتبطاً باستقلاله، واتساع قاعدة المشاركين فيه، وانعقاده في مكان تتوافق عليه الأطراف.

ولا يبدو الطرح الأمريكي مجرد إعلان للاستعداد الدبلوماسي، بل يحمل مجموعة من الشروط السياسية التي قد تعيد تشكيل المسار المطروح للحوار، خصوصاً في ظل تعدد المبادرات وتباين تصورات الأطراف السودانية بشأن مستقبل السلطة والدولة والقوات العسكرية.

قيادة مدنية للعملية السياسية

يتمثل أبرز عناصر الموقف الأمريكي في التأكيد على أن تكون العملية السياسية بقيادة مدنية، وهي إشارة تحمل دلالات تتجاوز مسألة إدارة جلسات الحوار أو اختيار الشخصيات المشاركة فيه.

فالولايات المتحدة تبدو متمسكة بمبدأ أن يكون المدنيون في مركز العملية السياسية، وألا تتحول المفاوضات إلى تفاهم جديد بين القوى العسكرية يعيد إنتاج الصيغة التي سبقت الحرب أو يمنح الأطراف المسلحة حقاً دائماً في تحديد مستقبل البلاد.

ويعني ذلك أن واشنطن تفصل، على الأقل من حيث المبدأ، بين المسار المتعلق بوقف الحرب والترتيبات الأمنية، الذي لا يمكن إنجازه من دون الأطراف العسكرية، وبين المسار السياسي الذي يفترض أن تتولى القوى المدنية والمجتمعية مسؤولية قيادته وتحديد أهدافه.

لكن هذا الشرط يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في الانقسام الواسع داخل القوى المدنية نفسها. فقد توزعت الأحزاب والتحالفات والشخصيات العامة بين مسارات متباينة؛ بعضها اقترب من الجيش ومؤسسات السلطة القائمة في الخرطوم، وبعضها انخرط في تحالفات سياسية مع قوى مرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما اختارت مجموعات أخرى الوقوف على مسافة من الطرفين والمطالبة بمسار مدني مستقل.

وبالتالي، فإن الحديث عن قيادة مدنية يفتح سؤالاً آخر: أي قوى مدنية يمكنها قيادة الحوار؟ وهل تستطيع الأطراف الدولية اختيار ممثلين عن المدنيين دون أن تتحول إلى طرف في النزاع حول الشرعية والتمثيل؟

مكان محايد ومتفق عليه

أما الشرط الثاني فيتعلق بانعقاد الحوار في مكان توافق عليه الأطراف، بما يوفر بيئة مستقلة ويمنع خضوع العملية السياسية لنفوذ أحد أطراف الحرب.

ويمثل تحديد مكان الحوار قضية سياسية وليست لوجستية فحسب. فانعقاده داخل السودان وتحت إشراف مؤسسات السلطة القائمة قد يمنحه صفة وطنية مباشرة، لكنه قد يدفع أطرافاً مدنية ومسلحة إلى مقاطعته بدعوى غياب الحياد أو الخشية من التعرض للملاحقة والضغوط الأمنية.

وفي المقابل، فإن عقده خارج السودان قد يتيح مشاركة أوسع للقوى الموجودة في المنفى واللاجئين والنازحين وممثلي المجتمع المدني، لكنه قد يواجه اتهامات بأنه حوار تديره العواصم الخارجية بعيداً عن إرادة السودانيين الموجودين داخل البلاد.

ولهذا ركز الموقف الأمريكي على ضرورة الاتفاق على المكان، بدلاً من فرض عاصمة محددة على المشاركين. غير أن الوصول إلى هذا الاتفاق قد يتحول في حد ذاته إلى معركة سياسية؛ لأن اختيار الدولة المضيفة غالباً ما يعكس طبيعة التحالفات الإقليمية وموازين النفوذ المحيطة بالأزمة السودانية.

كما أن بعض الدول المرشحة لاستضافة الحوار ترتبط بعلاقات متفاوتة مع الأطراف السودانية، ما قد يثير تحفظات حول قدرتها على توفير الحياد المطلوب.

توسيع قاعدة المشاركة

يشدد الموقف الأمريكي كذلك على أن تكون العملية شاملة لمختلف مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك النازحون داخلياً واللاجئون في الخارج.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بعد أن أدت الحرب إلى تغيير الخريطة السكانية والاجتماعية للبلاد. فقد اضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم، وانتقل بعضهم إلى ولايات أكثر أمناً، بينما لجأ آخرون إلى دول الجوار ومناطق أبعد.

ولم يعد ممكناً، وفق هذا التصور، حصر مستقبل السودان في تفاوض بين الأحزاب المعروفة أو القيادات العسكرية والحركات المسلحة. فالنازحون واللاجئون والنساء والشباب ولجان المقاومة والنقابات والمجتمعات المحلية أصبحوا من أكثر الفئات تأثراً بالحرب، ولذلك فإن استبعادهم من الحوار يعني تجاهل قطاعات واسعة تحملت الكلفة الأكبر للنزاع.

غير أن الانتقال من مبدأ المشاركة الشاملة إلى آلية عملية يظل أمراً بالغ التعقيد. فليس من السهل تحديد من يمثل النازحين أو اللاجئين، أو اختيار ممثلين حقيقيين للمجتمعات المحلية، من دون أن تستحوذ الأحزاب والتنظيمات السياسية على حصصهم داخل قاعة الحوار.

كما أن توسيع المشاركة بلا ضوابط قد يؤدي إلى عملية ضخمة تفتقر إلى القدرة على اتخاذ القرارات. ولذلك تحتاج أي تسوية جدية إلى تحقيق توازن بين الشمول والفاعلية، وبين تمثيل المجتمع وعدم تحويل الحوار إلى مؤتمر مفتوح يصعب الوصول داخله إلى توافقات واضحة.

مسار الخرطوم والتحفظات المدنية

يتزامن الطرح الأمريكي مع تحركات تقودها مؤسسات السلطة في الخرطوم لإطلاق حوار داخلي عبر لجان وشخصيات وطنية. ويرتكز هذا المسار على فكرة أن الحل ينبغي أن ينطلق من الداخل، وأن يكون سودانياً بعيداً عن الضغوط والإملاءات الخارجية.

ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن التجارب السابقة أثبتت أن تعدد المنابر الإقليمية والدولية لم يؤدِّ إلى إنهاء الأزمة، بل ساهم أحياناً في إطالة أمدها ومنح الأطراف فرصاً للمناورة السياسية والعسكرية.

كما يؤكدون أن استمرار نقل الحوارات السودانية إلى العواصم الخارجية أضعف المؤسسات الوطنية، وجعل قرارات البلاد عرضة لتأثير مصالح الدول الراعية.

لكن قوى مدنية تتحفظ على الحوار الذي يجري الإعداد له في الخرطوم، وتخشى أن يكون الهدف منه توسيع القاعدة السياسية للسلطة القائمة بدلاً من تأسيس عملية انتقالية جديدة. كما ترى أن الحوار لا يمكن أن يكون شاملاً إذا بدأ بشروط مسبقة تستبعد قوى سياسية بسبب مواقفها من الحرب أو علاقاتها بأحد أطرافها.

وتتخوف هذه القوى من أن تتحول المبادرة الداخلية إلى مؤتمر يضم الأطراف المتحالفة مع الجيش، ثم يقدم نفسه إلى المجتمع الدولي باعتباره ممثلاً للإرادة الوطنية.

في المقابل، ترفض القوى الداعمة للمسار الداخلي مشاركة أي جهة تمنح قوات الدعم السريع غطاءً سياسياً، وتعتبر أن الحياد بين الجيش وهذه القوات لا يتناسب مع طبيعة الانتهاكات التي شهدتها البلاد.

وهنا يظهر الخلاف الجوهري: هل ينبغي أن ينطلق الحوار من مبدأ عدم الإقصاء، أم أن بعض الأطراف فقدت أهليتها السياسية بسبب مواقفها وتحالفاتها خلال الحرب؟

بين الشمول والمساءلة

تواجه الدعوة إلى الحوار الشامل معضلة أخرى تتعلق بكيفية التوفيق بين عدم الإقصاء وضرورة المساءلة عن الجرائم والانتهاكات.

فالشمول السياسي لا ينبغي أن يعني، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، تجاوز ما وقع من قتل وتهجير ونهب وعنف جنسي وتدمير للمؤسسات العامة والخاصة. كما أن وقف الحرب لا يمكن أن يتحول إلى صفقة تمنح الحصانة للمتورطين في الانتهاكات.

وفي الوقت نفسه، فإن الوصول إلى تسوية عملية يتطلب التواصل مع القوى التي تمتلك السلاح والنفوذ الميداني، حتى إن كانت محل اتهامات خطيرة. وهذه واحدة من أعقد المعضلات التي تواجه عمليات السلام في السودان: كيف يمكن التفاوض مع الأطراف المسلحة من دون منحها شرعية سياسية مجانية، وكيف يمكن وقف القتال مع الحفاظ على حق الضحايا في العدالة؟

ولذلك تحتاج العملية السياسية إلى مسارات متوازية تشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، وإقامة آلية مستقلة للعدالة والمساءلة.

لا تسوية من دون وقف الحرب

رغم تركيز الموقف الأمريكي على شكل الحوار وقيادته ومكانه، فإن العقبة الأكبر تظل استمرار العمليات العسكرية.

فمن الصعب بناء عملية سياسية مستقرة بينما تسعى الأطراف المتحاربة إلى تحسين مواقعها الميدانية، وتتعامل مع الحوار بوصفه امتداداً للمعركة بوسائل أخرى. وكل تقدم عسكري قد يدفع الطرف الذي حققه إلى رفع سقف شروطه، بينما يدفع الطرف المتراجع إلى استخدام العملية السياسية لكسب الوقت وإعادة ترتيب قواته.

كما أن المدنيين لن يتمكنوا من المشاركة بحرية في حوار سياسي ما دامت مناطق واسعة تعاني النزوح والحصار وانهيار الخدمات الأساسية. ولا يمكن مطالبة النازحين واللاجئين بمناقشة شكل الحكم قبل ضمان سلامتهم وحقهم في العودة واستعادة ممتلكاتهم.

لذلك يبقى وقف إطلاق النار وتوفير الحماية للمدنيين وفتح الممرات الإنسانية مدخلاً ضرورياً لأي عملية سياسية ذات معنى، حتى إذا لم يكن التوصل إلى وقف شامل ونهائي للحرب ممكناً منذ البداية.

تعدد الوسطاء ومخاطر تنازع المنابر

تزداد الأزمة تعقيداً بسبب تعدد الجهات الساعية إلى التأثير في مسارها، من الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا، إلى دول الجوار والقوى العربية والدولية.

وقد يمنح هذا الاهتمام فرصاً إضافية للضغط على الأطراف ودعم الجهود الإنسانية، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تنافس بين المبادرات وتعدد المنابر.

وتستفيد الأطراف السودانية عادة من هذا التعدد بالانتقال من منصة إلى أخرى واختيار المبادرة الأقرب إلى مواقفها. وبدلاً من أن تتكامل الجهود، تتحول الوساطات أحياناً إلى مسارات متوازية، لكل منها أطرافها وشروطها وتحالفاتها.

لذلك فإن استعداد واشنطن للعمل مع الشركاء سيكتسب قيمته الحقيقية إذا أدى إلى تنسيق دولي وإقليمي واضح، لا إلى إضافة منصة جديدة إلى قائمة المبادرات المتنافسة.

والتحدي أمام الولايات المتحدة لا يكمن في إعلان المبادئ العامة، بل في قدرتها على جمع القوى الدولية المؤثرة حول رؤية موحدة تمنع تزويد الأطراف بالسلاح، وتضغط من أجل حماية المدنيين، وتمنع استخدام المساعدات الإنسانية أداةً في الصراع.

حوار لا يعيد إنتاج الماضي

إن أي عملية سياسية جديدة ستواجه اختباراً قاسياً أمام الرأي العام السوداني، بعد سلسلة من الاتفاقات والمواثيق التي لم تنجح في بناء انتقال مستقر أو منع اندلاع الحرب.

ولن يكفي تغيير مكان الحوار أو توسيع قائمة المشاركين إذا ظلت القضايا الأساسية مؤجلة. فالسودان يحتاج إلى نقاش واضح حول طبيعة الدولة، ونظام الحكم، وعلاقة المركز بالأقاليم، وإدارة الموارد، وتحقيق العدالة، وإعادة بناء الجيش، وإنهاء تعدد القوات المسلحة.

كما يتطلب الأمر وضع جدول زمني واقعي للانتقال المدني، وتحديد صلاحيات المؤسسات الانتقالية، ومنع الأطراف العسكرية من استخدام المرحلة الانتقالية لإعادة إنتاج نفوذها السياسي والاقتصادي.

ولا ينبغي أن تكون غاية الحوار توزيع المناصب بين النخب، بل وضع أساس جديد للدولة يعالج الأسباب التي قادت إلى الحرب والانهيار.

امتحان الإرادة السودانية

يرسم الموقف الأمريكي إطاراً يقوم على القيادة المدنية والشمول والمكان المحايد، لكنه لا يستطيع وحده صناعة السلام في السودان.

فالضغط الخارجي يمكن أن يفتح باب التفاوض، ويوفر الضمانات، ويدعم تنفيذ الاتفاقات، إلا أن التسوية لن تصمد ما لم تمتلك القوى السودانية إرادة حقيقية لتقديم تنازلات متبادلة وإنهاء استخدام السلاح وسيلةً للوصول إلى السلطة.

ويقف السودان اليوم أمام مسارين: حوار داخلي تسعى الخرطوم إلى تنظيمه استناداً إلى السيادة الوطنية، ومسار تدعمه قوى دولية وإقليمية ويشترط قيادة مدنية وبيئة محايدة ومشاركة شاملة.

ولا يشترط أن يكون المساران متعارضين بصورة كاملة؛ إذ يمكن الوصول إلى صيغة تجمع الملكية السودانية للعملية مع توفير ضمانات إقليمية ودولية لحيادها وشمولها. لكن ذلك يتطلب أولاً الاتفاق على المبادئ، لا التنافس على المنصات والأسماء.

وفي النهاية، لن تُقاس جدية أي مبادرة بعدد الاجتماعات أو حجم الوفود المشاركة فيها، بل بقدرتها على وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة النازحين واللاجئين، وتأسيس سلطة مدنية مستقلة، وبناء دولة لا تحتكرها قوة عسكرية أو جماعة سياسية.

فالحوار الذي يحتاجه السودان ليس مناسبة لإعادة ترتيب مواقع النخب، وإنما فرصة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الدولة وفتح الطريق أمام سلام يشارك في صناعته السودانيون جميعاً.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً