محررو لقطة AI – 13
7 أكتوبر 2026
علمت أسرة ضابط الشرطة الأمنية بشير المِكوبي، المنحدر من مدينة الضعين بولاية شرق دارفور، بوفاته داخل سجن دقريس غربي مدينة نيالا، بعد فترة من حدوث الوفاة، في واقعة تعيد إلى الواجهة الأوضاع الصحية والإنسانية للمحتجزين داخل أحد أكثر مراكز الاعتقال إثارة للجدل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع بدارفور.
وبحسب معلومات نشرتها دارفور24، فإن الأسرة تلقت نبأ وفاة المِكوبي يوم الاثنين، رغم أن الوفاة حدثت قبل ذلك بفترة لم يحددها المصدر بدقة. وقال أحد زملائه إن الأسرة لم تتلق إخطارًا رسميًا في حينه، وإنما علمت بالوفاة مصادفة عن طريق شخص أُفرج عنه من السجن، لتقيم بعد ذلك مراسم العزاء في منزلها جنوب سوق الضعين الكبير.
وقال المصدر نفسه إن الحالة الصحية للضابط تدهورت أثناء احتجازه، وعزا وفاته إلى ما وصفه بالحرمان من العلاج وسوء التغذية. ولم يتوفر حتى الآن تقرير طبي مستقل منشور يحدد سبب الوفاة، كما لم أعثر على بيان رسمي من قوات الدعم السريع يشرح ملابسات وفاة المِكوبي أو الفترة التي قضاها داخل السجن، ولذلك تبقى تفاصيل ظروف وفاته مستندة في الوقت الحالي إلى إفادة زميله التي نقلتها دارفور24.
لكن أهمية الواقعة لا تتوقف عند حالة فردية. فسجن دقريس، الواقع غرب نيالا بولاية جنوب دارفور، أصبح خلال الحرب مركزًا رئيسيًا لاحتجاز عسكريين ومدنيين وقيادات أهلية وأشخاص تتهمهم قوات الدعم السريع بالتعاون مع الجيش أو بمعارضتها. وأفادت مصادر محلية وتقارير حقوقية خلال الأشهر الماضية بتسجيل وفيات داخل السجن مرتبطة بتدهور الأوضاع الصحية ونقص الغذاء والمياه والرعاية الطبية، وهي اتهامات تتطلب تحقيقًا مستقلًا للوصول إلى صورة كاملة لما يجري داخل المنشأة.
وفي يونيو الماضي قالت شبكة أطباء السودان، وفق ما نقلته راديو دبنقا، إن أكثر من 215 محتجزًا توفوا داخل دقريس خلال شهري مايو ويونيو، ونسبت ذلك إلى انتشار الأمراض وسوء ظروف الاحتجاز والتعذيب ونقص الرعاية الصحية. وهذه الحصيلة صادرة عن الشبكة وليست نتيجة إحصاء مستقل تمكنت جهة دولية من إجرائه داخل السجن، وهو تمييز ضروري بالنظر إلى صعوبة الوصول إلى مراكز الاحتجاز في مناطق الحرب.
وتقدم تقارير حقوقية صورة مقلقة مماثلة. فقد قالت منظمة African Centre for Justice and Peace Studies إن شهادات حصلت عليها من معتقلين سابقين تشير إلى اكتظاظ السجن وتدهور النظافة ونقص المياه وسوء نوعية الغذاء وانتشار الأمراض، وإن محتجزين توفوا أثناء الاعتقال منذ ديسمبر 2025. ودعت المنظمة إلى رقابة مستقلة على مراكز الاحتجاز وضمان حماية المعتقلين وفق القانون الدولي.
وتزداد حساسية وفاة المِكوبي بسبب انتمائه إلى الشرطة، إذ سبق أن قالت الحكومة السودانية في مذكرة رفعتها إلى الأمم المتحدة إن سجن دقريس يضم آلاف العسكريين وأفراد الشرطة والمدنيين. وقدمت الحكومة أرقامًا كبيرة عن عدد المحتجزين، إلى جانب اتهامات أشد خطورة تتعلق بالتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والاتجار بالأعضاء البشرية. قوات الدعم السريع نفت في وقت سابق تلك الاتهامات، وقال مصدر من مكتبها الإعلامي للجزيرة إن هذه الادعاءات مختلقة، مشيرًا إلى تشكيل لجنة لمراجعة أوضاع المعتقلين.
ومن الضروري الفصل بين ما يمكن إثباته وما يزال محل اتهام. وجود أعداد كبيرة من المحتجزين في دقريس وتسجيل حالات وفاة متعددة ورد في مصادر وتقارير مختلفة، لكن الاتهامات المتعلقة بالاتجار بالأعضاء البشرية لم تُثبت حتى الآن من خلال تحقيق دولي مستقل منشور. كما أن الوصول المحدود إلى السجن يجعل التحقق الخارجي من العدد الحقيقي للمحتجزين والوفيات وظروف الاحتجاز أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي أغسطس ظهرت مؤشرات على محاولة مراجعة ملفات بعض المحتجزين، إذ أفادت تقارير بأن لجنة تضم ممثلين عن القضاء والنيابة والقانونيين والشرطة والاستخبارات بدأت فحص الملفات، وأن أكثر من 70 شخصًا أُطلق سراحهم من دقريس ومعتقلات أخرى في نيالا. غير أن استمرار ورود أنباء عن وفيات داخل السجن يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت عملية المراجعة شملت بصورة عاجلة المحتجزين المرضى وكبار السن ومن يحتاجون إلى علاج لا يتوفر داخل المنشأة.
وقبل وفاة المِكوبي، كانت أسر أخرى قد أبلغت عن وفاة أقارب لها داخل السجن. ففي أغسطس تحدثت أسر ثلاثة معتقلين من رهيد البردي في جنوب دارفور عن وفاة ذويهم بعد أكثر من عام على احتجازهم، وقالت إنها حصلت على المعلومات من معتقلين أُفرج عنهم. وتكرار الطريقة التي تعرف بها الأسر مصير أقاربها يفتح ملفًا آخر لا يقل خطورة عن ظروف الاحتجاز نفسها، يتعلق بحق الأسر في معرفة مكان المحتجز وحالته الصحية ومصيره.
وتضع وفاة ضابط الشرطة بشير المِكوبي ثلاث قضايا أمام الجهات المسيطرة على السجن: ظروف الاحتجاز، والحصول على الرعاية الطبية، وإبلاغ الأسر بالوفاة أو المرض. وحتى في ظروف الحرب، لا يسقط عن الطرف الذي يحتجز شخصًا واجب حمايته وتوفير المعاملة الإنسانية والرعاية الطبية الأساسية له، كما أن وفاة محتجز في ظروف غير واضحة تستوجب توثيق السبب وإبلاغ أسرته وحفظ المعلومات المتعلقة بمصيره.
القضية لذلك أكبر من خبر وفاة ضابط داخل السجن. عندما تعرف أسرة أن ابنها مات من شخص خرج من المعتقل بدل أن تتلقى إخطارًا رسميًا، فإن السؤال ينتقل من مصير شخص واحد إلى مصير بقية المحتجزين الذين لا تزال أسرهم تنتظر أخبارهم.
ولهذا فإن الخطوة الأكثر أهمية الآن هي السماح لجهة إنسانية أو حقوقية مستقلة بالوصول إلى دقريس، وحصر المحتجزين، وتحديد حالتهم الصحية، وتوثيق الوفيات وأسبابها، وتمكين الأسر من معرفة مصير أقاربها. ففي ملف السجون، لا يمكن أن تكون الروايات المتعارضة بديلًا دائمًا عن الوصول المستقل والتحقق المباشر.
وفاة بشير المِكوبي تضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الأشخاص الذين قيل إنهم ماتوا داخل دقريس، لكنها تترك سؤالًا أكثر إلحاحًا بلا إجابة: كم شخصًا ما زال داخل السجن، وكم أسرة لا تعرف حتى الآن إن كان قريبها حيًا أم ميتًا؟
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات