محررو لقطة AI – 4
9 أغسطس 2026
لم تعد المدرسة في السودان تعني بالضرورة فصلًا وسبورة ومعلمًا. فقد تحولت بعض المدارس إلى ثكنات ومواقع عسكرية، وأصبحت أخرى ملاجئ للنازحين، بينما أُغلقت آلاف المباني بعد أن طالتها أعمال القصف والنهب أو فر منها المعلمون والطلاب.
وتكشف بيانات أممية حديثة حجم الاستهداف الذي تعرض له قطاع التعليم، مع توثيق أكثر من 67 هجومًا على المدارس في مختلف أنحاء البلاد، ورصد أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمرافق التعليمية.
لكن هذه الحصيلة، على خطورتها، لا تمثل كامل الأضرار؛ إذ يصعب على فرق الرصد الوصول إلى مناطق واسعة في دارفور وكردفان، كما لا يُبلغ عن جميع الحوادث أو يتم التحقق منها بصورة مستقلة.
وتقول الأمم المتحدة إن ثمانية ملايين طفل على الأقل أصبحوا خارج المدرسة، فيما فقدت قرابة نصف المباني التعليمية في السودان قدرتها على العمل بوصفها فصولًا دراسية.
المدرسة تتحول إلى هدف
تشمل الهجمات التي تعرضت لها المرافق التعليمية القصف الجوي والمدفعي وهجمات الطائرات المسيّرة وإطلاق النار والنهب والتخريب.
ولا تقتصر الأضرار على تدمير المبنى؛ فقد يؤدي استهداف مدرسة واحدة إلى توقف التعليم في قرى وأحياء عدة، خصوصًا في المناطق الريفية التي لا تمتلك بدائل قريبة.
كما تتسبب الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب حول المدارس في منع عودة الطلاب حتى بعد توقف القتال، إذ تحتاج المباني والساحات إلى فحص هندسي وأمني قبل إعادة فتحها.
وفي بعض المناطق، تعرضت المقاعد والنوافذ والأبواب والأسلاك والمعدات للنهب، بينما استُخدمت الفصول مخازن أو مساكن أو مواقع عسكرية، ما يجعل إعادة المدرسة إلى الخدمة أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان استئناف الدراسة.
154 حالة استخدام عسكري
يمثل استخدام المدارس في الأغراض العسكرية واحدًا من أخطر الانتهاكات التي تواجه التعليم خلال النزاعات.
فعندما تتحول المدرسة إلى ثكنة أو نقطة مراقبة أو مخزن للسلاح، تفقد طبيعتها المدنية وتزداد احتمالات تعرضها للهجوم. كما يصبح الطلاب والمعلمون والسكان المحيطون بها عرضة للخطر.
وقد رُصدت أكثر من 154 حالة استخدام عسكري لمرافق تعليمية في السودان، وفق الإحصاءات التي استندت إليها الإحاطات الأممية.
ومن المهم التمييز بين احتلال مدرسة بواسطة قوة مسلحة واستخدامها مركزًا لإيواء النازحين. فمراكز الإيواء لا تُعد استخدامًا عسكريًا، لكنها تؤدي عمليًا إلى خروج المبنى من العملية التعليمية عندما لا يتوافر مكان بديل للأسر الفارة من القتال.
وبحسب اليونيسف، فإن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلق، بينما تُستخدم نسبة إضافية من المباني ملاجئ للنازحين أو تشغلها أطراف مسلحة، ما يعني أن قرابة نصف المدارس لم تعد تؤدي وظيفتها الأساسية.
ثمانية ملايين طفل خارج التعليم
تقدر اليونيسف عدد الأطفال الموجودين خارج المدرسة بنحو ثمانية ملايين طفل على الأقل، في واحدة من أكبر أزمات التعليم في العالم.
ولا يشمل هذا الرقم الأطفال الذين عادوا إلى مدارس تعمل بصورة متقطعة أو مكتظة أو تفتقر إلى المعلمين والكتب والمياه والمراحيض، ولذلك فإن العودة الاسمية إلى الفصل لا تعني بالضرورة الحصول على تعليم منتظم أو ذي جودة.
وقد أمضى ملايين الأطفال فترات طويلة من دون دخول فصل دراسي، بعد سنوات تداخلت فيها الاضطرابات السياسية وجائحة كورونا ثم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.
ويعني ذلك أن بعض الأطفال فقدوا سنوات متتابعة من التعلم في مراحل تأسيسية لا يمكن تعويضها بسهولة، خصوصًا مهارات القراءة والكتابة والحساب.
كما قد يعود الطفل إلى المدرسة بعمر أكبر من زملائه أو بعد أن أصبح مسؤولًا عن إعالة أسرته، ما يزيد احتمال انقطاعه نهائيًا.
شمال دارفور.. تعليم متوقف بنسبة 97%
يُعد إقليم دارفور المنطقة الأكثر تضررًا من انهيار التعليم.
فمن بين نحو أربعة ملايين طفل في سن الدراسة داخل الإقليم، أصبح أكثر من ثلاثة ملايين خارج المدارس، وفق تقديرات اليونيسف.
وتشير بيانات مجموعة التعليم إلى أن 97% من مدارس شمال دارفور كانت غير عاملة في بداية 2026، أي إن نحو ثلاث مدارس فقط من كل مائة حافظت على نشاط تعليمي ما.
وفي غرب دارفور، لم تتجاوز نسبة المدارس العاملة نحو 27%، بينما بلغت في جنوب دارفور قرابة 13%، مع اختلاف القدرة على التشغيل بين محلية وأخرى.
وتعرضت شمال دارفور لحصار طويل ومعارك ونزوح جماعي، ما أدى إلى تدمير المدارس أو إغلاقها وتحويل بعضها إلى ملاجئ.
كما نزح المعلمون مع أسرهم، وانقطعت الرواتب والمواد التعليمية، وأصبح الانتقال إلى المدرسة خطرًا في المناطق التي تشهد قصفًا أو انتشارًا للجماعات المسلحة.
الخرطوم والجزيرة وكردفان
في الخرطوم، تعرضت آلاف المنشآت العامة للنهب والتدمير خلال المعارك، ولم تسلم المدارس من الأضرار. واستُخدمت مبانٍ تعليمية مواقع عسكرية أو مراكز إيواء، بينما تعرضت أخرى لتلف في الأثاث وشبكات الكهرباء والمياه.
وتواجه المدارس التي أعيد فتحها تحديات تتعلق بسلامة المباني ونقص المعلمين والكتب والمقاعد، إضافة إلى تضرر الأحياء المحيطة وانقطاع المياه والكهرباء.
وفي ولاية الجزيرة، أدى اتساع العمليات العسكرية والنزوح إلى إغلاق مدارس وتعطيل العام الدراسي في مناطق واسعة، فيما احتاجت بعض المباني إلى إصلاحات قبل استقبال الطلاب.
أما ولايات كردفان، فتواجه مزيجًا من الحصار والقتال والنزوح وانتشار الأوبئة ونقص الغذاء. وفي غرب كردفان، أشارت تقديرات إلى أن نسبة محدودة جدًا من المدارس ظلت عاملة، بينما تعطلت الدراسة في مناطق من شمال وجنوب كردفان بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.
ما الذي يخسره الطفل خارج المدرسة؟
خسارة التعليم لا تتوقف عند المناهج والامتحانات. فالمدرسة توفر للطفل مساحة للحماية والتواصل والدعم النفسي، وقد تكون بوابة للحصول على الغذاء أو الرعاية الصحية أو اكتشاف حالات العنف والاستغلال.
وعندما يبقى الطفل خارج المدرسة لفترة طويلة، تزداد احتمالات انخراطه في العمل الخطر أو تجنيده بواسطة الجماعات المسلحة أو تعرضه للزواج المبكر والعنف والاستغلال.
وتواجه الفتيات مخاطر أكبر؛ إذ قد تؤدي الضغوط الاقتصادية والنزوح وانعدام الأمان إلى تزويجهن مبكرًا أو تكليفهن بأعمال منزلية تمنع عودتهن إلى التعليم.
كما يتأثر الأطفال ذوو الإعاقة بدرجة مضاعفة، لأن مراكز التعلم المؤقتة قد لا تكون مجهزة لاستقبالهم، وقد يفقدون الخدمات المتخصصة التي كانوا يحصلون عليها قبل الحرب.
جيل يواجه فجوة تعليمية عميقة
حتى إذا توقفت الحرب وأعيد فتح المدارس، لن يعود الأطفال جميعًا إلى المستوى الدراسي الذي كانوا عليه.
فالطالب الذي فقد ثلاث سنوات لا يمكن وضعه ببساطة في الفصل التالي استنادًا إلى عمره، كما لا يمكن إعادته إلى الصفوف السابقة من دون مراعاة الآثار النفسية والاجتماعية.
ويحتاج السودان إلى برامج استدراك مكثفة تقيس مستوى كل طفل وتعيد بناء المهارات الأساسية، مع مسارات مرنة للطلاب الأكبر سنًا الذين لا يستطيعون العودة إلى النظام التقليدي.
كما يحتاج المعلمون إلى تدريب على التعامل مع الأطفال المتأثرين بالصدمات والنزوح والعنف، بدل الاكتفاء باستئناف المنهج من النقطة التي توقف عندها.
أكثر من مليون طفل عادوا إلى مسارات التعلم
رغم الظروف الأمنية، تمكنت اليونيسف وشركاؤها من الوصول إلى أكثر من مليون طفل عبر المدارس التي أعيد فتحها ومساحات التعلم الآمنة والبرامج البديلة والتعليم غير النظامي.
وفي مايو 2026 وحده، قالت اليونيسف إنها قدمت خدمات تعليمية لأكثر من 800 ألف طفل، لكن ثمانية ملايين ظلوا خارج النظام.
كما أُطلق برنامج «BRIDGES» بالشراكة بين اليونيسف ومنظمة إنقاذ الطفولة والشراكة العالمية من أجل التعليم، بهدف مساعدة أكثر من 328 ألف طفل متأثر بالنزاع.
ويمتد البرنامج من 2026 إلى 2028، ويستهدف إعادة فتح نحو 850 مدرسة في سبع ولايات متضررة، ودعم أكثر من تسعة آلاف معلم، وإنشاء نحو 1,800 مساحة تعلم بديلة وآمنة.
ورغم أهمية البرنامج، فإنه يغطي جزءًا محدودًا من الاحتياج؛ فعدد المستفيدين المستهدفين لا يمثل سوى نسبة صغيرة من ملايين الأطفال المحرومين من الدراسة.
التمويل أقل من حجم الأزمة
تواجه الاستجابة الإنسانية فجوة تمويل كبيرة. فقد طلبت اليونيسف نحو 962.9 مليون دولار خلال 2026 للوصول إلى 7.9 مليون طفل بالخدمات المنقذة للحياة، لكن نسبة محدودة فقط من التمويل كانت قد وصلت خلال الأشهر الأولى من العام.
ويعني نقص التمويل تقليص برامج التعليم المؤقت، وعدم توفير الكتب والحقائب، وتأخير إصلاح المدارس، وصعوبة دفع حوافز المعلمين.
كما تتنافس احتياجات التعليم مع قطاعات شديدة الإلحاح، مثل الغذاء والصحة والمياه، ما يدفع المانحين أحيانًا إلى التعامل مع المدرسة بوصفها خدمة يمكن تأجيلها.
لكن استمرار الأطفال خارج التعليم يخلق تكلفة طويلة المدى تفوق كلفة التدخل الحالي، إذ يؤدي إلى تراجع المهارات والإنتاجية وزيادة الفقر والتجنيد والاستغلال.
التعليم لا ينتظر نهاية الحرب
قد يستغرق الوصول إلى تسوية سياسية شاملة سنوات، لكن الأطفال لا يستطيعون تعليق أعمارهم حتى تنتهي الحرب.
ولهذا تحتاج الاستجابة إلى تشغيل التعليم في الظروف القائمة، عبر مساحات تعلم داخل مخيمات النزوح، وفصول مرنة، وبرامج إذاعية ورقمية عند توافر الاتصال، ومواد يمكن استخدامها في المنازل.
لكن الحلول البديلة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن المدرسة. فالهدف النهائي هو إعادة تأهيل المباني وتوفير المعلمين وإعادة نظام تعليمي وطني متماسك.
كما يجب إخلاء المدارس من جميع المظاهر العسكرية، ونقل النازحين الموجودين فيها إلى مراكز إيواء لائقة بدل إخراجهم بالقوة أو ترك الأطفال بلا فصول.
حماية المدرسة مسؤولية قانونية
تتمتع المدارس بحماية بوصفها منشآت مدنية بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استهدافها ما لم تتحول إلى أهداف عسكرية وفق شروط قانونية صارمة.
ويجب على جميع أطراف الحرب الامتناع عن استخدام المدارس عسكريًا، والتحقيق في الهجمات التي تستهدف الطلاب والمعلمين والمرافق التعليمية، ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما أن حماية المدرسة لا تعني المبنى وحده، بل تشمل ضمان وصول الأطفال والمعلمين إليها بأمان، ومنع التجنيد والعنف الجنسي والألغام والذخائر غير المنفجرة في محيطها.
الحرب على المستقبل
يمكن إعادة بناء الجدار الذي تهدم، واستبدال المقاعد التي نُهبت، وطباعة الكتب التي احترقت. لكن استعادة السنوات التي ضاعت من حياة ملايين الأطفال ستكون المهمة الأصعب.
فالسودان لا يخسر عامًا دراسيًا واحدًا، بل يخاطر بإنتاج جيل كامل دخل الحرب طفلًا وقد يخرج منها شابًا من دون تعليم كافٍ أو مهارات أو فرص.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى المدارس باعتبارها ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد السلام. فالتعليم نفسه أحد شروط السلام، وأحد الحواجز القليلة التي تمنع الأطفال من الانزلاق إلى الفقر والتجنيد والعنف.
وعندما تتحول المدرسة من فصل للتعلم إلى ثكنة أو ملجأ أو مبنى مهجور، لا تكون الحرب قد استولت على المكان وحده، بل تكون قد بدأت في مصادرة مستقبل البلاد.
المصادر
- اليونيسف: ثمانية ملايين طفل خارج المدرسة وقرابة نصف المباني التعليمية متعطلة
- اليونيسف وإنقاذ الطفولة: برنامج لإعادة 328 ألف طفل إلى التعليم
- اليونيسف: أكثر من ثلاثة ملايين طفل خارج المدرسة في دارفور
- بيانات تشغيل المدارس في شمال وغرب وجنوب دارفور
- تقرير اليونيسف الإنساني عن السودان – مايو 2026
- الأمم المتحدة: التعليم من أهم الاستثمارات الاستراتيجية في السودان
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات