الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

«مغامرات» الدعم السريع ودمار الخدمات يعيقان عودة النازحين إلى بارا

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

«مغامرات» الدعم السريع ودمار الخدمات يعيقان عودة النازحين إلى بارا
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19
9 أغسطس 2026

في بارا، لا تكفي استعادة المدينة عسكرياً لإعادتها إلى الحياة. فبعد تبدل السيطرة عليها أكثر من مرة، تحولت العودة إلى معادلة شديدة التعقيد: من يضمن ألا تندلع المعارك مجدداً؟ وأين يجد العائدون الماء والدواء والغذاء والمأوى إذا كانت المرافق الأساسية قد خرجت من الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة؟

أعلن الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه، في 25 يوليو الماضي، استعادة بارا وعدد من المناطق المجاورة في ولاية شمال كردفان من قوات الدعم السريع. لكن هذا التحول الميداني، على أهميته العسكرية، لم يبدد مخاوف السكان أو يفتح الطريق تلقائياً أمام عودة واسعة ومستقرة للنازحين.

فالمدينة التي كانت تمثل محطة تجارية مهمة على الطريق الرابط بين أم درمان والأبيض وإقليمي كردفان ودارفور، خرجت من جولات القتال مثقلة بالدمار، ومحاطة بقرى تعاني العنف والنزوح وانتشار الأمراض ونقص الإمدادات.

مدينة تتبدل السيطرة عليها

تكشف تجربة بارا أن السيطرة العسكرية يمكن أن تتغير خلال أيام، بينما يحتاج ترميم ثقة المدنيين إلى سنوات.

استعاد الجيش المدينة في مارس 2026، قبل أن تعلن قوات الدعم السريع السيطرة عليها مجدداً بعد نحو عشرة أيام. وفي أواخر يوليو، أعلن الجيش وحلفاؤه استعادتها مرة أخرى ضمن عملية شملت أم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة ومناطق أخرى في شمال كردفان.

هذا التناوب السريع جعل السكان يتعاملون بحذر مع إعلانات «التحرير» أو «تأمين المدينة». فالعائلات التي خرجت أكثر من مرة لا تنظر إلى خريطة السيطرة وحدها، بل إلى قدرة القوات الموجودة على حماية الطرق والأحياء ومنع الاعتقالات والانتقام والنهب، وضمان عدم تحول منازل المدنيين إلى مواقع عسكرية.

كما أن قرب المدينة من خطوط التماس، وأهميتها بوصفها بوابة نحو الأبيض وطريقاً حيوياً للإمداد، يجعلانها معرضة لمزيد من العمليات العسكرية إذا حاولت قوات الدعم السريع استعادة مواقعها أو تعطيل تقدم الجيش في شمال كردفان.

آثار الانتهاكات لم تغادر ذاكرة السكان

ارتبطت فترات سيطرة الدعم السريع على بارا ومناطقها الغربية بتقارير عن قتل مدنيين ونهب ممتلكات واعتقالات واسعة وتهجير قسري.

وفي نهاية مايو، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل 27 مدنياً في هجمات استهدفت قرى غربي بارا، بينما تحدثت مصادر محلية عن أعداد أكبر من الضحايا في قرى المرة وأم سعدون الشريف والرضة.

وأفادت تقارير لاحقة بأن قوات الدعم السريع نفذت حملة اعتقالات في المناطق الغربية، قبل نقل عشرات المحتجزين إلى سجون في جنوب دارفور. وقالت قيادة الدعم السريع حينها إنها شكلت لجنة للتحقيق في الأحداث، لكن مصير عدد من المحتجزين والنتائج النهائية للتحقيقات ظلا موضع قلق لدى الأهالي والجهات الحقوقية.

هذه الوقائع لا تمثل حوادث معزولة في نظر المجتمعات المحلية، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة الحرب في المنطقة. ولهذا فإن العودة لا ترتبط فقط بانتهاء الاشتباكات داخل المدينة، وإنما بمعالجة ملف المفقودين والمعتقلين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع الأعمال الانتقامية على أساس الانتماء القبلي أو الموقف السياسي المفترض.

دمار الخدمات.. العائق الصامت

إذا كان الخوف الأمني يمثل العائق الأول أمام العودة، فإن انهيار الخدمات يشكل العائق الأكثر استمراراً.

تعرضت المرافق الصحية وشبكات المياه والكهرباء والأسواق والمخازن ووسائل النقل في بارا ومحيطها لأضرار مباشرة وغير مباشرة خلال جولات القتال. كما أدى النهب وتعطل سلاسل الإمداد وفرار الكوادر إلى إضعاف ما تبقى من مؤسسات مدنية.

وقد يجد العائد منزله قائماً، لكنه لا يجد ماءً صالحاً للشرب أو مركزاً صحياً قادراً على استقبال المرضى أو سوقاً يوفر الغذاء بأسعار يمكن تحملها. وفي مثل هذه الظروف، تتحول العودة من خطوة نحو الاستقرار إلى نزوح جديد داخل المدينة نفسها.

القطاع الصحي

يشكل الوضع الصحي واحداً من أخطر جوانب الأزمة. فقد حذرت شبكة أطباء السودان في يوليو من كارثة صحية تهدد نحو 200 ألف شخص في المناطق الواقعة غربي بارا، بينهم أكثر من 20 ألف طفل.

وقالت الشبكة إن المنطقة تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والغذاء، بالتزامن مع انتشار الكوليرا والحصبة وتدهور خدمات الرعاية الصحية. وأشارت تقارير صحفية إلى تسجيل أكثر من 100 إصابة بالحصبة ونحو 45 حالة كوليرا في تلك المناطق، وسط صعوبات في الوصول إلى المراكز العلاجية.

وتزداد خطورة الوضع مع موسم الأمطار، عندما يؤدي تلوث مصادر المياه وصعوبة الحركة إلى تسارع انتشار الأمراض. كما أن عودة أعداد كبيرة من النازحين قبل تجهيز مراكز العلاج وتوفير اللقاحات والمحاليل الوريدية قد تضع ضغطاً يفوق قدرة النظام الصحي المحلي المنهك.

المياه والكهرباء

لا يمكن الحديث عن عودة قابلة للاستمرار من دون استعادة إمدادات المياه. فتعطل الآبار والمضخات وشبكات التوزيع، ونقص الوقود وقطع الغيار، يفرض على السكان الاعتماد على مصادر بعيدة أو غير مأمونة.

ويؤدي استخدام المياه السطحية أو المصادر المكشوفة إلى زيادة احتمالات الإصابة بالكوليرا والإسهالات المائية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن. أما غياب الكهرباء فيعطل ضخ المياه وحفظ الأدوية وتشغيل المرافق الصحية والمخابز ووسائل الاتصال.

لذلك لا يكفي إصلاح مبنى المستشفى أو فتح أحد الأسواق؛ إذ تحتاج بارا إلى منظومة مترابطة تشمل الطاقة والمياه والنقل والاتصالات والخدمات الصحية.

الأسواق والغذاء

كانت بارا حلقة أساسية في حركة التجارة بين الأبيض وأم درمان ومناطق شمال كردفان. لكن انقطاع الطرق وعمليات النهب وارتفاع تكلفة النقل أدت إلى تقلص المعروض وارتفاع أسعار السلع.

كما أن المزارعين والرعاة في القرى المجاورة تعرضوا لخسائر كبيرة، شملت المحاصيل والمواشي وأدوات الإنتاج. وبذلك لم يعد التحدي مقتصراً على إدخال مساعدات غذائية مؤقتة، بل أصبح مرتبطاً بإعادة تشغيل الاقتصاد المحلي واستعادة حركة الأسواق وتأمين الطرق الزراعية والتجارية.

ومن دون ذلك، سيظل العائدون معتمدين بالكامل على الإغاثة، في وقت يحذر فيه برنامج الأغذية العالمي من أن نقص التمويل يهدد استمرار المساعدات الغذائية في السودان.

الأبيض ليست ملاذاً آمناً بالكامل

نزح عدد كبير من سكان بارا وقراها نحو الأبيض ومناطق أخرى في شمال كردفان. لكن عاصمة الولاية تواجه بدورها ضغطاً إنسانياً متزايداً، ونقصاً في المياه والغذاء والوقود والإمدادات الطبية، إلى جانب تعرضها لهجمات بالطائرات المسيّرة.

وتستضيف الأبيض مئات الآلاف من السكان والنازحين، بينما أدت الحرب إلى ارتفاع تكاليف النقل وتقلص الإمدادات. لذلك يجد نازحو بارا أنفسهم أمام خيارات قاسية: البقاء في مدينة مكتظة ومهددة، أو العودة إلى منطقة لم تستعد بعد الحد الأدنى من شروط الحياة.

هذه المفاضلة لا تجعل العودة طوعية بالمعنى الإنساني والقانوني الكامل. فالعودة التي يدفع إليها الجوع أو انعدام المأوى أو توقف المساعدات قد تكون انتقالاً اضطرارياً من خطر إلى آخر، وليست قراراً حراً قائماً على معلومات وضمانات واضحة.

استعادة الأرض لا تعني استعادة المدينة

عسكرياً، تمنح السيطرة على بارا الجيش ممراً مهماً لتأمين الأبيض وفتح خطوط الحركة باتجاه أم درمان ومناطق كردفان. لكن القيمة الاستراتيجية للمدينة لا ينبغي أن تطغى على احتياجات سكانها.

فاستعادة المدينة الحقيقية تبدأ بإزالة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، وتأمين الطرق والأحياء، وحماية الممتلكات المتروكة، ومنع الاستيلاء على المنازل، وإعادة تشغيل الشرطة والقضاء والمؤسسات المدنية على أسس مهنية.

كما تتطلب حصر الأضرار، وتوثيق المفقودين والمعتقلين والضحايا، ووضع آلية للشكاوى والتعويض، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولويات إعادة الإعمار.

ومن دون إدارة مدنية فعالة، قد تبقى بارا منطقة عسكرية مفتوحة حتى بعد توقف الاشتباكات، وهو ما يحد من عودة المدارس والأسواق والأنشطة الاقتصادية ويعمق شعور السكان بعدم الاستقرار.

متى تصبح العودة ممكنة؟

لا تقاس جاهزية بارا للعودة بعدد المركبات العسكرية الموجودة داخلها، بل بوجود مؤشرات ملموسة يمكن للمدنيين الوثوق بها، أبرزها:

  • استقرار أمني مستمر، وليس مجرد هدوء مؤقت بين جولتين من القتال.
  • تأمين الطرق المؤدية إلى الأبيض وأم درمان والقرى المحيطة.
  • إزالة الذخائر ومخلفات الحرب من الأحياء والمنازل والمزارع.
  • إعادة تشغيل المستشفى والمراكز الصحية وتوفير الأدوية والكوادر.
  • إصلاح مصادر المياه وتشغيل المضخات والآبار بصورة منتظمة.
  • إعادة فتح الأسواق وتأمين وصول الغذاء والوقود ومواد البناء.
  • ضمان عدم تعرض العائدين للاعتقال أو الانتقام أو مصادرة الممتلكات.
  • توفير معلومات موثوقة للنازحين عن أوضاع أحيائهم قبل اتخاذ قرار العودة.
  • السماح للمنظمات الإنسانية بالوصول المستقل ومراقبة أوضاع المدنيين.

اختبار ما بعد المعركة

تدخل بارا الآن اختباراً أصعب من المعركة العسكرية نفسها. فقد تتغير خطوط السيطرة في ساعات، لكن إعادة بناء مدينة محطمة واستعادة ثقة سكانها تحتاجان إلى خطة طويلة وتمويل وضمانات أمنية وإدارة مدنية قادرة على العمل.

وستظل العودة محدودة وهشة إذا اختُزلت في دعوات سياسية أو صور رمزية لوصول بعض الأسر، من دون توفير الماء والعلاج والغذاء والأمان.

مأساة بارا لا تنتهي بخروج قوة ودخول أخرى. إنها تنتهي عندما يستطيع الطفل العودة إلى مدرسته، والمريض الوصول إلى العلاج، والمزارع بلوغ أرضه، والأسرة فتح منزلها من دون خوف من قذيفة أو اعتقال أو نزوح جديد.

وحتى تتحقق هذه الشروط، ستبقى المدينة معلقة بين استعادة عسكرية لم تكتمل مدنياً، وذاكرة مثقلة بانتهاكات الدعم السريع، وخدمات مدمرة تجعل طريق العودة أطول بكثير من المسافة الفاصلة بين بارا ومناطق النزوح.

المصادر

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً