محررو لقطة AI – 19
28 سبتمبر 2026
بدأ السودان، الأحد، محاولة جديدة لإعادة رسم موقع موانئه على البحر الأحمر، مع انطلاق المؤتمر الدولي للموانئ السودانية في بورتسودان، وسط طموح حكومي لتحويل البلاد من مجرد محطة لاستقبال الصادرات والواردات إلى مركز لوجستي إقليمي يربط البحر الأحمر بالأسواق الأفريقية والعربية.
وقال وزير البنى التحتية والنقل سيف النصر التجاني هارون، خلال افتتاح المؤتمر، إن السودان يستهدف تطوير موانئه لتصبح موانئ محورية ومركزًا لوجستيًا إقليميًا، مستفيدًا من موقع البلاد على البحر الأحمر وشريط ساحلي يتجاوز 800 كيلومتر.
لكن المؤتمر لا يطرح الهدف كشعار فقط.
فهيئة الموانئ البحرية وضعت أمام المشاركين أربعة ملفات عملية ترى أنها تشكل أساس التحول: تحديث عمليات المناولة من السفينة إلى الرصيف، معالجة اختناقات البنية التحتية من أرصفة وآليات وساحات ومخازن، تطوير سلاسل الإمداد والانسياب التجاري للصادرات والواردات، ومراجعة البيئة القانونية والتنظيمية التي تحكم النشاط المينائي والتجارة البحرية.
ويبحث المؤتمر هذه الملفات من خلال 16 ورقة علمية، 12 منها يقدمها خبراء دوليون وأربع يقدمها خبراء سودانيون، بمشاركة الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري التابعة لجامعة الدول العربية.
المشكلة ليست في موقع السودان
يمتلك السودان أصلًا واحدة من أهم المزايا التي لا يمكن شراؤها بالمال: الموقع.
فساحله يقع على البحر الأحمر، في منطقة تربط حركة التجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية الممتدة عبر باب المندب والبحر الأحمر إلى قناة السويس.
لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزًا لوجستيًا.
الميناء المحوري يحتاج إلى أرصفة قادرة على استقبال السفن الحديثة، ورافعات سريعة، ومساحات تخزين، وإجراءات جمركية ورقمية تقلل زمن بقاء البضائع، ثم شبكة طرق وسكك حديدية تنقل الحاوية من الرصيف إلى السوق بأقل زمن وكلفة ممكنين.
وهنا يقع الاختبار الحقيقي للمشروع السوداني.
الرصيف وحده لا يكفي
إذا أراد السودان أن يصبح بوابة بحرية لدول الإقليم، فلا يكفي تطوير ميناء بورتسودان من الداخل.
فالسلعة التي تصل إلى البحر يجب أن تجد طريقًا فعالًا إلى الداخل السوداني، ثم إلى الدول الأفريقية غير المطلة على البحر.
وهذا يضع السكك الحديدية والطرق والجمارك والمخازن والنقل متعدد الوسائط في قلب المشروع، حتى إن لم تكن جميعها تحت الإدارة المباشرة لهيئة الموانئ.
فالفرق بين «ميناء» و«مركز لوجستي» أن الأول يستقبل السفينة، بينما الثاني يدير رحلة البضاعة كاملة.
وهذا تحديدًا ما تحاول فكرة سلاسل الإمداد التي يناقشها المؤتمر معالجته.
الاستثمار مفتوح.. والخصخصة منفية
البعد الآخر الذي ظهر في افتتاح المؤتمر هو التمويل.
فقد أعلن عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر أن السودان يفتح المجال أمام الاستثمارات الجادة في النقل البحري والبنية التحتية، وقال إن الدولة تريد وضع خارطة طريق محددة زمنيًا لتطوير الموانئ.
وفي المقابل، نفى نائب المدير العام لهيئة الموانئ البحرية ورئيس اللجنة العليا للمؤتمر حسن جعفر وجود اتجاه إلى خصخصة الموانئ، في رد على المخاوف والانتقادات التي صاحبت انعقاد المؤتمر.
وهذه نقطة تحتاج إلى وضوح أكبر بعد انتهاء المؤتمر.
ففتح الباب أمام الاستثمار الخارجي يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة: التمويل، وعقود التشغيل، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والامتيازات طويلة الأجل، أو تطوير أرصفة ومناطق لوجستية بعينها.
ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل ستُخصخص الموانئ؟
بل: ما النموذج الاستثماري الذي سيستخدمه السودان، ومن يملك الأصول، ومن يديرها، وكم تستمر العقود، وكيف توزع العائدات؟
«السلطة القومية البحرية».. تغيير يتجاوز الاسم
ومن أبرز الأفكار التي ظهرت بالتزامن مع المؤتمر الكشف عن اتجاه لدراسة تحويل هيئة الموانئ البحرية إلى «السلطة القومية البحرية» لتصبح الممثل الرسمي للسلطة البحرية للدولة إذا أثبتت الدراسة جدوى الخطوة.
وإذا مضى المشروع، فالأمر قد يتجاوز تغيير الاسم.
إنشاء سلطة بحرية قومية يمكن أن يعيد ترتيب المسؤوليات المتعلقة بالموانئ والسلامة البحرية والتشريعات والرقابة والالتزامات الدولية، لكنه يحتاج إلى تحديد دقيق للصلاحيات حتى لا تختلط وظيفة تنظيم القطاع بوظيفة تشغيل الموانئ تجاريًا.
لماذا تأتي هذه الخطط في توقيت حساس؟
لأن السودان يحاول إعادة بناء اقتصاده بينما الحرب نفسها لم تنتهِ.
وتظل الموانئ أحد أهم الشرايين التي تعتمد عليها البلاد في دخول الوقود والقمح والدواء والسلع الرأسمالية، وفي خروج الصادرات السودانية إلى الأسواق الخارجية.
ولهذا فإن رفع كفاءة الموانئ لا يمثل مشروعًا بحريًا منفصلًا، وإنما يمكن أن يؤثر في تكلفة الاستيراد وسرعة التصدير وأسعار السلع وقدرة المنتج السوداني على المنافسة.
كما أن البحر الأحمر نفسه أصبح أكثر حساسية استراتيجيًا مع اضطرابات الملاحة والصراع على الموانئ والقواعد والنفوذ على جانبيه.
أربعة مسارات.. لكن الامتحان يبدأ بعد المؤتمر
يمكن للمؤتمر أن يشخص المشكلة، وأن يقدم 16 ورقة، وأن يرسم أربعة مسارات واضحة.
لكن التحول إلى مركز لوجستي إقليمي لن يُقاس بعدد الأوراق المقدمة في بورتسودان.
سيُقاس بزمن تفريغ السفينة، ومدة بقاء الحاوية، وكلفة نقل الطن، وسرعة التخليص الجمركي، وحالة خط السكة الحديد، وقدرة الطريق على نقل البضاعة من الساحل إلى مناطق الإنتاج والأسواق والحدود.
ولهذا فإن أهم ما ينبغي انتظاره عند اختتام المؤتمر الاثنين هو خارطة الطريق التنفيذية: المشروعات التي ستبدأ أولًا، كلفتها، مصادر تمويلها، الجهات التي ستنفذها، والجدول الزمني الذي التزمت به الحكومة.
السودان يملك البحر والموقع والموانئ.
أما ما يحاول مؤتمر بورتسودان الإجابة عنه فهو السؤال الأصعب:
هل يستطيع تحويل هذه الجغرافيا من ميزة على الخريطة إلى مال وحركة وتجارة على الأرض؟
محررو لقطة AI – 19
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات