محررو لقطة AI – 13
4 أكتوبر 2026
لم يعد الموت في دارفور يأتي من الرصاص والقذائف وحدهما. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، بات الجوع والعطش وانهيار الخدمات ونقص الدواء وتراجع المساعدات الإنسانية جبهات أخرى مفتوحة أمام المدنيين في شمال وغرب الإقليم، فيما تدفع موجات جديدة من الأسر إلى النزوح داخل السودان أو عبور الحدود إلى تشاد.
وتعود عبارة «الجميع يواجهون الموت» إلى شهادة وثقتها «بي بي سي» خلال حصار الفاشر، حين وصف أحد المتطوعين المدينة بأنها مكان لم يعد فيه مأمن للمدنيين، وقال إن السكان كانوا معرضين للموت بالقصف أو الجوع والعطش. والتحقيق الأصلي يعود إلى 2025، لذلك فإن التعامل معه اليوم بوصفه خبرًا جديدًا سيكون مضللًا؛ لكن التطورات اللاحقة تكشف أن المأساة التي وصفها لم تنته، بل تغيرت جغرافيتها وشكلها.
بعد سقوط الفاشر في أواخر أكتوبر 2025، انتقلت كتلة ضخمة من النازحين نحو طويلة ومناطق أخرى في شمال دارفور. واليوم يقول برنامج الأغذية العالمي إن قرابة مليون شخص اقتُلعوا من مناطقهم ويعيشون في طويلة، في بيئة يعتمد فيها عدد كبير من السكان على المساعدات للبقاء على قيد الحياة. ومع تقلص التمويل الدولي، تحولت المنطقة التي كانت ملاذًا للهاربين من المعارك إلى واحدة من أكبر بؤر الاحتياج الإنساني في السودان.
الأزمة ليست محصورة في شمال دارفور. ففي الجهة الغربية، تكشف حركة العبور المستمرة نحو تشاد أن الشعور بالأمان لم يعد متاحًا لكثير من الأسر. وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 55 ألف سوداني فروا إلى شرق تشاد خلال 2026، وسط استمرار القتال وانعدام الأمن في دارفور وكردفان ومناطق أخرى. وفي أواخر سبتمبر ارتفع معدل العبور إلى أكثر من 400 شخص يوميًا، وفق بيانات أممية نقلتها رويترز.
أما الجوع، فيظل الخطر الأكثر اتساعًا. فبرنامج الأغذية العالمي يقدر أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026. وكانت تقديرات مشتركة لمنظمات الأمم المتحدة قد حذرت كذلك من استمرار مخاطر المجاعة في عدة مناطق بدارفور.
وتزداد الصورة قتامة بسبب أزمة التمويل. فقد أكد برنامج الأغذية العالمي في سبتمبر أن موارده المخصصة للسودان انخفضت بصورة حادة مقارنة بالعام السابق، في وقت لا يستطيع فيه سوى استهداف جزء من ملايين المحتاجين. وهذا يعني عمليًا أن وجود الغذاء في مخزن تابع لمنظمة دولية لم يعد ضمانة لوصوله إلى الأسرة التي تنتظر وجبتها في طويلة أو إلى النازح الذي يسلك طرقًا خطرة باتجاه تشاد.
المأساة هنا تتجاوز وصف «الحصار» بمعناه العسكري التقليدي. فقد تغيرت خطوط السيطرة منذ التحقيقات الأولى عن الفاشر، لكن المدني ما زال محاصرًا بشبكة أخرى من القيود: انعدام الأمن، صعوبة الحركة، انهيار الاقتصاد، تراجع القدرة الشرائية، نقص الإمدادات، وخطر توقف المساعدات التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص.
وبين شمال دارفور وغربها، تبدو الطرق نفسها جزءًا من الأزمة. من يقرر البقاء قد يجد نفسه بلا غذاء أو علاج، ومن يختار الرحيل يدخل رحلة لا يعرف إن كان سيصل في نهايتها إلى مأوى آمن. أما من يعبر إلى تشاد، فيواجه نظام إغاثة يعاني بدوره من نقص حاد في التمويل وقدرة محدودة على استيعاب التدفقات الجديدة.
لهذا فإن العبارة القديمة «الجميع يواجهون الموت» لم تعد تصلح عنوانًا خبريًا جديدًا بحرفيتها، لكنها تظل وصفًا قاسيًا لجوهر الأزمة: تبدلت خرائط الحرب، لكن المدني في دارفور ما زال هو من يدفع ثمنها الأكبر.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات