الخميس، 15 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من «المركوب» إلى المدابغ.. جلود السودان تقاوم الحرب بحثًا عن حياة جديدة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من «المركوب» إلى المدابغ.. جلود السودان تقاوم الحرب بحثًا عن حياة جديدة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 9
3 أكتوبر 2026

في ورش صغيرة متناثرة بين أم درمان وأحياء الخرطوم، لا تزال أصوات المقصات والمطارق وآلات الخياطة تحاول أن تعيد شيئًا من الحياة إلى واحدة من أقدم الصناعات السودانية. الحقائب والأحذية والأحزمة و«المراكيب» التي ظلت لعقود جزءًا من الأسواق والتراث المحلي، أصبحت اليوم عنوانًا لصناعة تواجه سؤالًا أكبر من مجرد البيع والشراء: هل تستطيع الجلود السودانية النجاة من حرب عطلت المدابغ وقطعت طرق الإمداد ورفعت كلفة الإنتاج؟

يمتلك السودان قاعدة ضخمة من الثروة الحيوانية تجعل الجلود موردًا اقتصاديًا طبيعيًا للبلاد، لكن القيمة الحقيقية لهذا المورد ظلت لسنوات أقل بكثير من إمكاناته. وتقول تقديرات نقلتها الجزيرة عن مسؤول في وزارة الثروة الحيوانية إن البلاد تنتج نحو 22 مليون قطعة جلد سنويًا، بينما لا تتجاوز الكميات التي تصل إلى التصدير نحو 7 ملايين قطعة، وسط فاقد كبير يرتبط بضعف التجميع والحفظ والدباغة والتهريب. 

وكانت المشكلة موجودة قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، لكنها أصبحت أكثر حدة بعدها. فالمدابغ التي تمثل الحلقة الأساسية بين الجلد الخام والمنتج النهائي تعرض عدد منها للتوقف أو الضرر، خصوصًا في الخرطوم، بينما أدت الاضطرابات الأمنية وصعوبة النقل وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج إلى إضعاف سلسلة الصناعة من بدايتها حتى وصول المنتج إلى المستهلك.

وفي يونيو 2026، قال وكيل وزارة الثروة الحيوانية إن صادرات الجلود المصنعة توقفت نتيجة توقف المدابغ بسبب الحرب، مشيرًا إلى أن السلطات تعمل على إعادة تأهيل المنشآت المتضررة تمهيدًا لاستئناف النشاط. وفي المقابل، تظهر بيانات بنك السودان المركزي استمرار صادرات محدودة مصنفة ضمن «الجلود الخام والجلود» بقيمة نحو 1.8 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، وهو ما يعكس الفارق بين تصدير الخام واستعادة صناعة الدباغة والتصنيع بكامل طاقتها. 

ورش صغيرة تحمل عبء صناعة كبيرة

وسط هذا الواقع، تحاول الورش الحرفية ملء جزء من الفراغ. بعض أصحابها عادوا إلى الخرطوم بعد النزوح وبدأوا من جديد بأدوات محدودة ورؤوس أموال صغيرة. ومن بينهم محمد فتح الرحمن إبراهيم، الذي بدأ قبل الحرب مشروعًا منزليًا لتصنيع المنتجات الجلدية قبل أن يضطر إلى مغادرة العاصمة، ثم عاد وأعاد تشغيل ورشته بعد تحسن الأوضاع الأمنية في منطقته.

لكن العودة إلى العمل لم تعنِ عودة الظروف القديمة. فالحصول على الجلد المدبوغ والمواد الكيميائية والإكسسوارات المستخدمة في الحقائب والأحذية أصبح أكثر صعوبة، وتسببت كلفة النقل واضطراب الأسواق في زيادة العبء على الورش الصغيرة. بعض التجار لجأ خلال الحرب إلى استيراد الجلود لتغطية النقص المحلي، قبل أن تؤثر قيود الاستيراد وتغير السياسات التجارية بدورها على توفر الخامات. 

وهنا تكمن إحدى مفارقات الاقتصاد السوداني: بلد يمتلك ملايين الحيوانات ويُفترض أن يكون مصدرًا مهمًا للجلود، بينما قد يضطر بعض مصنعيه المحليين إلى البحث عن الجلد المدبوغ خارج البلاد لأن المادة الخام الموجودة داخله لا تجد المدابغ القادرة على تحويلها إلى خامة جاهزة للصناعة.

«المركوب» أكثر من حذاء

ولصناعة الجلود في السودان بُعد آخر لا يمكن قياسه بالدولار وحده. فـالمركوب السوداني، إلى جانب الحقائب والأحزمة والسروج وغيرها من المنتجات، يمثل جزءًا من تاريخ الحرف التقليدية في البلاد.

وفي سوق أم درمان تحديدًا، ارتبطت أجيال من الحرفيين بهذه المهنة، وانتقلت مهارات القص والخياطة والتشكيل من الآباء إلى الأبناء. بعض الصناع يعمل اليوم على تحديث تصميمات المركوب واستخدام أنواع مختلفة من الجلود، بما يسمح بالحفاظ على هويته التقليدية وفي الوقت نفسه تقديمه لأسواق جديدة. 

لكن استمرار الحرفة يحتاج إلى أكثر من مهارة الصانع. فالحرفي الذي لا يجد الجلد المناسب، أو يجده بسعر يفوق قدرة المستهلك المحلي، سيجد نفسه في نهاية المطاف أمام خيار صعب: رفع السعر، تقليل الإنتاج أو إغلاق الورشة.

الثروة موجودة.. والقيمة تضيع

التحدي الأكبر أمام السودان ليس إنتاج الجلود الخام بقدر ما هو تحويلها إلى قيمة مضافة. فتصدير الجلد الخام يدر عائدًا محدودًا مقارنة بتصديره بعد الدباغة أو تحويله إلى أحذية وحقائب ومنتجات نهائية.

وفي أبريل الماضي أعلنت وزارة الثروة الحيوانية خطة لإنعاش القطاع، وسط تقديرات رسمية بأن أكثر من نصف الجلود المتاحة قد يفقد أو يهدر بسبب ضعف طاقات المعالجة والتهريب وسوء التنسيق بين مراحل الإنتاج. 

وهذا يعني أن إعادة تشغيل مدبغة واحدة لن تكون كافية. فالسلسلة تبدأ من المسالخ وطريقة سلخ الحيوان وحفظ الجلد، ثم النقل والتخزين والدباغة، وبعدها التصميم والتصنيع والتسويق والتصدير. أي خلل في واحدة من هذه الحلقات قد يخفض قيمة المنتج النهائي أو يؤدي إلى تلف الجلد بالكامل.

كما أن إعادة تأهيل الصناعة يمكن أن تتجاوز مسألة زيادة الصادرات، لأنها قادرة على خلق وظائف في المدن والريف وربط الثروة الحيوانية بالصناعات الصغيرة والمتوسطة بدل الاكتفاء بتصدير الحيوان الحي أو الجلد الخام.

ما بعد الحرب

إذا نجح السودان في إعادة بناء قطاع الجلود، فإن إحدى أهم الفرص قد تكون الانتقال من اقتصاد بيع المواد الخام إلى اقتصاد التصنيع. فبدل خروج الجلد بقيمة محدودة ثم عودته في صورة حذاء أو حقيبة مستوردة بسعر أعلى، يمكن الاحتفاظ بجزء أكبر من سلسلة القيمة داخل البلاد.

لكن ذلك يتطلب إعادة المدابغ إلى الإنتاج، توفير الطاقة والمياه والمواد الكيميائية، تأهيل العمال، تحسين عمليات جمع الجلود، وفتح قنوات تصدير للمنتجات النهائية وفق المواصفات المطلوبة دوليًا.

أما الحرفيون الذين يواصلون العمل اليوم، فهم يخوضون معركة مختلفة عن تلك التي تدور في الجبهات. معركتهم مع انقطاع الخامات وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وغياب المصانع التي كانت تغذي أسواقهم. ورغم ذلك، لا تزال بعض الورش تفتح أبوابها، ولا يزال «المركوب» يُخاط يدويًا، ولا تزال قطعة الجلد تمر من يد الصانع إلى يد الزبون.

وقد تكون تلك التفاصيل الصغيرة هي ما يمنع حرفة كاملة من الاختفاء. فالسودان لا يعاني نقصًا في الجلود، بل يعاني نقص القدرة على تحويل الثروة الموجودة في مراعيه إلى صناعة وفرص عمل وعائد اقتصادي. وبين مدبغة توقفت وورشة تحاول البدء من جديد، تقف صناعة الجلود اليوم مثالًا واضحًا على اقتصاد أنهكته الحرب، لكنه لم يتوقف تمامًا عن محاولة الحياة.

محررو لقطة AI – 9

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً