محررو لقطة
info@lagtaai.com
9 يوليو 2026
منذ انطلاق كأس العالم 2026، لم يقتصر الجدل على نتائج المباريات والمفاجآت الرياضية، بل امتد ليشمل المؤسسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم. فقد عادت الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للظهور بقوة، مدفوعة بسلسلة من الأحداث التي دفعت كثيرين للتساؤل: هل تجاوزت كرة القدم حدود الرياضة لتصبح ساحة تتداخل فيها السياسة والمال والمصالح التجارية؟
ورغم أن هذه الاتهامات لا ترقى حتى الآن إلى مستوى الأدلة القانونية التي تثبت وجود فساد منظم أو تلاعب مباشر بنتائج البطولة، فإن حجم الجدل الذي رافق بعض القرارات أعاد إلى الأذهان أسئلة قديمة لم تغادر الفيفا منذ سنوات.
عندما تدخلت السياسة في كرة القدم
أكثر الملفات إثارة للجدل كان الحديث عن تدخلات سياسية مرتبطة بالبطولة، خصوصاً بعد التقارير التي تحدثت عن اتصالات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الفيفا جياني إنفانتينو بشأن بعض القضايا الانضباطية المتعلقة بالمنتخب الأمريكي.
وبغض النظر عن مدى صحة أو تأثير تلك الاتصالات، فإن مجرد ظهورها في الإعلام أثار موجة واسعة من الانتقادات، لأن الفيفا ظلت لعقود تؤكد أن استقلالية القرار الرياضي تمثل أحد أهم مبادئها الأساسية.
المنتقدون رأوا أن أي انطباع بوجود تأثير سياسي على القرارات الرياضية يمثل خطراً على مصداقية البطولة، بينما رد المدافعون عن الفيفا بأن التواصل بين المسؤولين السياسيين والرياضيين ليس أمراً جديداً ولا يعني بالضرورة التدخل في صناعة القرار.
تقنية VAR.. من أداة للعدالة إلى مصدر للجدل
عندما تم إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، كان الهدف المعلن هو تقليل الأخطاء التحكيمية وتحقيق قدر أكبر من العدالة.
لكن مونديال 2026 كشف مجدداً أن التكنولوجيا لا تنهي الجدل دائماً.
ففي عدد من المباريات، احتجت جماهير ومدربون ولاعبون على قرارات اتخذت بعد العودة إلى تقنية الفيديو، معتبرين أن المشكلة لم تعد في رؤية الحكم للحالة، بل في طريقة تفسير اللقطات نفسها.
وبدلاً من القضاء على نظريات المؤامرة، وجد البعض أن تقنية VAR أحياناً تضيف طبقة جديدة من الغموض، خصوصاً عندما تختلف القرارات في حالات متشابهة أو عندما لا يتم نشر التسجيلات الصوتية الكاملة بين الحكام وغرفة الفيديو.
ولهذا ارتفعت الأصوات المطالبة بمزيد من الشفافية، على غرار ما يحدث في بعض الرياضات الأخرى التي تسمح للجمهور بالاطلاع على تفاصيل التواصل بين الحكام أثناء اتخاذ القرارات الحساسة.
الأرجنتين وميسي في قلب العاصفة
لم يكن من الممكن أن تمر البطولة دون أن تتصدر الأرجنتين والنجم ليونيل ميسي جزءاً كبيراً من الجدل.
فبعد عدد من القرارات التحكيمية المثيرة للنقاش، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي اتهامات تتحدث عن وجود رغبة ضمنية في استمرار المنتخبات والنجوم الأكثر جماهيرية لأطول فترة ممكنة داخل البطولة.
ولا توجد أي أدلة تثبت هذه المزاعم، إلا أن انتشارها يعكس حجم الشكوك لدى جزء من الجمهور، خاصة في عصر أصبحت فيه كل لقطة قابلة للتحليل وإعادة المشاهدة آلاف المرات خلال دقائق.
المال يغير شكل اللعبة
ربما يكون الملف الأكثر حساسية هو الجانب الاقتصادي.
فنسخة 2026 هي الأكبر في تاريخ كأس العالم بعد رفع عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً، وهو قرار حقق للفيفا عوائد مالية ضخمة من حقوق البث والرعاية والتسويق.
ويرى مؤيدو هذا التوسع أن الأموال الإضافية ستساعد على تطوير كرة القدم عالمياً وتمويل الاتحادات الوطنية والمشروعات الرياضية.
أما المنتقدون فيعتقدون أن التوسع جاء بدوافع تجارية في المقام الأول، وأن زيادة عدد المباريات رفعت من حجم الإيرادات أكثر مما رفعت من جودة المنافسة.
أزمة ثقة أكثر من كونها أزمة فساد
الحقيقة أن المشكلة الأساسية التي تواجه الفيفا اليوم ليست وجود أدلة جديدة على الفساد، بل وجود أزمة ثقة متراكمة.
ففضائح “فيفا غيت” التي انفجرت عام 2015 تركت أثراً عميقاً على صورة المنظمة، وجعلت الجماهير تنظر إلى أي قرار مثير للجدل بعين الشك والريبة.
ولهذا فإن الفيفا تجد نفسها أمام تحدٍ مستمر يتمثل في إثبات استقلالية قراراتها وشفافية أنظمتها وقدرتها على إدارة أكبر حدث رياضي في العالم بعيداً عن الضغوط السياسية والتجارية.
بين الحقيقة والانطباع
حتى الآن لا توجد تحقيقات أو أحكام تثبت أن كأس العالم 2026 شهد تلاعباً منظماً أو فساداً مؤسسياً داخل الفيفا.
لكن المؤكد أن البطولة أعادت فتح ملف الحوكمة والشفافية داخل المنظمة الدولية، وأظهرت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لإقناع الجماهير بعدالة القرارات، وأن استقلال الرياضة عن السياسة لا يزال هدفاً يواجه اختبارات صعبة في عالم تتداخل فيه المصالح بصورة غير مسبوقة.
وربما تكون المعركة الحقيقية للفيفا بعد مونديال 2026 ليست تنظيم بطولة ناجحة مالياً، بل استعادة ثقة جمهور بات أكثر تشككاً وأكثر قدرة على مساءلة المؤسسات الرياضية الكبرى من أي وقت مضى.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















