محررو لقطة AI – 19
14 أغسطس 2026
أعلن مجلس الوزراء السوداني إطلاق برنامج وطني لتوفير خدمات الكهرباء والمياه للتجمعات السكانية الرئيسية بالاعتماد على الطاقة الشمسية، متعهداً بتنفيذ الخطة خلال مدة لا تتجاوز 12 شهراً.
وجاء الإعلان عقب جلسة طارئة لمجلس الوزراء عقدت في الخرطوم برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، ناقشت أوضاع الخدمات الأساسية وبرامج إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بشبكات الكهرباء ومرافق المياه والطرق خلال الحرب.
وأطلق المجلس على المشروع اسم «نور وماء لكل السودان»، باعتباره برنامجاً عاجلاً يستهدف استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل شبكات المياه وتوفير الحد الأدنى من الإمداد الكهربائي في المدن والقرى والتجمعات المتأثرة بانهيار البنية التحتية.
ماذا وعدت الحكومة؟
قال وكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، جراهام عبد القادر، إن مجلس الوزراء توافق على أن تصبح الشمس، خلال 12 شهراً، مصدراً للكهرباء والمياه في المجتمع السوداني.
لكنه أوضح أن التعهد لا يعني توفير الكهرباء لكل منزل على مدار 24 ساعة، وإنما ضمان وصول الكهرباء وشبكة المياه إلى كل تجمع سكاني رئيسي.
ويضع هذا التوضيح حدوداً عملية للبرنامج؛ إذ يركز في مرحلته الأولى على إنشاء منظومات جماعية لتشغيل مصادر المياه والمرافق الأساسية، بدلاً من تركيب نظام مستقل لكل منزل أو إعادة بناء الشبكة القومية بالكامل خلال عام واحد.
ومن المتوقع أن تشمل الأولويات تشغيل آبار ومحطات المياه، والمراكز الصحية والمدارس ومرافق الخدمات، إلى جانب توفير نقاط كهرباء عامة داخل التجمعات التي يصعب ربطها سريعاً بالشبكة القومية.
ولم يكشف مجلس الوزراء حتى الآن عن التكلفة الإجمالية للمشروع، أو مصادر تمويله، أو عدد التجمعات المستهدفة، أو القدرات الكهربائية التي ستُركب في كل ولاية. سودان تريبيون
قطاع دمرته الحرب
يأتي البرنامج في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخ السودان، بعد تعرض محطات التوليد والمحولات وخطوط النقل والتوزيع لعمليات قصف ونهب وتخريب متكررة.
وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأضرار التي لحقت بشبكات الكهرباء بنحو ثلاثة مليارات دولار، مشيراً إلى أن الحرب أدت إلى انقطاع الإمداد عن مناطق واسعة، ودفعت الأسر والمزارعين والمتاجر وشركات الاتصالات إلى الاعتماد على الأنظمة الشمسية الخاصة.
وبحسب تقديرات البرنامج، تتراوح نسبة السكان الذين يحصلون على الكهرباء في السودان بين 45 و60 في المئة فقط، مع تركّز خدمات الشبكة القومية في المدن والمناطق الرئيسية.
وبلغت القدرة المركبة للطاقة الشمسية في البلاد نحو 190 ميغاواط حتى عام 2025، وهي قدرة محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، لكنها تكشف عن توسع تدريجي في استخدام الطاقة البديلة خلال سنوات الحرب.
وحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن تدهور قيمة الجنيه، والقيود الجمركية، وضعف الرقابة على جودة المعدات، وصعوبة الحصول على التمويل، قد تعرقل توسع سوق الطاقة الشمسية وتزيد تكلفة الألواح والبطاريات والمحولات. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
المياه في قلب الأزمة
لا تنفصل أزمة المياه عن انهيار الكهرباء، إذ تعتمد معظم المحطات والآبار وشبكات الضخ على التيار الكهربائي أو الوقود لتشغيل المضخات.
وأدى توقف الكهرباء وشح الوقود إلى خروج عدد كبير من محطات المياه عن الخدمة، واضطرار السكان إلى الاعتماد على مصادر غير مأمونة، ما ساهم في انتشار الكوليرا والأمراض المرتبطة بتلوث المياه.
وتشير تقديرات إنسانية إلى تضرر نحو 70 في المئة من مرافق المياه في 13 ولاية من أصل 18 ولاية سودانية، بينما حُرم ملايين النساء والأطفال من الوصول المنتظم إلى مياه شرب آمنة.
ومن شأن تركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية أن يقلل الاعتماد على الديزل، ويضمن استمرار تشغيل الآبار خلال ساعات النهار، خصوصاً في المناطق الريفية ومخيمات النزوح والتجمعات البعيدة عن الشبكة القومية.
كما يمكن ربط الألواح الشمسية بخزانات مرتفعة، بحيث تُضخ المياه خلال النهار وتُخزن لتوزيعها على السكان في الليل، مما يقلل الحاجة إلى البطاريات باهظة الثمن.
لماذا الطاقة الشمسية؟
يمتلك السودان معدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي خلال معظم أيام العام، ما يمنحه فرصة كبيرة لتطوير مشروعات الطاقة المتجددة في المدن والأرياف.
وتتميز الأنظمة الشمسية بإمكانية تركيبها بسرعة مقارنة بمحطات التوليد التقليدية وخطوط النقل الطويلة، كما يمكن إنشاء وحدات صغيرة مستقلة لكل قرية أو حي أو مرفق خدمي.
ويساعد هذا النموذج اللامركزي على تجاوز الدمار الذي أصاب الشبكة القومية، ويقلل مخاطر توقف ولايات كاملة بسبب استهداف محطة توليد أو خط نقل رئيسي.
كذلك تتيح الطاقة الشمسية خفض استهلاك الوقود المستورد، وتقليل تكلفة تشغيل مولدات الديزل، ودعم القطاعات الزراعية والصحية والتعليمية والتجارية.
واتجهت آلاف الأسر والمحال والمزارع السودانية بالفعل إلى تركيب أنظمة شمسية خلال الحرب، لكن ارتفاع الأسعار جعلها بعيدة عن متناول الفئات الفقيرة والنازحين، وهو ما يفرض على الدولة البحث عن تمويل عام أو شراكات خارجية.
هل تكفي 12 شهراً؟
يمثل الإطار الزمني الذي حددته الحكومة تحدياً ضخماً، بالنظر إلى اتساع السودان وتشتت تجمعاته السكانية واستمرار الحرب في عدد من الولايات.
ويتطلب تنفيذ البرنامج خلال عام إعداد حصر دقيق للتجمعات المستهدفة، وتحديد احتياجات كل منطقة، واستيراد مئات الآلاف من الألواح والمضخات والمحولات ووحدات التخزين، ثم نقلها وتركيبها وصيانتها.
كما يحتاج المشروع إلى تمويل كبير بالعملات الأجنبية في وقت تعاني فيه الموازنة العامة ضعف الإيرادات وتراجع الصادرات وارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب وإعادة الإعمار.
وتبرز كذلك تحديات الجودة، إذ شهدت الأسواق دخول ألواح وبطاريات متفاوتة المواصفات، بعضها يتلف بعد فترات قصيرة ولا تتوفر له ضمانات أو قطع غيار.
وسيكون تدريب الفنيين داخل الولايات ضرورياً لضمان صيانة المنظومات، لأن تركيب الأجهزة من دون إنشاء شبكات محلية للدعم الفني قد يحولها بعد أشهر إلى معدات معطلة.
الحاجة إلى خطة معلنة
يتوقف نجاح برنامج «نور وماء لكل السودان» على انتقاله من التعهد السياسي إلى خطة تنفيذية قابلة للقياس.
وتحتاج الحكومة إلى إعلان عدد التجمعات المستهدفة في كل ولاية، ومواعيد بدء المشروعات، ومصادر التمويل، والجهات المسؤولة عن التنفيذ والرقابة والصيانة.
كما يتطلب البرنامج وضع معايير لتحديد الأولويات، بحيث تبدأ المشروعات بالمناطق الأشد احتياجاً، ومراكز النزوح، والمرافق الصحية، والمناطق التي تشهد انتشار الأوبئة ونقص مياه الشرب.
ويمكن للشراكة مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية أن تسرع التنفيذ، لكن ذلك يحتاج إلى ضوابط واضحة للمشتريات والجودة والتكلفة، لمنع الفساد أو استيراد معدات رديئة.
فرصة لإعادة بناء مختلفة
لا يمثل التحول نحو الطاقة الشمسية حلاً مؤقتاً لأزمة الحرب فحسب، بل يمكن أن يشكل أساساً لإعادة بناء قطاع الكهرباء وفق نموذج أكثر مرونة وأقل اعتماداً على الشبكات المركزية.
فبدلاً من انتظار إعادة تأهيل كل محطات التوليد وخطوط النقل، تستطيع المنظومات المحلية توفير المياه والإنارة وتشغيل المدارس والمراكز الصحية والمشروعات الصغيرة بصورة أسرع.
لكن التعهد بتغطية التجمعات السكانية الرئيسية خلال 12 شهراً سيظل وعداً طموحاً ما لم ترافقه موازنة معلنة، وجدول زمني تفصيلي، وآلية مستقلة لمتابعة التنفيذ.
وإذا استطاعت الحكومة تحويل وفرة الشمس إلى خدمة مستقرة للمياه والكهرباء، فقد يصبح برنامج «نور وماء لكل السودان» أحد أهم مشروعات التعافي بعد الحرب. أما إذا بقي بلا تمويل أو مؤشرات تنفيذ واضحة، فسيتحول إلى إعلان آخر تنتظر المدن والقرى أن ترى أثره على الأرض.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات