محررو لقطة AI – 13
19 أغسطس 2026
قال وزير الدفاع السوداني، الفريق حسن داؤود كبرون، إن القوات المسلحة لم تصنع قوات الدعم السريع، وإن الأخيرة لم تكن في أي وقت جزءاً أصيلاً من المؤسسة العسكرية السودانية، رافضاً التعامل مع الطرفين باعتبارهما قوتين متكافئتين سياسياً أو عسكرياً.
وأوضح كبرون، خلال تصريحات متلفزة، أن تصوير الحرب الجارية بوصفها مواجهة بين جيشين متساويين في الشرعية والمكانة لا يعكس حقيقة تكوين المؤسستين، معتبراً أن محاولات وضع القوات المسلحة والدعم السريع على قدم المساواة تندرج ضمن ما وصفه بـ«الألاعيب السياسية».
وتأتي تصريحات وزير الدفاع في وقت تتصاعد فيه النقاشات بشأن مستقبل العملية السياسية وترتيبات ما بعد الحرب، ولا سيما القضايا المرتبطة بوحدة الجيش، وحصر السلاح في يد الدولة، ومصير القوات والتشكيلات المسلحة التي نشأت خلال العقود الماضية.
قوة موازية بقوانين خاصة
بحسب وزير الدفاع، فإن قوات الدعم السريع نشأت باعتبارها قوة موازية، وحصلت على وضع قانوني خاص بموجب ترتيبات وقرارات صدرت خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، لكنها لم تكن جزءاً من البنية المؤسسية الطبيعية للقوات المسلحة.
وقال كبرون إن الدعم السريع كانت في الأصل قوة تابعة للنظام السابق، قبل أن تُمنح صلاحيات واسعة ووضعاً قانونياً منفصلاً، وهو ما جعلها تعمل خارج التسلسل العسكري التقليدي المعتمد داخل الجيش.
وتحمل هذه التصريحات قراءة سياسية وقانونية لتاريخ نشأة الدعم السريع، إذ تسعى وزارة الدفاع من خلالها إلى الفصل بين مسؤولية المؤسسة العسكرية بوصفها مؤسسة قومية وبين القرارات السياسية التي قادت إلى إنشاء قوة مسلحة موازية.
غير أن قضية العلاقة القانونية السابقة بين الطرفين ستظل موضع نقاش، بعدما منحت القوانين والقرارات المتعاقبة الدعم السريع صفة «قوة نظامية»، وربطتها في مراحل مختلفة برأس الدولة والقائد الأعلى، قبل أن تفجّر الخلافات المتعلقة بالقيادة والدمج والإصلاح الأمني والعسكري المواجهة المفتوحة في أبريل 2023.
رفض المساواة بين الجيش والدعم السريع
ورفض وزير الدفاع الخطابات السياسية والإقليمية والدولية التي تتعامل مع القوات المسلحة والدعم السريع باعتبارهما طرفين متساويين في النزاع.
وأكد أن القوات المسلحة تمثل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، وتعمل وفق قانون وتسلسل قيادي وهيكل معروف، بينما تمثل قوات الدعم السريع، وفق توصيفه، قوة موازية تمردت على الدولة ومؤسساتها.
ولا يقتصر هذا الموقف على توصيف طبيعة الحرب، بل يمتد إلى تحديد شكل أي مفاوضات أو تسوية سياسية محتملة. فالمساواة بين الطرفين قد تعني، من وجهة نظر قيادة الجيش، منح الدعم السريع شرعية سياسية وعسكرية تتيح له العودة إلى ترتيبات الحكم أو الاحتفاظ بجزء من قواته وسلاحه بعد انتهاء الحرب.
لذلك ترتبط تصريحات كبرون بالموقف الذي تعلنه القيادة السودانية باستمرار، والقائم على رفض أي اتفاق يعيد إنتاج نموذج تعدد الجيوش أو يسمح بوجود قوة عسكرية مستقلة عن القيادة العامة للقوات المسلحة.
لا قوات موازية بعد الحرب
وقدم وزير الدفاع تعهداً أكثر وضوحاً بشأن مستقبل التشكيلات المسلحة، مؤكداً أنه لن يُسمح، بعد انتهاء الحرب، بوجود قوات موازية أو ميليشيات تتبع لأي حزب أو جهة سياسية.
وقال إن الدولة ستعمل على محاسبة كل من يمارس التجنيد خارج الأطر القانونية، مشدداً على أن حمل السلاح وتكوين القوات يجب أن يظلا من اختصاص مؤسسات الدولة وحدها.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل تعدد التشكيلات التي تقاتل حالياً إلى جانب القوات المسلحة، وبينها حركات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا للسلام، وقوات ومجموعات محلية تشكلت خلال الحرب، إلى جانب وحدات المقاومة الشعبية والمستنفرين.
وعلى الرغم من أن تصريحات الوزير استهدفت الدعم السريع بصورة مباشرة، فإن التأكيد على منع جميع القوات الموازية يعني نظرياً أن ترتيبات ما بعد الحرب يجب أن تشمل كل التشكيلات المسلحة من دون استثناء، سواء قاتلت ضد الجيش أو إلى جانبه.
ويضع ذلك الحكومة أمام اختبار بالغ التعقيد؛ فبناء جيش قومي واحد لن يتحقق بمجرد حل الدعم السريع، وإنما يحتاج إلى برنامج شامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وتحديد مصير القوات التابعة للحركات المسلحة والمجموعات التي نشأت خلال الحرب.
بين ضرورات الحرب ومطالب بناء الدولة
أدت الحرب إلى توسع كبير في عمليات التعبئة والتسليح، إذ اعتمدت القوات المسلحة على مجموعات مساندة في عدد من الجبهات لمواجهة الانتشار الواسع لقوات الدعم السريع.
ورغم أن هذه التشكيلات ساعدت الجيش في استعادة مناطق وتأمين مدن ومحاور استراتيجية، فإن استمرارها بعد توقف القتال قد يفتح الباب أمام صراعات نفوذ جديدة، خاصة إذا احتفظت بقياداتها ومصادر تمويلها وتسلسلها التنظيمي المستقل.
ومن هنا تبدو تصريحات كبرون محاولة لرسم خط فاصل بين مرحلة الحرب ومرحلة بناء الدولة. فما تسمح به ضرورات المواجهة العسكرية لا يمكن، وفق هذا التوجه، أن يتحول إلى وضع دائم يمنح الأحزاب أو الحركات أو الجماعات المحلية الحق في امتلاك جيوش خاصة.
لكن تطبيق هذا المبدأ سيحتاج إلى إرادة سياسية وقوانين واضحة وآليات عادلة، حتى لا يُستخدم تفكيك بعض القوات مع السماح لقوات أخرى بالاستمرار تحت أسماء جديدة. كما يحتاج إلى معالجة الأسباب التي دفعت المجتمعات المحلية إلى حمل السلاح، وفي مقدمتها ضعف الحماية، وغياب الدولة، والصراعات القبلية، وانعدام الثقة في الأجهزة الرسمية.
الجيش يتحدث عن تقدم ميداني
وفي الجانب العسكري، أكد وزير الدفاع أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تحقق تقدماً في مختلف المحاور، وأن العمليات مستمرة باتجاه حسم المعركة وتأمين أراضي البلاد.
ويأتي هذا التصريح بالتزامن مع استمرار المواجهات في محاور كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وسط تبادل للإعلانات العسكرية بشأن السيطرة على مناطق وطرق إمداد ومواقع استراتيجية.
ويعكس حديث كبرون ثقة القيادة العسكرية في قدرتها على مواصلة الضغط الميداني، لكنه لا يلغي تعقيدات الحرب الممتدة، ولا المخاطر التي يواجهها المدنيون نتيجة القتال والنزوح وانهيار الخدمات واتساع رقعة الأزمة الإنسانية.
كما أن الحسم العسكري، حتى إذا تحقق في مناطق واسعة، لن يكون وحده كافياً لإعادة الاستقرار، ما لم تصاحبه ترتيبات سياسية وأمنية تعالج جذور الأزمة وتمنع إعادة إنتاج القوات الموازية داخل الدولة.
البحر الأحمر جزء من الأمن القومي
وتطرق وزير الدفاع إلى التطورات الأمنية في منطقة البحر الأحمر، مؤكداً أن أي تهديد للممر المائي ينعكس مباشرة على أمن السودان واقتصاده وخدماته الأساسية.
وأشار إلى أن السودان يسعى إلى إنشاء قوة وطنية لخفر السواحل والانضمام إلى منظومة إقليمية للتنسيق والتعاون في مجال أمن البحر الأحمر.
وتنبع أهمية هذا الملف من الموقع الاستراتيجي للسودان وامتلاكه ساحلاً طويلاً يضم موانئ حيوية تمثل البوابة الرئيسية للتجارة الخارجية ووصول الوقود والقمح والدواء والسلع الأساسية.
كما أصبح البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد، في ظل اضطراب حركة الملاحة وارتفاع المخاطر الأمنية وانتشار القواعد العسكرية والمصالح المتقاطعة للدول المطلة والقوى الدولية.
ومن شأن إنشاء قوة خفر سواحل وطنية مؤهلة أن يعزز قدرة السودان على حماية موانئه ومياهه الإقليمية، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وتأمين السفن والمنشآت البحرية. إلا أن نجاح المشروع يتطلب تجهيزات متخصصة وتدريباً وتمويلاً وتنسيقاً مؤسسياً يمنع تداخل الاختصاصات بين القوات البحرية والأجهزة الأمنية والجهات المدنية.
رسائل تتجاوز ميدان القتال
تحمل تصريحات وزير الدفاع عدة رسائل في وقت واحد. الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل، ومفادها أن مرحلة تعدد القوات والجيوش يجب أن تنتهي مع انتهاء الحرب. والثانية موجهة إلى القوى السياسية التي تحاول بناء تسوية على أساس المساواة بين الجيش والدعم السريع. أما الثالثة فتتعلق بالمجتمعين الإقليمي والدولي، وتؤكد أن الحكومة تريد التعامل مع النزاع باعتباره تمرداً على مؤسسة الدولة، وليس حرباً بين جيشين متساويين.
لكن المعيار الحقيقي لهذه التصريحات سيظل مرتبطاً بما يحدث بعد توقف القتال. فإذا كان الهدف بناء دولة لا تسمح بوجود قوات موازية، فلا بد أن يشمل هذا المبدأ كل التشكيلات المسلحة، وأن يخضع الجميع لقانون واحد وسلطة مدنية دستورية ومؤسسة عسكرية قومية مهنية.
فالأزمة السودانية لم تبدأ فقط بسبب وجود قوة مسلحة خارج التسلسل التقليدي، وإنما أيضاً بسبب تراكم طويل من القرارات السياسية التي استخدمت السلاح والتشكيلات الموازية في إدارة الصراعات الداخلية.
ولذلك فإن منع تكرار التجربة يتطلب أكثر من إنهاء الدعم السريع؛ يتطلب إغلاق الباب نهائياً أمام إنشاء أي جيش حزبي أو قبلي أو شخصي، وإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والسلاح على أساس أن القوات المسلحة مؤسسة للدولة، وليست أداة لحزب أو نظام أو قائد.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات