المنشقون بين التكتيك العسكري وسؤال العدالة.. هل يضعف الجيش الدعم السريع أم يفتح جرحاً جديداً؟
المحرر | lagtaai.com
بدأ هذا الملف يفرض نفسه بقوة داخل المشهد السوداني، لأنه يتجاوز كونه قراراً عسكرياً مرتبطاً بالحرب الجارية، ليتحول تدريجياً إلى سؤال يتعلق بشكل الدولة التي ستولد بعد انتهاء الحرب.
فخلال الفترة الأخيرة، استوعب الجيش السوداني عدداً من المنشقين عن قوات الدعم السريع، ضمن استراتيجية تبدو واضحة تقوم على إضعاف الخصم من الداخل، والاستفادة من المعلومات الميدانية التي يمتلكها القادمون الجدد.
من الناحية العسكرية البحتة، تبدو الفكرة منطقية.
فالجيش الذي يخوض حرباً طويلة ومعقدة سيحاول بطبيعة الحال الاستفادة من أي تصدعات تحدث داخل خصمه.
لكن المشكلة لا تبدأ داخل ساحات القتال، بل تبدأ بعد تجاوزها.
الحرب تطرح سؤال اليوم التالي
في الدول التي مرت بحروب أهلية طويلة، لم يكن إنهاء المعارك هو التحدي الأكبر، بل كانت إدارة مرحلة ما بعد الحرب هي الاختبار الأصعب.
وهنا يظهر السؤال السوداني الجديد:
هل يكفي الانشقاق عن الدعم السريع لتجاوز ملفات الماضي؟
هذا السؤال لا يطرحه السياسيون فقط، بل يطرحه أيضاً الضحايا وأسر القتلى والنازحون الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم خلال الحرب.
فبالنسبة لكثيرين، لا يمكن أن تتحول الانشقاقات العسكرية تلقائياً إلى صكوك براءة.
الجيش ينظر إلى الحاضر.. والضحايا ينظرون إلى الماضي
الجيش يتعامل مع المعركة باعتبارها أولوية آنية تحتاج إلى أدوات سريعة لإضعاف الخصم.
أما الضحايا فينظرون إلى الصورة من زاوية مختلفة تماماً.
فبالنسبة لهم، فإن العدالة ليست قضية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بل جزء أساسي من بناء السلام نفسه.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
السودان أمام معادلة شديدة الحساسية
إذا تجاهلت الدولة ملف العدالة، فقد تفتح الباب أمام شعور واسع بالإفلات من العقاب.
وإذا رفضت استيعاب أي منشقين بصورة مطلقة، فقد تخسر ورقة عسكرية مهمة خلال الحرب.
ولهذا يبدو أن السودان يقف أمام واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً منذ اندلاع الحرب.
معادلة تحاول التوفيق بين:
- ضرورات الحرب.
- بناء جيش موحد.
- مطالب الضحايا.
- العدالة الانتقالية.
- استقرار المجتمع بعد انتهاء القتال.
ما بعد الحرب يبدأ الآن
وربما تكشف هذه القضية حقيقة أكبر.
فالسودان بدأ بالفعل الدخول في مرحلة ما بعد الحرب، حتى وإن كانت الحرب نفسها لم تنته بعد.
لأن الأسئلة التي تدور اليوم لم تعد تتعلق فقط بالسيطرة على المدن أو خطوط الإمداد العسكرية، بل تتعلق بكيفية إعادة بناء الدولة نفسها.
ويبقى السؤال الأكبر:
هل ينجح السودان في تحقيق التوازن بين ضرورات الحرب ومتطلبات العدالة، أم أن أحد المسارين سيأتي على حساب الآخر؟



إرسال التعليق