محررو لقطة AI – 4
2١ أغسطس 2026
لم تعد موجة الحر التي تضرب ولاية البحر الأحمر مجرد حالة جوية قاسية يمكن احتمالها بالبحث عن الظل أو زيادة استهلاك المياه؛ فقد تحولت إلى حالة طوارئ صحية حقيقية، بعدما أعلنت السلطات تسجيل 160 إصابة بضربات الشمس، بينها 16 حالة وفاة.
وتكشف هذه الحصيلة خطورة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة والرطوبة، خصوصاً في مدينة بورتسودان والمناطق الساحلية التي تعاني ضغطاً سكانياً متزايداً، وانقطاعات في الكهرباء، وصعوبة حصول قطاعات واسعة من السكان على وسائل التبريد والمياه بصورة منتظمة.
وقالت المديرة العامة لوزارة الصحة بولاية البحر الأحمر، أحلام عبد الرسول، إن الوزارة بدأت تنفيذ إجراءات طارئة لمواجهة تزايد الحالات، شملت رفع كفاءة أقسام الطوارئ، وتجهيز عنابر التنويم بمعالجات تقلل درجات الحرارة، وإنشاء مراكز وغرف تبريد في المناطق الأكثر ازدحاماً.
كما خصصت السلطات الصحية رقم إسعاف مركزياً للتعامل مع بلاغات ضربات الشمس، وكثفت حملات التوعية وسط المواطنين وفي الأسواق والمناطق الصناعية ومحطات النقل ودور الإيواء، بالتعاون مع الإسعاف والدفاع المدني والجهات المعنية.
موجة تتجاوز قدرة الجسم على الاحتمال
تحدث ضربة الشمس عندما يفقد الجسم قدرته على تنظيم حرارته، فترتفع درجة حرارته الداخلية بسرعة إلى مستويات خطرة قد تؤدي إلى تلف الدماغ والقلب والكلى والعضلات، ثم الوفاة إذا لم يبدأ التبريد والعلاج بصورة عاجلة.
ولا يشترط أن يبقى الشخص تحت أشعة الشمس المباشرة لساعات طويلة حتى يصاب؛ فقد تحدث الإصابة داخل مكان شديد الحرارة وسيئ التهوية، خصوصاً مع الرطوبة العالية وانقطاع الكهرباء وتوقف المراوح وأجهزة التكييف.
وتزداد الخطورة في مدن البحر الأحمر بسبب اجتماع عدة عوامل: ارتفاع الحرارة، وزيادة الرطوبة الساحلية، والعمل في الأماكن المكشوفة، ونقص المياه، والإقامة في مساكن أو دور إيواء مكتظة لا تتمتع بتهوية كافية.
كما تجعل الرطوبة العالية عملية تبخر العرق أقل كفاءة، ما يمنع الجسم من التخلص من الحرارة بصورة طبيعية، حتى إذا كان الشخص يتعرق بغزارة.
ثلاثة مراكز تبريد في بورتسودان
اتخذت وزارة الصحة إجراءات شملت تجهيز ثلاثة مراكز أو غرف مبردة في المناطق التي تشهد كثافة كبيرة وحركة مستمرة للمواطنين، بالشراكة مع رابطة الأطباء السودانيين في الولايات المتحدة «سابا».
وشملت المواقع السوق الرئيسي والمنطقة الصناعية ومنطقة الشاحنات، وهي مواقع تضم أعداداً كبيرة من العمال والسائقين والباعة الذين يقضون ساعات طويلة في الخارج، ويتعرضون بصورة مباشرة لأشعة الشمس والحرارة المنبعثة من الأسطح والمركبات والطرق.
وتهدف هذه المراكز إلى توفير أماكن يمكن للمواطنين اللجوء إليها مؤقتاً لتخفيض حرارة أجسامهم والراحة وشرب المياه، قبل أن يصل الإجهاد الحراري إلى مرحلة الخطر.
كما جرى تجهيز مركز لاستقبال حالات ضربات الشمس، ورفع جاهزية الطوارئ والعنابر، مع إدخال معالجات تساعد على خفض الحرارة داخل مرافق التنويم.
لكن فعالية هذه التدابير ستظل مرتبطة بقدرة المراكز على العمل بصورة مستمرة، وتوافر الكهرباء والمياه والكوادر الطبية والمحاليل الوريدية ومعدات مراقبة وظائف الجسم.
من الأكثر عرضة للخطر؟
لا يتساوى الجميع في قدرتهم على تحمل الحرارة. ويواجه كبار السن والأطفال والحوامل والمرضى المصابون بأمراض القلب والكلى والسكري وضغط الدم خطراً أكبر من غيرهم.
كما يتعرض العمال في الأسواق والموانئ ومواقع البناء والمنطقة الصناعية وسائقو الشاحنات وعمال النقل والباعة المتجولون لخطر مرتفع، لأن طبيعة عملهم تفرض عليهم البقاء في الخارج خلال أكثر ساعات اليوم حرارة.
ويواجه النازحون المقيمون في دور الإيواء والمباني المكتظة خطراً مضاعفاً بسبب ضعف التهوية وقلة المياه وغياب أجهزة التبريد. وقد تضطر الأسر إلى البقاء في غرف ضيقة ذات أسقف معدنية تختزن الحرارة لساعات طويلة بعد غروب الشمس.
كذلك ترتفع المخاطر وسط الأشخاص الذين يتناولون بعض الأدوية، مثل مدرات البول وبعض أدوية الضغط أو الأمراض النفسية، لأنها قد تؤثر في توازن السوائل أو قدرة الجسم على التعامل مع الحرارة. ولا ينبغي إيقاف أي دواء من دون مراجعة الطبيب، لكن يجب زيادة الحذر وطلب الاستشارة عند ظهور أعراض غير معتادة.
علامات الإنذار المبكر
تبدأ مشكلات الحرارة أحياناً بإجهاد حراري يمكن تداركه إذا نُقل المصاب سريعاً إلى مكان بارد وحصل على الراحة والسوائل.
وتشمل علامات الإجهاد الحراري التعرق الغزير، والصداع، والدوخة، والإرهاق، والغثيان، وتشنج العضلات، والعطش الشديد، وتسارع النبض، والشعور بقرب الإغماء.
أما ضربة الشمس فهي حالة أخطر، وقد تظهر في صورة ارتفاع شديد في حرارة الجسم، واضطراب في الوعي، وتشوش أو سلوك غير طبيعي، وصعوبة في الكلام، وإغماء أو تشنجات، إلى جانب سرعة التنفس والنبض.
وقد يكون جلد المصاب ساخناً وجافاً، لكنه يمكن أيضاً أن يظل رطباً ومتعرقاً، خصوصاً إذا حدثت الإصابة أثناء بذل مجهود بدني. لذلك لا ينبغي انتظار توقف التعرق قبل اعتبار الحالة خطيرة.
إن ظهور اضطراب الوعي أو الإغماء أو التشنج مع حرارة شديدة يعني أن المصاب يحتاج إلى إسعاف فوري، وأن كل دقيقة تأخير قد تزيد احتمال حدوث تلف دائم في الأعضاء أو الوفاة.
ماذا تفعل عند الاشتباه بضربة شمس؟
يجب الاتصال بالإسعاف فوراً، ثم نقل المصاب إلى مكان مظلل أو مبرد والبدء في خفض حرارة جسمه من دون انتظار وصول الفريق الطبي.
يمكن نزع الملابس الخارجية الثقيلة، ورش الجسم بالماء البارد، وتوجيه مروحة نحو المصاب، ووضع كمادات أو مناشف باردة على الرقبة وتحت الإبطين وبين الفخذين، حيث تمر أوعية دموية كبيرة تساعد على تسريع التبريد.
وإذا أمكن، يمكن استخدام دش بارد أو غمر الجسم في ماء بارد مع مراقبة التنفس والوعي. ويجب وضع المصاب فاقد الوعي على جانبه إذا كان يتنفس، لتقليل خطر الاختناق في حال القيء.
ولا يجوز إعطاء الماء أو السوائل بالفم لشخص فاقد الوعي أو يعاني تشوشاً شديداً أو صعوبة في البلع، لأن ذلك قد يؤدي إلى دخول السوائل إلى مجرى التنفس.
كما لا ينبغي إعطاء المصاب أدوية خفض الحمى باعتبار أن المشكلة ليست حمى ناتجة عن عدوى، بل ارتفاع خطير في حرارة الجسم يحتاج إلى تبريد سريع ورعاية طبية.
الإجهاد الحراري ليس ضربة شمس
من المهم التمييز بين الإجهاد الحراري وضربة الشمس، مع التعامل الجاد مع الحالتين.
فالمصاب بالإجهاد الحراري يكون غالباً واعياً، لكنه يعاني تعرقاً شديداً ودوخة وغثياناً وضعفاً وتشنجات عضلية. ويمكن نقله إلى مكان بارد وإراحته وتخفيف ملابسه وإعطاؤه ماءً أو محلول إماهة على دفعات إذا كان واعياً وقادراً على البلع.
أما إذا لم تتحسن حالته سريعاً، أو بدأ يعاني اضطراباً في الوعي أو ارتفاعاً شديداً في الحرارة أو قيئاً متكرراً، فيجب اعتباره مصاباً بحالة طارئة ونقله إلى المستشفى.
وقد يتحول الإجهاد الحراري إلى ضربة شمس إذا استمر التعرض للحرارة أو لم يحصل المصاب على التبريد والسوائل والراحة.
الوقاية تبدأ بتغيير ساعات النشاط
دعت السلطات المواطنين إلى تجنب التعرض المباشر للشمس، خصوصاً خلال ساعات الظهيرة وحتى فترة العصر، حيث تبلغ الحرارة أعلى مستوياتها.
ويُفضل إنجاز الأعمال الخارجية الضرورية في الصباح الباكر أو بعد انخفاض الحرارة مساءً. كما ينبغي توفير فترات راحة منتظمة للعمال، وعدم إجبارهم على العمل المتواصل في الشمس.
وعلى أصحاب الأعمال في الموانئ والأسواق والمصانع ومواقع البناء توفير مياه شرب آمنة ومواقع مظللة وفترات للراحة، ومراقبة العمال لرصد الأعراض المبكرة.
كذلك يجب ارتداء ملابس خفيفة وفضفاضة وذات ألوان فاتحة، واستخدام غطاء للرأس أو مظلة، وتجنب المجهود البدني الشديد خلال ساعات الذروة.
الماء قبل الشعور بالعطش
يحتاج الجسم في الأجواء شديدة الحرارة إلى تعويض السوائل بصورة منتظمة، ولذلك يجب شرب الماء قبل الوصول إلى مرحلة العطش الشديد.
ويفضل حمل عبوة ماء عند الخروج، وتقديم السوائل بصورة منتظمة للأطفال وكبار السن، لأن بعضهم قد لا يشعر بالعطش أو لا يستطيع التعبير عنه بوضوح.
وعند التعرق لفترات طويلة يمكن استخدام محاليل الإماهة لتعويض الماء والأملاح، خصوصاً للعمال الذين يبذلون مجهوداً كبيراً. لكن الأشخاص الذين يعانون أمراض القلب أو الكلى ويخضعون لقيود على استهلاك السوائل يحتاجون إلى استشارة طبية بشأن الكمية المناسبة.
ويُنصح بتقليل المشروبات التي تحتوي كميات عالية من الكافيين والسكر، وتجنب الكحول تماماً، لأنها قد تزيد الجفاف أو تؤثر في قدرة الجسم على التعامل مع الحرارة.
انقطاع الكهرباء يرفع مستوى الخطر
لا تنفصل أزمة ضربات الشمس عن وضع الخدمات الأساسية في الولاية. فانقطاع الكهرباء أو اضطرابها يؤدي إلى توقف المراوح وأجهزة التكييف، ويجعل المنازل والمستشفيات ودور الإيواء أكثر سخونة.
كما يمكن أن يؤثر انقطاع التيار في تشغيل مضخات المياه، ما يضع السكان أمام خطر مزدوج: حرارة شديدة مع صعوبة الحصول على الماء.
وتصبح الحاجة أكثر إلحاحاً في الأحياء الفقيرة والمناطق الطرفية ودور الإيواء، حيث تعتمد الأسر على وسائل تبريد محدودة، وقد لا تمتلك القدرة على شراء الثلج أو تشغيل مولدات خاصة.
ومن هنا، فإن التعامل مع موجة الحر لا يقع على وزارة الصحة وحدها؛ بل يحتاج إلى تنسيق مع قطاعات الكهرباء والمياه والمحليات والدفاع المدني والنقل والعمل الإنساني.
دور الإيواء في دائرة الخطر
تستضيف بورتسودان ومدن أخرى في البحر الأحمر أعداداً كبيرة من النازحين الذين وصلوا خلال سنوات الحرب. ويقيم بعضهم داخل مدارس ومبانٍ عامة أو مساكن مؤقتة لا تتناسب مع الظروف المناخية الساحلية.
وفي الأماكن المكتظة، ترتفع الحرارة سريعاً، وتضعف حركة الهواء، ويصبح نوم الأطفال وكبار السن داخل الغرف الحارة خطراً في حد ذاته.
وتحتاج دور الإيواء إلى توفير مظلات ومراوح ومبردات ومياه كافية، إلى جانب نقاط صحية قريبة قادرة على التعرف المبكر إلى حالات الإجهاد الحراري.
كما يجب تنظيم حملات توعية بلغات وأساليب تناسب مختلف الفئات، وعدم الاكتفاء بنشر التعليمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن كثيراً من الفئات الأكثر عرضة للخطر قد لا تصلها هذه الرسائل.
حملات التوعية الميدانية
أعلنت وزارة الصحة تكثيف حملاتها في أماكن التجمعات ودور الإيواء بالتعاون مع الدفاع المدني والإسعاف والجهات ذات الصلة.
وتمثل التوعية الميدانية جزءاً أساسياً من الاستجابة، لأن كثيراً من الوفيات قد تحدث نتيجة التأخر في التعرف إلى الأعراض، أو محاولة معالجة الحالة داخل المنزل بوسائل غير كافية.
ويجب أن تركز الحملات على علامات الخطر، وطريقة التبريد الأولي، ورقم الإسعاف، وأقرب المراكز المجهزة، إلى جانب توضيح الفارق بين التعب العادي وضربة الشمس.
كما يمكن تدريب العاملين في الأسواق والمواصلات ودور الإيواء على الإسعافات الأولية، لأنهم غالباً أول من يشاهد المصاب قبل وصول الفرق الطبية.
رقم إسعاف لطوارئ ضربات الشمس
خصص الإسعاف القومي بولاية البحر الأحمر الرقم 0129129777 لاستقبال بلاغات حالات ضربات الشمس ونقل المصابين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة.
ويُستحسن الاحتفاظ بالرقم في الهواتف وكتابته بصورة واضحة داخل الأسواق ومواقع العمل ودور الإيواء ووسائل النقل، حتى لا يضيع الوقت في البحث عنه أثناء الطوارئ.
وعند الاتصال، ينبغي تحديد موقع المصاب بدقة، ووصف حالته وما إذا كان واعياً ويتنفس، وذكر الإجراءات التي بدأت لتبريده.
أزمة مرشحة للتفاقم
تثير حصيلة 16 وفاة و160 إصابة مخاوف من أن تكون الأرقام الفعلية أكبر، لأن بعض الحالات قد لا تصل إلى المرافق الصحية أو تُسجل رسمياً، خصوصاً في المناطق البعيدة.
وقد يتعامل بعض السكان مع الصداع والإرهاق والدوخة باعتبارها آثاراً طبيعية للحر، ثم تتدهور الحالة بصورة مفاجئة. كما أن صعوبة النقل أو ارتفاع تكلفته قد تؤخر وصول المصابين إلى المستشفيات.
وتحتاج السلطات إلى نشر تحديثات منتظمة عن أعداد الإصابات والوفيات والمناطق الأكثر تأثراً، إلى جانب الإعلان الواضح عن أماكن مراكز التبريد والطوارئ وساعات عملها.
كما يجب مراقبة قدرة المستشفيات على استيعاب الحالات، وضمان توافر المحاليل والمياه والثلج وأجهزة التبريد والكهرباء الاحتياطية.
الحرارة ليست مجرد طقس
تكشف أزمة البحر الأحمر أن موجات الحر لم تعد حدثاً موسمياً عابراً، بل تهديداً مباشراً للصحة العامة يتطلب خططاً ثابتة للإنذار المبكر والاستجابة.
فالمواطن الذي يعمل تحت الشمس لا يستطيع دائماً الامتناع عن الخروج، والنازح داخل مأوى مكتظ لا يملك جهاز تكييف، والمريض لا يستطيع تحمل انقطاع الكهرباء أو المياه.
ولهذا، فإن مطالبة السكان بالبقاء في الظل وشرب الماء ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب توفير مياه منتظمة، وكهرباء مستقرة للمستشفيات، ومراكز تبريد في مناطق التجمع، وحماية للعمال من ساعات العمل الخطرة، واستجابة إسعافية سريعة.
لقد دفعت ولاية البحر الأحمر ثمناً بشرياً ثقيلاً بلغ 16 وفاة حتى الآن. ومع استمرار ارتفاع الحرارة والرطوبة، يصبح التحرك المبكر مسؤولية مشتركة؛ لأن ضربة الشمس قد تبدأ بصداع ودوخة، لكنها تستطيع خلال وقت قصير أن تتحول إلى حالة قاتلة.
عين ترصد الحدث.. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات